أحمد يوسففي مناخ الثورة الشعبية التي تعيشها مصر الآن، تزدهر الأحلام بمستقبل أفضل، وتزدحم ساحات الحوار بأفكار متصارعة وإن كانت تهدف جميعا لإعادة ولادة لمصر كما نتمناها. إنها أحلام وأفكار مشروعة، لكنها تعاني أحيانا من الغموض، حتى أن الأمر يبدو كمن عاش في الظلام طويلا ليخرج فجأة إلى النور. إنه يظل للحظات عاجزا عن الرؤية الصحيحة الدقيقة، وأرجو ألا يطول بنا الزمن في هذه الحالة، وألا تلهينا نشوة أن نكون على طريق الانتصار ـ وإن كنا لم نحققه كاملا بعد ـ عن التفكير في المستقبل، والأهم هو العمل على تحقيق هذا المستقبل، وإنني لأشعر بالقلق من أن نكرس كل جهودنا لمصارعة الماضي وحده، دون أن نلتفت إلى أن نبدأ العمل الآن وفورا في إقامة أركان الوطن الذي نحلم به. هناك مثلا نية لانتخابات تشريعية بعد شهور قليلة تزداد اقترابا، ولم تنظم الأحزاب السياسية صفوفها بعـد، القديم منها وما هو على وشك أن يتأسس، لدخول هذه ‘المعركة’، التي لن تحتاج فقط إلى إعلان إقامة هذا الحزب أو ذاك، وإنما أيضا إلى إصلاح حقيقي في قانون الأحزاب كما طرحه المجلس العسكري.
سألني أحد الأصدقاء بكل حسن النية: ‘هل ستعطينا (روح) ثورة كانون الثاني (يناير) أملا جديدا في أن تعود السينما المصرية إلى قوتها، وأن تحقق أيضا تطورا نحو مستقبل أفضل؟’ وكانت إجابتي: ‘(الروح) إن لم تسكن جسدا سوف تبقى هائمة، لا بد أن نقف على أرض صلبة، ولكي تحقق مشروعك عليك أن توفر مقوماته، والسينما ليست أفكارا في الرأس أو حتى أفكارا مدونة على ورق (كما يحدث في الأدب مثلا)، لكنها تشبه مُنتَجًَا مصنوعا على خط التجميع الآلي، عبر مراحل عديدة من التفكير والتنفيذ، ومن الإنتاج والتسويق.’ هذه المقومات هي ما يجب أن نبحث عن تحقيقه الآن، وربما نضطر في مقال آخر إلى أن نكرر ما سبق أن ناقشناه مرة بعد أخرى حول خطوط أساسية لبناء صناعة سينمائية، لولا أن المهم أن يدرك أهل الصناعة أنفسهم أنهم هم من سوف يتولى عملية البناء، وإن كنت لا أرى حتى الآن دليلا على امتلاك هذه الإرادة، فليست هناك مثلا في نقابة السينمائيين ـ حتى بعد الثورة ـ مجموعة تملك الرؤية الصحيحة والمتكاملة لوجود صناعة سينما قوية، وهو الوجود الذي لن يتحقق بدوره إلا عبر ‘معركة’ أخرى، يناضلون فيها من أجل التخلص من إرث كئيب جعل السينمائيين أسرى لرأس المال العابر الذي يبحث عن ربح سريع، وقد ذكرنا في العديد من المقالات أن رأس المال ذاك سوف يهرب مع أول إحساس بالخطر، وهو ما يحدث بالفعل الآن بما سوف يترك أثرا فادحا على الصناعة في المستقبل المنظور، والحل مرة أخرى وليست أخيرة هو الدخول برؤية ناضجة ومتكاملة إلى معركة بناء الصناعة السينمائية من جديد.
تكمن المشكلة دائما في أننا في حالة الاستغراق في الأحلام قد نشير إلى أسباب ثانوية للمشكلة، ونبتعد عن الأسباب الرئيسية والجوهرية. والمثال الصارخ على ذلك هو الدعوة (أكرر: المشروعة) لإلغاء الرقابة باعتبارها المسؤول الأساسي عن تخلف السينما المصرية وتقييد حركتها نحو آفاق جديدة. وبالطبع فإن هذه الدعوة تتماشى تماما مع المطالبة بكل أنواع ‘الحرية’، وسوف تسمع دائما عبارة ‘حرية الإبداع’ كأنها الإجابة المنطقية الحاسمة، القاطعة المانعة، عن كل الأسئلة المتعلقة بوجود الرقابة أو إلغائها.
