نحو تخطي طور المرآة في الكتابة النسائية

حجم الخط
0

سعيد أراق

ان التأمل في الكتابة النسائية، أشبه ما يكون بالدخول الي حلبة يراد لها أن تظل محاطة بالأسيجة ومنسمة بنسْغ الحريم. في كل ما يكتب حول موضوع الكتابة النسائية أو الأدب النسائي، هناك دوما ـ بشكل أو بآخر ـ رغبة غامضة ودفينة في مقايسة ابداع المرأة بمقاييس الجسد والكبت والقهر والتمرد وغبْن الأنثي تحت سطوة الذكورة وصولة الرجل. هناك استسهال غريب لمقاربة الأدب النسائي عبر المفاهيم السيكولوجية بدل المفاهيم النقدية والجمالية الواعية بشروط اشتغالها النقدي. ويبدو أن الامعان في تكريس الكتابة النسائية ضمن أفق التنفيس والتصعيد والتمرد والاحتجاج ضد قيم التهميش والتشييئ وما يشبهها من مفاهيم ومصطلحات، يؤدي الي حصر هذا النوع من الأدب ضمن سياق يحوله الي مجرد مؤشرٍ علي معاناةٍ سيكولوجية بدل التعامل معه باعتباره افرازا وتتويجا جماليا لمعاناة ابداعية. ومعني هذا أن استبعاد المقاربة الابداعية الصرْفة واستدراج المقاربة السيكولوجية، ناتج عن تمثل مسْتكينٍ لآراء محبذةٍ علي نحو غريب ومسْتساغةٍ علي نطاقٍ واسع. وربما كان من أبرز ملامح هذا التمثل، الافراط في تقديم المرأة ضمن وضعٍ اعتباريٍ رثٍ ومسْتهْلك ٍهو وضع الضحية المغلوبة علي أمرها، التي تجرب أقصي درجات القهر وتكتوي بشتي أشكال الظلم من الأب والزوج والحبيب والزميل والقريب والبعيد والفرد والمجتمع وكل ما يحمل بصْمة الرجل أو يشْبه فظاظة الذكر.

ان الأسئلة التي ينبغي ـ بالأحري ـ طرحها ومراكمة الأجوبة والمقاربات بشأنها هي: ما هو الأفق الذي يفترض أن تنخرط فيه وتنفتح عليه الكتابة النسائية؟. هل فعل الكتابة عند المرأة، فعل أنثوي حصريا أم هو فعل انساني بامتياز؟ هل الكتابة النسائية أدب أم مجرد كتابة ملحقة بالأدب؟ هل دافع الكتابة عند المرأة دافع ابداعي صرف أم دافع مرضي وتظلمي تتحول معه الكتابة النسائية الي مجرد أداءٍ سْكيزوفْريني أو حامة اسْتشفاء؟

ان مشروع الاجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن أن يكون الا عبر المقاربة النقدية التي تستدرج الاواليات النظرية والمفاهيمية والجمالية القمينة باخضاع المنْجز الأدبي النسائي لدراسة تتعالي عن نسْونة الأدب fminisation de la lirature وتتوجه بالأحري الي الكشف عن قيمته الفنية والجمالية التي تؤكد انتماءه للأدب بحصر المعني la lirature tout court بدل التعامل معه باعتباره الزائدة التي لا تضر ولا تنفع.

والواقع أن مأزق الدراسات النقدية للكتابة النسائية يكمن في الاستناد الي تمثلات نقدية مستهلكة بدل الاستناد الي تصورات نقدية مؤسسةٍ وواعية. ففعل الكتابة في الأدب النسائي محكوم ـ بدرجات متفاوتة ـ بهاجس القضية النسائية، مما يحوله في أحيان كثيرة الي نوع من المرافعة التبسيطية التي تكرس شرط الالتزام كشرط للابداع. فيترتب عن ذلك أن النقد يسقط بدوره في مقاربة الكتابة النسائية في ضوء مفهوم الالتزام بمفهومه الضيق وليس في ضوء مفهوم الأدبية بمعناه الجمالي والابداعي الانساني. مما يؤدي الي مصادرة القيمة الابداعية النسائية القائمة أو المفترضة. كما أن التأكيد المزْمن علي ملْمح الاختلاف في مقاربة الأدب النسائي، يوحي بأن هذا الاختلاف قد أضحي مطلبا في حد ذاته ورهانا وشرطا حاسمين في سيرورة الابداع النسائي، لكن ليس باعتباره اختلافا مرتبطا بحساسية ابداعية مرهفة وناضجة، بل باعتباره اختلافا متولدا عن لمسة أنثوية مرتبطة بحساسية الانتماء الجنسي وتجربة القهر ذي البعد الواحد. وهكذا تتدخل في تقويم الابداع النسائي، معايير خارجية تحد من أفق الكتابة الأدبية النسائية ـ لأنها تريد أن تري فيها الحدود القصوي للتجربة الابداعية النرجسية القاصرة عن تخطي طور المرآة بتعبير عالم النفس الفرنسي جاك لاكان ـ وتحد بالتالي من أفق الدراسة النقدية المنهجية التي توجه اشتغالها نحو استجلاء الأبعاد الفنية والجمالية والابداعية لهذا النوع من الكتابة. ويبدو أن قدر الكتابة النسائية منذور للانخراط في اتجاه البحث المستميت عن الاختلاف بأي ثمن، حتي لو كان الثمن هو الابقاء الأبدي علي هذه العلاقة الاسنادية الهجينة التي كرسها التداول: الكتابة النسائية. فما هي حدود الكتابة عند المرأة؟ وما هي حدود حضور المرأة في الكتابة؟. وعلي سبيل الاضافة: هل الأدب حيز وجودٍ أم هو محْض انتفاء؟ هل هو اكتمال مزيفٌ عبر فورة الابداع أم هو مجرد استرسال خلف البحث عن شبْه اختلاف؟… ان السؤال هو شرط بداية كل التداعيات، فلْتكنْ هذه الأسئلة دعوة لتداعيات تقود نحو أفق نسائي جديد… ولا تنسيْ سيدتي أن في البدء كانت الكتابة!

كاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية