الخيط المرئي بين الأعمال الأدبية، يُشتق بوعي أو بدونه من خيط غير مرئيّ، مرتبط بحوادث الحياة؛ فينبت كلُ نصٍ في تربة آخر، ويُلتقط قلق الروح وتواصلها عبر الأشعة فوق البنفسجيّة للفن – الفن وحده- فكل عمل يكمل فك الشّيفرة السريّة للوجود. وهي على بساطتها « تبدو كأفكار متتابعة في عقل واحد».
هل بدأت أتحدث بطريقة صوفيّة!
نمو الروح الإنسانية! هذ المعنى الذي عبر عنه هيغل بأشدّ الطرق تعقيداً، فالعالم روح واحدة لكائن واحد؛ والأعمال الفنية خيوط في نسيج واحد يكفي أن تشد أحد أطرافه حتى ينفرط. «فالأسئلة التي تبذر في تربة نص تنمو في آخر»، ومذ طرح هيدجر فكرته حول السقوط «سقوط الدازاين»، والرواية تتابع هذا الانحدار في الروح الإنسانية بطريقة عكسيّة لما أمِلَه هيغل منها. تبدأ رحلة إسفاف الوعي وتقهقره، ببداية مشرقة تدعى الحضارة، لكنها تزداد قتامةً مع الوقت.
في عام 1938 كتب جان بول سارتر رواية «الغثيان»، لتجسيد فلسفته في اللامعنى والعدم، وحين كانت القيم الزائفة للبورجوازية في طريقها للتفكك – على الأقل في الفن- يكتشف أنطوان روكانتان، المنهمك في كتابة عمل تاريخي حجم الأكاذيب والنفاق؛ ويسبب له الوعيُ الحاد أزمة فقدان المعنى فيصيبه الذعر لدرجةٍ نشعر معها بأنّ مأزقه لن ينتهي إلا بالموت. المفارقة أنّ سارتر سينقذ روكانتان من الانتحار، عبر حلٍّ جماليّ، فعبر الكتابة والموسيقى يصبح للحياة معنى أخلاقي والتزام روحي تعكسه الحياة، لكن البير كامو، كان أكثر قسوة مع ميرسو في «الغريب»، لقد سلّمَهُ للغضب وترك للآخرين تقرير مصيره؛ ولم يكن أمامه سوى التمرد العبثي، فقرر أن يمدّ لسانه من فوق منصة الإعدام للحشود الغاضبة؛ فينتهي إلى طريق مسدود، وحين يطلب منه القس مناجاة الله يصرخ: «منذ زمن أحدق في هذه الجدران ولم أعثر عليه».
تتابع نبتة اللامبالاة نموها في رواية «شاي أسود» للروائي اللبناني ربيع جابر، يدفعه قلق وجودي إلى ابتداع طريقة حياة. فبطله شبيه ببطل كامو في «الغريب» لكنه بخلافه يملك عبقريّة الحكي الداخلي، ومادام العالم وهماً فلا قيمة لشيء.. وتتشوش حقيقة الفرد، وتنهار قيمة اللغة ويسود «سوء الفهم»، ولا جدوى من الكلام سوى تعميقه؛ ويُترك المكان الحكي الجواني. الحياة غير مبررة (فهي زائلة أولاً، ثانياً: سلسلة لا متناهية من الرغبات، فالتحققات فالخيبات فالرغبات»، يبحث في ذاكرته – فلا يعرف الشمعة من انعكاسها في المرآة؛ إنه الرجل الذي يتحرر من السلاسل في قصّة الكهف الأفلاطونية، إزاء المقيدين إلى الجدار، وهم الرجال الذين يلوذون بكهف مقابل ملك ظالم/حياة ظالمة، في قصة الكهف الدينية، إنّه يونان في بطن الحوت، يعكس فراره شكل وجود عنوانه «الرفض العاجز» لقد كان النوم لمئات الأعوام خياراً مريحاً لأهل الكهف لماذا؟ لأنّهم عاجزون. لماذا لم يختاروا الثورة مثلاً على الحاكم الظالم؟ لماذا لم يختاروا الاحتجاج؟ لقد كان النوم طريق الفرار الأمثل؛ بينما استمر الظلم ينمو في الخارج كما تنمو أظافرهم وشعورهم..