وإذا كنت أضع نفسي الآن في موقف المطالبة بالتأني في هذا الأمر، فإنني سوف أصبح على الفور متهما بالوقوف ضد حرية الإبداع، لذلك سأحاول أن أكون واضحا من البداية في موقفي: إنني مع وجود ‘رقابة’ ما على السينما بوجه خاص، لكنني لست على الإطلاق مع الشكل القائم الآن من ‘هذه’ الرقابة، الشكل الحكومي السلطوي، الذي يتحدث دائما عن ‘النواهي والمحظورات’ في صياغات مطاطة، هي في واقع الأمر تخدم السلطة تحت شعار ‘منع ما يكدر الأمن العام والسلام الاجتماعي’ (وللأسف تسللت هذه الصياغات لقانون الأحزاب المطروح الآن!)، وهي عبارة يمكن لأي رقيب أن يلصقها كما يحلو له بأي عمل فني، حتى لو كان أغنية ‘ماما زمانها جاية’ أو ‘عيد ميلاد أبو الفصاد’! أقول أنني لست أبدا مع ‘هذه’ الرقابة التي نشأت في بدايتها كأحد أقسام وزارة الداخلية، وتتعامل مع السينما باعتبارها نوعا من ‘الملاهي’، وحتى بعد انتقالها لوزارة الثقافة لا تزال الرقابة تعرض السيناريوهات والأفلام على جهات أخرى مثل وزارة الداخلية أو الدفاع أو المؤسسات الدينية الرسمية. هدف مثل هذا النوع من الرقابة ليس في حقيقة الأمر إلا الإبقاء على الوضع القائم والدفاع عنه، بقمع كل محاولة للتغيير للأفضل، وكما تعلمنا ـ في أقسى درس من دروس التاريخ ـ عبر الثلاثين عاما الماضية، فكلمة ‘الاستقرار’ كانت قناعا زائفا يختفي وراءه الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، والتخلي عن كل مشروع قومي، وتحويل مصر إلى كيان تابع في استلاب كامل لكل مقومات الحياة لقلب الوطن العربي كله.
أكرر أن تلك ليست ‘رقابة’ بل قهر من السلطة، وليست فقط ضد حرية التعبير الفني بل ضد كل رغبة في التغيير. لكنني من جانب آخر أود ألا نرفض هذا الأمر الواقع لنطالب بأن نعيش في حالة هي أقرب إلى الفوضى. أنت في التحليل الأخير لا تعيش وحدك في هذا العالم، وما قد تتصوره ‘حرية’ لك قد يصبح انتهاكا للآخرين، والعمل السينمائي بشكل خاص يتقاطع مع حياة كل الناس في مجتمعك، إنه ليس قصة أو قصيدة شعر لن يقرأها إلا من يبحث عنها ويكون قادرا على تذوقها، لكن الأفلام متاح تلقيها وتذوقها لكل قطاعات المجتمع (وذلك هو سحرها وخطرها معا)، وإن لم يذهبوا إلى مشاهدتها في دور العرض فإنها سوف تصل إلى منازلهم عبر شاشة التليفزيون.
افترض الآن أن ‘الرقابة’ بكل أشكالها قد ألغيت تماما، ليبدأ الفنان السينمائي في الاستمتاع بحريته الإبداعية كما يتمناها. سوف تعرض فيلمك كما تريده تماما، وعليك أن تتوقع أن شخصا أو هيئة ما سوف تجد في فيلمك ما يثير حنقها ورفضها. ولأن القانون (في كل دول العالم) يتيح لأي شخص أن يعترض قضائيا على المساس به بأي شكل من الأشكال، وهو ما يتيحه القانون المصري أيضا ربما أكثر من اللازم، فسوف تجد نفسك بعد كل فيلم لك زائرا مستديما لساحات القضاء، مشغولا بالدفاع عن عملك الفني، وإبعاد نفسك بكل ما تملك عن التعرض للعقوبة. والنتيجة: سوف تفكر ألف مرة مع فيلمك التالي، وفي كل مشهد وجملة حوار فيه، إذا ما كان سوف يثير ضدك دعاوى قضائية جديدة!! باختصار: سوف تكون قد تحررت من ‘الرقابة الرسمية’ إياها، لتحل محلها ‘رقابة شعبية’ من كل الألوان، والأهم والأخطر أنك سوف تمارس ضد نفسك ‘رقابة ذاتية’ قاسية هي على النقيض تماما من الحرية الإبداعية التي بدأت بالمطالبة بها!
