نحو بلورة توجه في التعامل مع قضية عرب 1948 (2 من 3)
ثقافة الوشاية الموروثة من ايام الخوف يستخدمها بعض المرتبطين بالمؤسسة الاسرائيلية لمحاربة التيار القوميالاندماج غير ممكن والانفصال وهم والحل دولة لكل مواطنيها والاعتراف بالعرب كأقلية قومية لها حقوق جماعيةنحو بلورة توجه في التعامل مع قضية عرب 1948 (2 من 3)عزمي بشارةأسس مشروع القوي القومية في الداخلينسجم نضال التيار القومي في الداخل تحت شعار الحفاظ علي الهوية القومية العربية وتطويرها و الدولة لجميع مواطنيها مع التوجه القومي العربي الديمقراطي ويكمله. فهذا الطرح الذي يؤكد علي الهوية العربية الفلسطينية والمواطنة المتساوية يواجه جوهر الصهيونية الكامن في تعريف دولة إسرائيل كدولة اليهود. وهذا هو المسعي العربي الوحيد حاليا والذي يصطدم مع الصهيونية فكرا وممارسة، فدولة إسرائيل لا يمكن أن تكون دولة اليهود في العالم أجمع وأن تكون دولة مواطنيها العرب واليهود في الوقت ذاته إذ عبر مشروع دولة المواطنين تصبح المساواة في الحقوق التي يطالب بها المواطنون العرب في الداخل مشروعا مناقضا للصهيونية، وقد رفعت القوي السياسية العربية في الماضي مطلب المساواة دون هذه الإضافة، مما جعل مطلب المساواة بوابة ومدخلا للأسرلة.وقد استطاع التيار القومي الديمقراطي خلال فترة قصيرة جدا منذ قيامه أن يعمم بشكل لم يسبق له مثيل فكرة المواطنة غير المشروطة والمؤسسة علي كون سكان البلاد الأصليين من ناحية، وفكرة الهوية القومية الجامعة للعرب في الداخل كحجر الأساس لوجودهم كمجتمع منظم في بلادهم من ناحية أخري، وبتواز مع الفكرة الاولي.وخلافا لما يروج من قبل بعض النقاد ليس مشروع المساواة الكاملة في دولة لجميع مواطنيها مطلبا بل بوصلة توجه النضال الجاري أصلا من أجل المساواة باتجاه معاد للصهيونية.ومن هذا المشروع تشتق الحركة الوطنية والتيار القومي مطالب عديدة تترجم طموح المواطنين لمساواة في الفرص في مجالات التوظيف والتعليم والميزانيات المستثمرة في البني التحتية وفي التأمينات الاجتماعية. لسنا سذجا لنعتقد أن دولة إسرائيل قد تصبح دولة لجميع مواطنيها ما دامت صهيونية. ولكن مطلب المواطن العربي في هذه البلاد هو المساواة، وهو يقدم مطلبه هذا في حدود المواطنة الاسرائيلية، وهو يقصد بالمساواة المساواة مع المواطن اليهودي. والطريق أمام التيار القومي هو ليس تجاهل هذا المطلب بل وضعه في صدام مع الصهيونية.التمييز والإهماللقد عانت الأقلية العربية الأمرين في الماضي نتيجة التمييز القومي والإهمال وكان نضالها ينحصر في رفع الغبن اللاحق بها وفي الحفاظ علي هويتها. ولم تأخذ الحركة الوطنية مطلب المساواة بجدية، لأن القضية الوطنية بالنسبة لها كانت هي الأساس. وكان أي تقدم في حلها مرتبطا بالحركة الوطنية الفلسطينية والمشروع القومي العربي. وحتي لو سلمنا أن هذا الموقف كان ممكنا سياسيا في الماضي إلا أنه لم يعد ممكنا كموقف سياسي للأسباب التالية:1ـ نشأت داخل الأقلية العربية في إسرائيل طبقات وسطي جديدة وقطاعات عمالية وأجيرة واسعة وفئات مثقفين مرتبطة بالمواطنة الاسرائيلية وبتوسيع الحقوق في إطار هذه المواطنة. 2 ـ ولدت عملية مصادرة الأرض وزوال الزراعية العربية اندماجا كاملا علي هامش الاقتصاد الاسرائيلي، ولم تنشأ خلال السنين الخمسين الماضين عملية إنتاج عربية أو اقتصاد عربي مستقل يشكل أساسا لنزعة انفصالية من أي نوع. 3 ـ ازدياد الوعي العربي المحلي للطاقة الكامنة في المواطنة الاسرائيلية سياسيا واجتماعيا خاصة علي مستوي الحقوق.4ـ طرأت تحولات هامة علي السياسة والمجتمع والاقتصاد في إسرائيل أدت إلي ارتفاع مستوي المعيشة بشكل مطرد في العقدين الأخيرين بما في ذلك مستوي معيشة المواطنين العرب وذلك رغم اتساع الهوة بينهم وبين المواطنين اليهود بالمقاييس النسبية. 5ـ توسع حقوق المواطنة بشكل عام نتيجة لسلسلة من التشريعات الليبرالية وقرارات المحكمة العليا بما يتلاءم مع تطور المجتمع الاسرائيلي نفسه.تحولاتإضافة لهذه التطورات الاجتماعية والاقتصادية الداخلية علينا أن نأخذ بعين الاعتبار التحول الذي طرأ علي متغيرين أساسيين كان لهما أعظم الأثر علي المزاج السياسي للمواطنين العرب:1ـ أزمة المشروع القومي العربي منذ بداية السبعينات، هذه الأزمة التي وصلت قمتها في حرب الخليج. 2 ـ ولوج حركة التحرر الوطني الفلسطيني عملية السلام كعملية تسوية تهدف إلي إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، وهبوط عملها الوطني داخل الخط الأخضر علي سلم الأولويات إلي درجة الاقتصار علي توقعها أن يدعم العرب في الداخل العملية السلمية ودعم مواقف السلطة الفلسطينية في المفاوضات. لم يعد بإمكان الحركة الوطنية ولا بإمكان التيار القومي إدارة الظهر لموضوع المواطنة، ولو لم يُولهِا الأهمية اللازمة لما احتلت مكانا أقل أهمية علي جدول أعمال المواطنين العرب، ولتصدر العمل من أجل المساواة قوي انتهازية يمينية أو قوي متأسرلة وصهيونية. ولقد لوحظ فعل ازدياد قوة نزعة اندماجية ترافق مطلب المساواة منذ نهاية الثمانينات أدت إلي زوال الفرق بين أحزاب اليسار الصهيوني والأحزاب العربية. ومع إقامة التجمع الوطني الديمقراطي حصل انقلاب في الخطاب السياسي العربي في إسرائيل باتجاه تأطير مطلب المساواة ضمن مشروع دولة المواطنين بحيث طرحت مطالب مساواتية لم تخطر ببال القوي السياسية الفاعلة في المجتمع العربي حتي ذلك الوقت، كما طرحت أفكار ترمي إلي تجذير الهوية القومية العربية علي مستوي الخطاب السياسي مما اضطر القوي السياسية الأخري الفاعلة علي الساحة العربية إلي مجاراة التجمع والتراجع عن لهجتها الاندماجية.مشروع دولة المواطنينلقد طرح التجمع الوطني الديمقراطي مشروع دولة المواطنين بتواز مع الادارة الذاتية الثقافية للعرب مفندا المزاعم أن أمام العرب في إسرائيل خيارين لا ثالث لهما فإما الاندماج وإما الانفصال. وقد بين التجمع أن الخيارات أمام المواطنين العرب في إسرائيل لا تقتصر علي الاندماج أو الانفصال، بل تجاوز خطاب التجمع السياسي ذلك إلي فضح وهمية هذين الخيارين.فالاندماج في إسرائيل غير ممكن لأنه لم ولن تتشكل فيها أمة واحدة من المواطنين. والأساس النظري الذي قامت عليه إسرائيل ويشكل تعريفها والوظيفة التاريخية التي حددتها لذاتها هو كونها دولة اليهود. وطالما كانت الدولة دولة اليهود فهي لا تفصل بين الدين والقومية وبين كليهما من ناحية والدولة من ناحية أخري. ولذلك فإن أي اندماج بالدولة هو وهمي بالكامل أولا لأنه غير ممكن دون تغيير القومية، وتغيير القومية يتطلب تغيير الدين، وثانيا لأنه يؤدي إلي حالة تهميش. ويتسبب الاندماج الوهمي في تعميق أزمة الهوية الذاتية للعربي ولا يمنحه المساواة الكاملة في العلاقة مع الدولة.فهل الاندماج ممكن إذا تحولت دولة اسرائيل إلي دولة لجميع مواطنيها ونفذت طابعها الصهيوني؟ هذه الامكانية غير واردة التحقق بالمنظور التاريخي المتوسط، ولكن حتي إذا تحققت فهي لن تعني الاندماج في قومية واحدة، هي أمة من المواطنين، كما هو الحال في فرنسا أو الولايات المتحدة. فلقد نشأت تاريخيا علي هذه الارض وفي هذه البلاد قوميتان، وقيام دولة المواطنين ديمقراطية وعلمانية لا يعني اندماجها في قومية واحدة. فالقومية العربية قائمة والتخلي عنها يقود إلي الطائفية والعشائرية والانحلال ولا يقود إلي قومية إسرائيلية.وقد بينا في بداية هذا الفصل أن خيار الانفصال بالنسبة للعرب في اسرائيل غير وارد. وهو غير وارد جغرافيا ولا اقتصاديا ولا سياسيا. فالعرب في اسرائيل لا يعيشون علي وحدة جغرافية واحدة أو اثنتين كما هو الحال في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولا يشكلون وحدة اقتصادية تعيد إنتاج ذاتها، ولو نسبيا، باستقلال عن الاقتصاد الاسرائيلي. ونشاطهم السياسي يتم ضمن حدود وحقوق المواطنة الاسرائيلية بما في ذلك إقامة الاحزاب. ويتطلعون إلي المساواة في إسرائيل ـ وبالتالي فإن خيار الانفصال هو خيار وهمي لا معني له. وهو قائم في الدعاية الصهيونية اليمينية فحسب التي تحاول تخويف الرأي العام الاسرائيلي من العرب. تماما كما كان خيار الاندماج قائما في دعاية اليسار الصهيوني ويذهب إلي نفي الهوية القومية للعرب دون قبول مساواتهم الكاملة.لا المساواة للعب في هذه البلاد رديفة للاندماج ولا الحقوق القومية الجماعية رديفة للانفصال. والتناقض بين المساواة والحقوق القومية هو تناقض وهمي كاذب. بل ويذهب التجمع الوطني الديمقراطي إلي الادعاء أن المساواة في حالة العرب في اسرائيل غير ممكنة دون الاعتراف بحقوقهم الجماعية، وأن الحقوق الجماعية يجب ألا تكون علي حساب المساواة.المساواة الكاملةولذلك يطرح التيار القومي المساواة الكاملة في دولة لجميع مواطنيها والاعتراف بالعرب في إسرائيل أقلية قومية تحظي بحقوق جماعية ناجمة عن هذا الاعتراف يتصدرها الحق بالحكم الذاتي الثقافي.العرب في إسرائيل كأفراد هم مواطنون. ولكنهم يشكلون جماعة يفترض أن تشكلها سابق علي قيام الدولة العبرية، وذلك كجزء من شعب مكون من سكان البلاد الاصليين. إن صفة الجماعة القومية للمواطنين العرب سابقة علي قيام الدولة الصهيونية. وليس بوسع هذه الدولة أن تتنكر لحقيقة كونهم جزءا من الامة العربية والشعب الفلسطيني وأنهم سكان البلاد الاصليون الباقون علي أرضهم. هذه صفة جماعية وليست فردية وهي سابقة تاريخيا لكونهم مواطنين في إسرائيل، وذلك رغم مطلب الاعتراف بهم كجماعة قومية ضمن القانون الاسرائيلي، بحيث تترتب علي هذا الاعتراف حقوق جماعية تعترف بها الدولة العبرية كحقهم في الحكم الذاتي. علينا أن نذكر أن قوميتهم ليست مرهونة بهذا الاعتراف.ولذلك قبل أن تضطر هذه الدولة إلي التعامل مع المجتمع العربي في إسرائيل كجماعة قومية أصيلة وليس كمجموعة من الطوائف أو الاقليات أو الأفراد المستعدين للتنازل عن هويتهم القومية مقابل اندماج موهم. ولعرض طرح العرب في اسرائيل أنفسهم كجماعة قومية تواجه القوي السياسية الوطنية تحديات ومستلزمات أولها أن تشكل قيادة قومية وان تعكف علي بناء مؤسسات الأقلية العربية في إسرائيل.فالإدارة الذاتية ليست مطلبا من الدولة فحسب، بل تعني أيضا، وربما أولا، قدرة المجتمع علي تنظيم ذاته في مؤسسات قومية. هذا هو امتحان المجتمع العربي في سياق مطلب الاعتراف بطابعه القومي. ويرتبط النجاح في هذا الامتحان أولا بحصانة المجتمع العربي وقواه السياسية والاجتماعية الفاعلة ضد الطائفية، وثانيا بقدرته علي تنظيم مؤسسات ثقافية واجتماعية وبحثية قادرة علي بلورة وجهة نظر ومطالب موحدة وتخطيط علمي بديل لتخطيط السلطة دون مزاودات ومبالغات. تنجم المزاودات عن عدم وجود أطر مرجعية قومية تتخذ قراراتها المقبولة والملزمة بشكل ديمقراطي، وهي تشل العمل. وهذه إحدي المهام الأساسية التي طرحها ويطرحها التيار القومي. إن البديل لتنظيم الأقلية العربية علي أساس قومي هو تهميشها السياسي والثقافي والاجتماعي المؤدي لضحالة النشاط الثقافي وقلة الابداع، بل وازدياد معدلات العنف والجريمة والانحلال إلي طوائف قطريا، وعائلات محليا وضعف التماسك الاجتماعي الذي يربط الأفراد سوية في مجتمع قومي واحد متماسك.إذا نظم العرب أنفسهم كشعب سيكون بوسعهم أن يفرضوا علي الدولة بلورة برامجهم التعليمية وتقرير أهداف التعليم، كما سيكون بوسعهم فرض رأي الأقلية العربية ضمن مؤسسات التخطيط في هذه الدولة، المحكومة بالأيديولوجية الصهيونية في كل ما يتعلق بالتخطيط والتصنيع والاسكان وسياسة الأراضي المتبعة. كما ويندرج ضمن الحقوق الجماعية التي طالب التيار القومي بها منذ أن مثل برلمانيا، وذلك بطرحها شكل اقتراحات قوانين، تمثيل العرب كعرب بشكل ملائم في مؤسسات مختلفة رسمية أو شبه رسمية.هنا يطرح السؤال الهام : هل يعتبر تمثيل العرب في هذه المؤسسات قيمة عليا تخضع لها المواقف السياسية؟ الجواب الواضح والقاطع الذي يقدمه التيار القومي ممثلا بالتجمع هو لا. لقد طرح التجمع موضوع تمثيل العرب اللائق في الشركات الحكومية ومؤسسات الدولة والوظائف الحكومية كخطوة علي طريق المساواة تنطلق من مبدأ تلازم الحقوق الفردية والجماعية. ولكن التجمع لا يطالب بتمثيل العرب في المؤسسات الأمنية أو مؤسسات السياسة الخارجية، ويعتبر البعض رفض الدولة لتمثيلهم في هذه المواقع تمييزا عنصريا. وقد كان هذا صحيحا في الماضي. ويبدو أن المؤسسة الاسرائيلية الحاكمة تزاول في هذه المواقع تمييزا عنصريا. وقد كان هذا صحيحا في الماضي. ويبدو أن المؤسسة الاسرائيلية الحاكمة قد غيرت موقفها من هذا الموضوع وتبدي مرونة أكبر بالنسبة لدمج العرب في هذه المؤسسات الوسيلة الأفضل لتطوير مصلحة عربية مندمجة بالسياسة الاسرائيلية الأمنية والخارجية والطريق الأقصر لتآكل الوعي والانتماء القومي ولغرض أسرلة أنماط السلوك السياسي العربي وتسهيل مراقبته والسيطرة عليه.ولذلك يضع التيار القومي مطالبه المساواتية ليس بتناقض وإنما بتناسق مع الموقف السياسي والقومي بحيث لا تتحول مطالب المساواة إلي عملية أسرلة وصهينة وتهميش.لقد كشف مشروع دولة المواطنين عن تناقضات عميقة في المبني الصهيوني للدولة وساهم ويساهم بكشف أبعاد جديدة للصراع بين أنماط التدين والعلمانية في إسرائيل مبينا أن معركة العلمنة الحقيقية لا تقتصر علي الأحوال الشخصية، أو علي أحكام يوم السبت ونمط الحياة اليهودي المفروض، وإنما تتجاوز ذلك إلي موضوع العلاقة الاشكالية بين الدين والقومية في اسرائيل. مشروع دولة المواطنين هو فكرة موجهة تضع أجندة في التعامل مع أجهزة. وهذه الفكرة الموجهة تفضح حقيقة طالما حاولت القوي العربية الفاعلة ان تتجنب رؤيتها وهي أن المساواة غير ممكنة في دولة تعتبر نفسها دولة اليهود.والتقدم نحو المساواة حقيقة لا تتم إلا بهذه البوصلة. والمطالب التي تشير إليها كمطالب تؤدي إلي تراجع صهيونية الدولة. وهنا يوجه للتجمع السؤال الهام التالي: ألا يساوركم الخوف من أن مشروع دولة لجميع مواطنيها قد يؤدي إلي اشتراط المساواة في الواجبات مقابل المساواة بالحقوق في مثل هذه الدولة، ألا يؤدي هذا المشروع إلي تضامن مع الدولة وولاء لها؟يدرك التجمع الوطني الديمقراطي التناقض القائم في واقع المواطنين العرب في هذه البلاد، واحتمال تفسير مطلب دولة المواطنين لدي فئات انتهازية واسعة تنتظر مبررا نظريا لعملية الأسرلة. ولكن التيار القومي الديمقراطي لا يطرح دولة لجميع مواطنيها بمعزل عن الهوية القومية والحقوق الجماعية. كما أن الدولة لجميع مواطنيها هي ليست دولة اليهود أو الدولة اليهودية، وهنا ينفرد التيار القومي بالتأكيد علي أن مقولة دولة يهودية ولجميع مواطنيها هي مقولة متناقضة وغير مقبولة نظريا.لا يعترف التيار القومي بالعلاقة بين الحقوق والواجبات ويعتبرهما وجهين منفصلين للمواطنة الديمقراطية، ولا علاقة للمساواة بالخدمة في الجيش الاسرائيلي. فلا الخدمة العسكرية تولد المساواة ولا المساواة تتطلب خدمة عسكرية. ويرفض التيار القومي الخدمة العسكرية من منطلق قومي ووطني ويحافظ علي هذا البعد في تقييمه لموضوع الاندماج الأمني والذي ينجم عنه تشويه للشخصية القومية والأخلاقية.لا شك أن التناقض قائم في واقع العرب في اسرائيل في العمل السياسي وبالعزوف عن العمل السياسي- والمواطن الواعي يواجه هذا التناقض في كل خطوة في السياسة وخارج السياسة. وقد أدي هذا التناقض بين الحفاظ علي الهوية القومية ومطلب المساواة الكاملة إلي تأزيم القوي السياسية العربية والي تأزيم شخصية العربي الاسرائيلي المشوهة اللاعبة علي حبلين والمسترخية علي تقاطع هامشين: هامش الأمة العــــربية وهامش المجتمع والسياسة الاسرائيلية، لاعــــبة دور الضحية في كل سياق، أو دور الاسرائيلي في سياق مطلب المساواة، والوطني الفلسطيني في سياق دور التضحية.ولكن التجمع الوطني الديمقراطي يدرك ليس فقط الطاقة الهدامة في التناقض الذي يأسر ويتملك غير الواعين لوجوده، وإنما أيضا الطاقة الدافعة للتناقض الجدلي القائم في مواطنة العرب في إسرائيل وذلك علي مساري الصراع مسار المواطنة الديمقراطية والصراع ضد الصهيونية والتأكيد علي الشخصية العربية الفلسطينية المستقلة.القومية والديمقراطية والجمع الممتنع يناضل التيار القومي بين نارين في ظروف الانتماء للامة العربية والشعب الفلسطيني وفي ظروف المواطنة الاسرائيلية كمعطي. والعمل بين نارين منهك ومُضْنٍ في المدي المنظور، ولكنه مفيد ومبلور ومفولذ علي المدي البعيد، لان الفكر السياسي في هذه الحالة يشق طريقه ويوجه الممارسة ضمن مجموعة متناقضات قلما تجتمع في عالمنا، وعسي ان تكرهوا امرا وهو خير لكم ، وخصوصية التيار القومي الديمقراطي التي تجعله يجمع بين القومية والديمقراطية وبين الليبرالية في حقوق المواطنة والحقوق الجماعية، وبين الانتماء الأصيل الي الأمة والثقافة العربيتين وفكر التنوير النقدي الذي يرفض تحويل الثقافة إلي فلكلور جامد، ويرفض التعامل مع الأمة والقومية كجواهر ثابتة. هذه هي الخصوصية التي تكتسيها ويطورها التيار القومي الديمقراطي في الداخل من خلال لقاء وصراع الأضداد.ولا يشكل صراع الأضداد دائما حالة بطولية يعبر فيها النضال السياسي عن تناقض وجودي، وهذه الحالة قائمة في صراعنا مع الصهيونية، ولكن قد يتخذ هذا الصراع أشكالا مشوهة وهزيلة ناجمة عن بؤس الحالة السياسية في أوساط شعب أصبح أقلية عربية، إذ قد يؤدي إلي تذيلها الخالي من الندية والمساواة بحكم التعريف، للاعلام الاسرائيلي والمؤسسة الاقتصادية والسياسية الاسرائيلية.ثقافة الوشايةويتجلي هذا البؤس بأفظع أشكاله في ثقافة الوشاية الموروثة من ايام الخوف، أيام الحكم العسكري والذي رزح في ظله عرب هذه البلاد حتي عام 66. وما زال بعض المرتبطين بالمؤسسة الاسرائيلية الحاكمة مصلحة وثقافة يستخدمون هذه الأداة في محاربة التيار القومي، وذلك بترجمة مواقفه القومية إلي العبرية، وبالإشارة إلي أن وجوده في الساحة السياسية العربية يؤدي إلي حالة مزاودة وتنافس بين الاحزاب العربية علي اتخاذ المواقف المتطرفة ـ والرسالة التي يبثها هؤلاء تارة بالهمس والغمز واللمز، وتارة بالتصريح العلني للاعلام الاسرائيلي : أن التيار القومي متطرف وغير مسؤول ويجر الساحة العربية إلي التطرف، وحتي إلي انفصال العرب عن جسم الدولة ـ أو ان التيار القومي متطرف وغير مسؤول ويجر الساحة العربية إلي التطرف، وحتي إلي انفصال العرب عن جسم الدولة ـ أو أن تحذيرات رئيس الشاباك في تقرير للجنة الخارجية والامن عن التجمع الوطني الديمقراطي والنائب عزمي بشارة لا يصح للتعميم علي الجميع .. وغير ذلك من التصريحات الذاهبة إلي عزل التجمع باعتباره متطرفا فيسهل ضربه واتخاذ إجراءات ضده من قبل اسرائيل. نفس العقلية وفي بعض الاحيان نفس القوي المتذيلة لليسار الصهيوني والتي تتهم التجمع بالتطرف والراديكالية والقومجية، تبث للعالم العربي أن التيار القومي العربي في الداخل يعترف بشرعية دولة إسرائيل، وأن طرحه الديمقراطي المعادي للصهيونية المعبر عنه في تبنيه لمفهوم دولة لجميع المواطنين مثلا، هو دعوة صريحة للاندماج في جسم الدولة العبرية.. ولا يضير هذه القوي أن تتلقف الكلام قوي عربية معادية للقومية العربية كمفهوم، أو معادية للقومية العربية من منطلق تجربتها السلبية مع التيارات القومية العربية في السلطة، وأخري قد تناقش التيار القومي في الداخل من منطلق عدم استيعابها لتطوير الفكر القومي الذي يقوم به في ظروف المواطنة الاسرائيلية.كل هذا غير مهم. فالحركة بركة، والمهم إضعاف التيار القومي المستحوذ علي العقول ومهاجمته من كل زاوية ممكنة. ولكن هؤلاء لا يردون ماذا يفعلون. فإنهم أولا، يجعلون طرح التيار القومي محور النقاش وهم خارج دائرة النقاش الفكري. إما لأنهم يكتفون بالممارسة اليومية المصلحية الزاحفة التي لا تحتاج إلي فكر مبلور للتعبير عن ذاتها، وإما لأن طروحاتهم السياسية تقع خارج دائرة الشرعية الوطنية التي تثير نقاشا داخليا. ولأنهم ثانيا، يضطرون التيار القومي الديمقراطي لتطوير طروحاته باستمرار في مواجهة الأسئلة المثارة أو الآراء المسبقة، وقد تثار عن حسن نية أو عن سوء نية او عن جهل، وهذا لا يغير مبدئيا نوع الإجابة عليها.7