الخزي: هو شكل الوجود الذي يختاره كافكا، فبعد نوم طويل وأثناء استيقاظه يكتشف (جوزيف ك) أنّه تحول لخنفساء ضخمة مقلوبة على ظهرها. عاجزة والجميع يرغب في التخلص منها. تكنسه أخته في نهاية الرواية كحشرة ميتة. وفي رواية «المحاكمة» يصحبه الجلادان يثبتان رأسه فوق صخرة «ويحزان عنقه» في «مستوطنة العقاب» تحفر آلة التعذيب بشفراتها الزجاجية على ظهره كلمة «مذنب»، إن كافكا يرى الوجود عقاباً كبيراً، لذا سيغلق الباب في وجه أي حل جمالي، حتى لو كان الحب.
التركة التي يواجهها الفن ثقيلة، وهي مزيج من العار والذنب والخذلان من هذا الإنسان الذي آمن فيه الفن ذات يوم، وهو يحاول بدون أمل استرجاعه من منحدر خطر اسمه «التفاهة». وأشد مخاوفه أن تصدق مقولة كونديرا الأخيرة: التفاهة جوهر الوجود.
وفي مقطع – يمكن قراءته كمفتاح لأعمال أخرى في هذه السلسة – تتغذى الحشرة الضخمة عنده على الفضلات، رافضةً أي طعامٍ طازج، هل لهذا المشهد دلالة؟ هذه الفضلات هي «عصر السرّة» في «حفلة التفاهة» لكونديرا، إنها فن المراحيض السمج، عصر سقوط الفرديّة والفرادة، إن أكبر خزي عند كونديرا هو التشابه وضياع الفرديّة، وربما هي مفتاح رفضه للاحتلال الروسي لبلده. سيبحث – مفككاً الشمولية – عن جذور التفاهة في ذات هذا الكائن، المولع بإعادة تدوير الفضلات، بل إن بداية الرواية تبدأ من هذه النقطة، والناس يحتشدون أمام معرض لشاغال فقط لتزجية الوقت، (فضلات أفكار، فضلات حياة، فضلات قيم، السرّة والتشابه فضلات جسد، (الفتحات الأقذر هي ثيمة عصر بكامله). إن خنفساء كافكا، تقف بانتظار معرض لوحات شاغال، فقط لتزجية الوقت؛ إنها كائن متآلف مع السطح ويتغذى على التفاهة.
في «عزلة الحلزون» للروائي السوري خليل صويلح، يختار المؤلف حشرة الحلزون، وهو كائن لزج يحتمي من التفاهة بقشرة هشّة، فخنفساء كافكا التي تتصدر المشهد الآن، تحمل السيف أو القلم- سيان ـ متمثلة بمدير لدار للنشر، أو تضع النجوم اللامعة؛ مثقفة تجلس في البارات والمقاهي لاصطياد الفتيات أو تعبر الصحراء حاملة معها الجشع والقسوة والتصحر والجفاف والعجاج لِلُّغة. إنّها مولعة بفضلات التاريخ تتغذى عليها وتتآلف مع الروائح العفنة التي تفوح من كتب التاريخ، لكن هل من مقاومة للفرد؟
يتصدى بدون جدوى «محرر» في دار للنشر، للترهات ثم يسقط أخيراً في اليأس، ويكف عن محاولة تنقيح اللغة من العشب السّام (كما يحب أن يصفه) يراقب الخنفساء، وهي تتغذى على أفكار متعفِّنة، على كتب أشخاصٍ ميتين، تتحول الفضلات من معناها المادي كبقايا للطعام، إلى معنى رمزي، للفرد الذي يؤثر إعطاء قيمة لكل سقط متاع، للقسوة التي تحملها اللغة، للعنف الذي يجعل من البطل كائناً مرتبكاً مرتبطاً، بدون إرادة منه بتاريخ قاس، ولا يمكنه الانفصال عنه، يتصل عبر حبله السريّ بكل أشكال الخزي والعار، فيلوذ بقشرته. البربرية المعاصرة لا تقل قسوة عن البربرية التاريخية، الحاضر هو الخاصرة الرخوة في جسد الحياة؛ والماضي صلب وقاس، رغم رائحته التي تزكم الأنف. لقد بات شخوصه بدون عواطف «أشكال مخذولة للوجود»، وما محاولات الإنسان الدائمة إلا عبث، لذا نعثر على الرقص، أو اللامبالاة، التصوير أو الهرب والانتحار، دائما هناك هارب من السفينة، التي غزتها خنفساء عمياء؛ إنه جحيم مصنوع من فقدان الانفعالات البشرية الطبيعية، وسيادة البلادة الروحية. لا يمكن نبش الماضي، بدون التلوث بلزوجته المقززة، وبذا يجرد المعنى من كل قيمة وتصبح كلمة تاريخ كلمة فارغة.