المفارقة المؤلمة بحق أن الفنان السينمائي المصري كان معرضا طوال تاريخ السينما المصرية لكل هذه الأنواع من الرقابة، وسوف أذكّرك بمثالين اثنين كانا الأفدح والأفضح في هذا السياق. ففي النصف الأول من الثمانينيات دخل كاتب السيناريو والمخرج والمنتج رأفت الميهي قفص الاتهام بسبب فيلمين متتاليين له، ومعه بعض الممثلين الذين اشتركوا فيهما: عادل إمام في ‘الأفوكاتو’، بتهمة إهانة مهنتي القضاء والمحاماة، وكانت المفارقة المأساوية الساخرة أن رافع الدعوى أصبح فيما بعد يمارس نفس حيل ‘حسن سبانخ’ بطل الفيلم، الذي يلعب بـ ‘البيضة والحجر’ – كما يقول المثل الشعبي المصري ـ من أجل أن يكسب قضايا موكليه، وقضاياه هو نفسه في الحياة العامة. لكن هناك مفارقة أخرى تحدث وأنا أكتب لك هذه السطور، فقد كان الفيلم يتحدث عن عالم ‘ألف ليلة وليلة’ داخل السجن، حيث الأثرياء وأصحاب النفوذ يعيشون في نعيم حقيقي، لتتسرب الآن أخبار عن الحياة الناعمة ـ جدا ـ التي يحياها وراء القضبان متهمو الفساد السياسي لما قبل ثورة كانون الثاني (يناير)، حيث يخدم كل منهم سجينان من الفقراء، وينعمون بكل الرفاهيات بدءا من السخان و’ السيراميك’ وحتى الهاتف المحمول و’ اللاب توب’!! وكان الفيلم الثاني لرأفت الميهي هو ‘للحب قصة أخيرة’، أحد أفضل أفلام السينما المصرية طوال تاريخها، لكنّ مخرجه وبطليه يحيى الفخراني ومعالي زايد وجدوا أنفسهم تحت طائلة القانون لأنهم ‘ارتكبوا فعلا فاضحا’!! كان المشهد محل الدعوى يعبر عن لقاء حميم بين البطل الذي لم يبق من عمره إلا أيام، فقد حكم ‘القدر’ عليه بالموت، وبين زوجته التي ناضلت طويلا لكي تتوج قصة حبهما بالزواج. المشهد مفعم بألم يائس من التمسك بأهداب الحياة، لكن من أقام الدعوى لم ير فيه إلا مشهدا ‘جنسيا’ مثيرا، وهنا تجدر الإشارة إلى أن ‘الإثارة’ في هذه الحالة قد تعبر عن إحساس مشوب بنفس مريضة، لم تتوقف عند الإحساس المرير بالموت الوشيك، وتوقفت طويلا عند التلصص على حبيبين هما في الحقيقة ليسا في لحظة لقاء بقدر ما هما في لحظة فراق.
نحن هنا أمام مأزق، وقد نقترح حلا يبدو مريحا بأن نطالب بعدم حق من يشاء في رفع قضية ضد الفيلم وصناعه، لكننا بذلك نتمسك بحقوقنا في حرية الإبداع ونحرم الآخرين من حرية تذوق وتلقي هذا الإبداع، وحقهم في درء كل ما ينتهك مشاعرهم ومعتقداتهم. وفي الحقيقة أن هذا الأمر يعاني منه النقد والنقاد في مصر إلى درجة مضحكة مبكية، وهو الوجه الآخر للمأزق كما نتصوره، فكثيرا ما تستغل عبارة ‘حرية الإبداع’ كورقة لتمرير أفلام تستخدم الابتذال لمغازلة شباك التذاكر وحده، ولتأخذ مثلا قريبا في فيلم ‘أحاسيس’ الذي يزعم أنه يعالج مشكلات العلاقة بين الأزواج والزوجات، ليصبح ‘كاتالوغاً’ للعلاقات الجنسية المشوهة والمريضة، يعرضها على طريقة الجريدة التي تدعي التمسك بالأخلاق وعدم نشر صور فاضحة، ثم تنشر الجريدة صورة منها قائلة: ‘هذا نموذج من الصور التي نرفض نشرها’!! وعندما يتصدى بعض النقاد لهذه النوعية من الأفلام، بإلقاء الضوء على ما تحفل به من إسفاف، تجد صناعها يرفعون عقيرتهم معترضين بأن ذلك وقوف في وجه حرية الإبداع.
