نحو أدب الاشتباك

هذا المقال يفتتح سلسلة اسبوعية للكاتب الفلسطيني باسم خندقجي في «القدس العربي». يأتي صوت خندقجي الى قرائنا بعد واحد وعشرين عاما في سجون الاحتلال، ليقدم قراءات نقدية تتصل بالادب والفكر وقضايا الانسان الفلسطيني، مستندا الى تجربة شخصية ومعرفة تراكمية.

فيما يلي نص المقال الأول:

ينطلق مفهوم أدب الاشتباك من تساؤل تتمحور مركزيته في كيفية كتابة أدب ضد استعماري، داخل السياق الاستعماري، وحول هذا التساؤل تدور تساؤلات أخرى من أهمها إلى أي مدى نجح الأدب العربي عموما، والفلسطيني خصوصا، في اختراق الوعي الشامل الخاص بالأدب العبري الصهيوني والمعرفة الصهيونية عموما؟
إن حضور الآخر الصهيوني، في النص أو الخطاب الأدبي العربي، لم يكن ليتجاوز الحضور النمطي التعيس، الذي لا يكفل تسليط الضوء على كل مناحي وأبعاد السياق العام الذي يتكون به المجتمع الصهيوني، ويمكن القول إن الأدب العربي عموما وقع في اسر تلك الصورة النمطية القاضية فقط بوحشية الصهيوني ودهائه وخبثه وقدرته على التحايل، من دون الخوض في أعماق دهاليز الحركة الصهيونية كحركة أيديولوجية، انطلقت أساسا من مجموعة أفكار، وبهذا فقد جرى تحويل وتمثيل الصهيوني في النص العربي تمثيلا مشوها ومصمتا أيضا.
إنه حضور بائس وضعيف لا يشي بالإمكانيات الهائلة للوعي الصهيوني كوعي قومي عنصري واستعماري، مهووس بالتفاصيل الصغيرة والسيطرة، ومن هنا يجب أن يتحرر المثقف والمثقفة العربيان، من أسر هذه الصورة النمطية، بطريقة تؤدي إلى إثبات السياق الاستعمار الكولونيالي لدولة إسرائيل الصهيونية، ومن ثم الاشتباك مع المخرجات الثقافية والأدبية والفكرية العامة للرؤية الصهيونية، ويصبح الاشتباك هنا عندما يحوزه المثقف والأديب العربي والفلسطيني، منهجا نقديا معبأ بقدرات فكرية ومعرفية جديدة عن دولة إسرائيل، بتمثيلاتها وتجلياتها كافة، ولن يتسنى حدوث ذلك، من دون الإعلان عن فتح الجبهة الثقافية في وجه المستعمر الصهيوني جبهة قائمة على أسس ثقافية مغايرة ونقدية، تعبر عن مدى حاجة الفلسطيني اليوم إلى فهم وإدراك محددات الآخر الصهيوني وتسليط الضوء على الأبعاد الخفية للصهيونية حركة معرفية مشحونة بالعنصرية ومرتبطة ارتباطا مخيفا مع القوة الغاشمة، وعليه تصبح الثقافة النقدية متحركة ضمن معادلة أدب الاشتباك، واشتباك الأدب في حركة متجددة تحمي المثقف والمثقفة العربيين والفلسطينيين من التورط في العنصرية وقراءة الصهيوني، كما قرأ هذا الأخير ومثّل الفلسطيني في نصوصه وخطابه العام، ككائن خاضع وصامت وسلبي ومنفعل، وجرى تصنيفه مسبقا كعنيف ومخرب وإرهابي ودموي، معلنا في ذلك الأدب الصهيوني عن انحيازه إلى الرؤى الاستشراقية الخاصة بالحركة الصهيونية.
إن أدب الاشتباك هو أدب مضاد للعنصرية والكولونيالية ويعلن عن انحيازه التام مع المقهورين والمهمشين والمستضعفين، ويعبر عن قضايا خاصة وعامة ضمن جدلية العلاقة، بين العام والخاص، وعليه تغدو فلسطين وحضورها في النص والخطاب الثقافي العربي، حضورا محليا وكونيا، وفي السياق ذاته، حضورا كونيا يرفض خيارات القومية الضيقة والعنصرية والتصنيف والجوهرانية، وينتقد الصهيوني المستعمر انتقادا معرفيا أخلاقيا يؤدي في النهاية إلى تبلور خطاب الحق الأخلاقي الفلسطيني، فالفلسطيني اليوم في نضاله ضد مستعمره وسياسات الموت والقتل الخاصة به، يتوجب عليه إحالة ركام غزة ودمارها إلى منصة يشرف منها على العالم، مقدما خطابا يعلن فيه عن حاجته إلى مواجهة تفكيك إنسانيته ومحو ملامحه، خطابا كونيا إنسانيا نقديا، قد يسفر عن جدوى تفي بوعود الصمود والإرادة والفداء في أرض غزة التي تشتبك اليوم لتستعيد إنسانيتها.

كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية