حسين مجدوبي مدريد ـ ‘القدس العربي’: لا تختلف دول الاتحاد الأوروبي فقط في السياسة التي يجب أن تتبعها في معالجة الملف الليبي بل حتى الكثير من التداعيات المترتبة عن هذه الأزمة التي جعلت الاتحاد يعيد النظر، ولو مؤقتا، في ما كان يعتبره هدفا ساميا وهو الفضاء المفتوح بين دوله، وذلك من خلال احتمال إعادة العمل بالمراقبة عند الحدود. وتعتبر اتفاقية شنغن التي تجمع أغلبية دول الاتحاد الأوروبي والتي راهنت على الحدود المفتوحة لتعزيز حرية تحرك الأوروبيين من أكبر الأهداف التي تم تحقيقها بعد سنوات طويلة من المفاوضات السياسية الماراتونية. ورغم منح الاتفاقية الحق لكل دولة بإعادة تشغيل المراقبة في حدودها السياسية، إلا أن هذا الموضوع لم يطرح نهائيا طيلة العشر سنوات الأخيرة حتى هذه الأيام بسبب الأزمة الليبية والثورة التونسية. وتفجر الجدل السياسي بين إيطاليا وفرنسا في أعقاب ارتفاع نسبة المهاجرين السريين من تونس بعد طرد الدكتاتور زين العابدين بن علي واتخذ بعدا أكبر مع اندلاع الأزمة الليبية، إذ تجاوز عدد المهاجرين من البلدين نحو إيطاليا أكثر من 25 ألفاً في ظرف ثلاثة أشهر فقط. وبعد الوصول إلى إيطاليا، يتجه أغلب هؤلاء المهاجرين نحو فرنسا بحكم توفر غالبيتهم على عائلات هناك، ففرنسا كانت تاريخيا القبلة الكلاسيكية للهجرة التونسية والمغاربية عموما. وأمام هذا الوضع، تقدمت فرنسا للمفوضية الأوروبية بطلب تعليق العمل باتفاقية شنغن بسبب المشاكل التي تعاني منها بسبب الهجرة السرية القادمة من إيطاليا، بل ووصل الأمر بباريس الى توقيف العمل مؤقتا بالقطارات التي تربط بين البلدين في منتصف نيسان/أبريل الماضي.
وقبلت المفوضية الأوروبية الأربعاء الطلب الفرنسي، حيث أصبح من حق الأجهزة الأمنية الفرنسية مراقبة مختلف حدودها مع دول الجوار مثل اسبانيا وإيطاليا، وخاصة البلد الأخير الذي يتسرب منه المهاجرون. ولكن ستعالج الدول الأعضاء الطلب الفرنسي يوم 12 أيار/مايو الجاري في بروكسيل. ويرى عدد من الخبراء الفرنسيين أن باريس متخوفة من موجة هجرة حقيقية في حالة انهيار ليبيا وانتقال عدوى الاحتجاجات للجزائر.
وتتحفظ أغلب الدول الأوروبية تجاه القرار الفرنسي الذي يمس أحد أركان الوحدة الأوروبية، ومن ضمن هذه الدول اسبانيا، حيث قال رئيس الفريق الحزب الاشتراكي الإسباني في البرلمان الأوروبي، لوبيث أغيلار، الذي شغل سابقا منصب وزير العدل ‘وصول بضع عشرات من المهاجرين السريين لا يجب أن يكون ذريعة للتحجج بإعادة الحدود، خاصة في ظل ارتفاع الخطابات الشعوبية المعادية للهجرة’. بينما رفضت اليونان أمس الخميس رفضا قاطعا عودة الحدود.
وبدورها ترى المفوضة المسؤولة عن الشؤون الداخلية للاتحاد الأوروبي أسيسيليا مامستروم أن نسبة 25 ألف مهاجر هو رقم مرتفع خاصة وأنه حدث في وقت زمني ضيق، ولكن ليس بالقوة الذي يدفع إلى إعادة النظر في اتفاقية شنغن أو تعليقها. ونقلت جريدة ‘لوموند’ الفرنسية في عددها الصادر اليوم الجمعة نية الاتحاد الأوروبي في إعادة النظر في بعض بنود اتفاقية شنغن ولكن في اتجاه تقليص صلاحيات الدول باللجوء إلى إعادة العمل بالحدود.
وينتج عن إعادة العمل بالمراقبة في الحدود جدل واسع وسط الطبقة السياسية والاعلامية الأوروبية، وكتبت جريدة دي ستاندار النمساوية أمس الخميس تحت عنوان ‘الشعبوية في الحدود’: (أوروبا ليست في حاجة إلى حدود جديدة ولكن لحلول مناسبة وإنسانية وواضحة لمشكل الهجرة، وتضيف بنوع من التهكم سيكون من الجميل ترك الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والايطالي سيلفيو بيرلوسكوني ثلاث ساعات ينتظران في نقطة حدودية خلال منتصف تموز/ يوليو بحرارته المفرطة). ويعتبر الاتحاد الأوروبي أنه حقق هدفين رئيسيين نحو الاندماج الكامل مستقبلا، الأول ويتجلى في العملة الموحدة، والثاني في تعليق الحدود وفتح فضاء واحد بين أغلبية الدول الأعضاء. وخلال المدة الأخيرة تعرضت العملة الموحدة اليورو للكثير من النقد في ظل تهديد دول بالانسحاب، والآن يندلع جدل سياسي حول الركن الآخر، أي اتفاقية شنغن بشأن الحدود المفتوحة.