ما الحل أمام هذا المأزق؟ فنانون يبدعون بحق ويجدون أنفسهم معرضين لعقوبات قانونية، وآخرون يستغلون الزعم بالحرية الإبداعية لصنع أفلام مبتذلة تزيد من ذوق الجمهور مرضية وانحطاطا. مشكلتنا تكمن في بعض الأحيان أننا لا ننفتح على تجارب الآخرين، وننهمك في اختراع العجلة من جديد، بينما هناك لصناعات السينما الراسخة تاريخ طويل في معالجة مثل هذه المآزق الفنية والتجارية في الصناعة السينمائية. ولعل من البدائل الممكنة أمامنا ـ وإن لم يكن البديل الوحيد بالطبع ـ هو اقتباس النظام الأمريكي في الرقابة، وجوهره أن الممارسة الرقابية لا تقوم بها جهة حكومية من أي نوع، وإنما هي إدارة يؤلفها رجال الصناعة أنفسهم (يُطلَق عليها عندهم ‘اتحاد الصور المتحركة الأمريكي’)، ووظيفة هذا الاتحاد منح الفيلم ‘تصنيفا’ يحدد الجمهور الملائم له، وهو بذلك يوجه أصحاب دور العرض والمتفرجين معا ويرشدهم منذ البداية لمحتوى الفيلم، وفي هذا السياق واقعة طريفة قريبة حدثت مع الفيلم الذي فاز بالأوسكار هذا العام ‘خطاب الملك’، الذي أعطاه الاتحاد تصنيفا يحظر مشاهدته على من هم أقل من سبعة عشر عاما إلا في صحبة ولي للأمر، بسبب احتواء الفيلم على تكرار لفظ معيب، وهو الأمر الذي أثار بعض النقاد أنفسهم لأنهم رأوا في ذلك تعنتا.
المهم في الأمر هنا شيئان: الأول أن أية جهة ترى في الفيلم بعد التصنيف ما يمسها بسوء فإن القضية تكون ضد الاتحاد وليس صناع الفيلم، والأمر الثاني هو أن عرض الفيلم على الاتحاد ليس ملزما، ويمكن لصناعه عرضه تحت عنوان ‘لم يُصنَّف’، لكنهم في هذه الحالة قد يواجهون صعوبة في العثور على دار عرض توافق على المجازفة بعرضه، لأنهم وصناع الفيلم قد يتعرضون بدورهم لرفع قضية مباشرة عليهم ممن يرون فيه انتهاكا لهم.
القضية باختصار هي أن تجد أحلامنا ‘مؤسسات’ حقيقية ترعاها وتساعد على تحقيقها، فحرية الإبداع لا تولد في فراغ، تماما كما أن صناعة السينما لا تقوم على مجهودات فردية متناثرة، وعندما نرفض كيانا قائما يتعارض مع أحلامنا فإن علينا أن نطرح كيانا بديلا كفيلا بتحقيق هذه الأحلام. المعركة طويلة، ولا بد لها من مؤسسات ندافع من خلالها عن حقوقنا، وإذا كنا ننادي بإلغاء الرقابة السائدة الآن فعلينا أن نُكوّن الرقابة التي تحمينا، وأن نناضل من أجل إلغاء أهم بكثير وهو إلغاء تصريح وزارة الداخلية لتصوير الأفلام، ذلك التصريح الذي ينتمي إلى عصر كانت تكتب فيه عبارة ‘ممنوع الاقتراب والتصوير’ على جدار مبنى حكومي، بينما يتم تصوير كل شيء الآن بالأقمار الصناعية! الطريق طويل، لكن يجب أن نبدأ الآن، وبتصورات واضحة ناضجة، والأهم هو أن نضع تصورا لما يجب أن تكون عليه صناعة السينما، وذلك حديث آخر، ربما تكون هناك فرصة لكي نطرح له تصورا معا.