إذن أين يكون المعنى! وكيف يكون موجوداً أصلاً مادام كل شيء مجرد وهم وكذب؟ (الغزو، الشبق المرضي، والكذب) لا يوجد حلّ جمالي في الأفق! ينمو سؤال الهويّة المعتّلة مع قندس محمد علوان، في روايته التي تحمل الاسم ذاته «القندس»، وهو الحيوان الأنسب لوصف شكل من الوجود كاذب هو الآخر. الرياض نهر كبير، والناس قنادس صغيرة تسبح فيه وتبني السدود، وما هي السدود ؟ (الكذبات الاجتماعية – الثروة – الزيجات القائمة على الكذب وغير المتوافقة – النفاق القبلي- الرهبنة الروحيّة والدينيّة رداً على الفشل). لقد عانى الراوي في «القندس»، من زيف العلاقات الاجتماعية التي تطحن الفرد إرضاء للقطيع؛ فكان القندس الضال الذي يتلقى النصائح المجانية. الكل ديكتاتور صغير وطاغية صغير، الكل يريد أن يسدي النصائح لا لمشاعر صادقة، بل لغلبة الطاغية فينا. بيوت متشابكة مغلقة على أسرارها في نهرٍ راكد كبير اسمه البلاد. نحن نسخ عن القندس إن جيناته تجري فينا، (الحذر- التواري) تحت الأخشاب، نحن قنادس «عائلة حذرة قلقة، فظة وباردة، عندما يقرض القلق عظامنا نقرض بقية الاشياء». هذه البلاد التي تسمى النهر لا يحترم إلا السدود العظيمة.
إنّ المال والمظاهر مجرد أقنعة، وشبكة علاقات قندسيّة حيث يخسر الإنسان ذاته كي يرضي منظومة قيمية مهترئة ومتآكلة؛ وهو ليس سوى ترس مهترئ في العجلة المجوَّفة، قنادس كل همها بناء السدود، (العز –الجاه – العشيرة- الإنجاب- المساجد التي تحمل أسماء من يبنيها). القندس كائن بدون هدف أو هوية، علاقات مؤثثة بالكراهية، تنقطع لأوهى سبب، ممعنة في برودتها، لقد ركلته الرياض خارج حيزها وشعر بنفسه تائها عكس التيار، لا يغرق ولا يسحبه التيار كالبقية فيرتاح. ويُبقي عليه المؤلف تائهاً بدون قرار. مع كل ولادة نص يبزغ سؤال يتولى نص آخر إكماله، فكأن الأعمال الأدبية تصدع في جدار أو نهر يتفرع إلى جداول أصغر فأصغر، تتابع طريقها عبر بعضها بعضا! «غثيان» روكانتان وعثوره على حريته في الفن، وعدمية ميرسو في «الغريب» وعثوره على صورته في الجريمة والرفض، تشوش بطل ربيع جابر والعودة لبهيميته (يأكل بطريقة بهيميّة بقايا الطعام). مع كونديرا تنتظر خنفساء كافكا أمام معرض لشاغال، وتحتفي بفضيلة التشابه، وهي خنفساء حذرة قلقة تبني السدود وتتغذى على فضلات التاريخ. تُصّور هذه النصوص الإنسان، وهو يختار شكل حياته مدفوعاً بوهم أنه «حر» إنها حريته في اختيار شكل انحداره، إنّ التركة التي يواجهها الفن ثقيلة، وهي مزيج من العار والذنب والخذلان من هذا الإنسان الذي آمن فيه الفن ذات يوم، وهو يحاول بدون أمل استرجاعه من منحدر خطر اسمه «التفاهة». وأشد مخاوفه أن تصدق مقولة كونديرا الأخيرة: التفاهة جوهر الوجود.
تترابط الأعمال الروائية والفنيّة في صوفية من نوع جديد، صوفية غرباء يربط بينهم خيط شعري عنوانه العريض: اليأس من مسخ كافكا الذي يتفنن في أشكال سقوطه وخزيه (هل ما زلت أتحدث بطريقة صوفيّة!)
كاتبة سوريّة