نحو توطين الاسلام السياسي

حجم الخط
0

نحو توطين الاسلام السياسي

من ثنائية القومي والوطني لثنائية الاسلامي والوطني:د. ابراهيم ابراشنحو توطين الاسلام السياسي في اوج المد القومي العربي في الربع الثالث من القرن الماضي، كانت فكرة الوحدة العربية فكرة تحظي بقبول شعبي عارم وتشكل حالة ضاغطة علي الانظمة العربية لتتجاوب مع الفكرة بتجاوز المنطق القطري الي رحابة العمل القومي الوحدوي. الاحساس بوحدة الانتماء والمصير والادراك بالمخاطر المحدقة بالامة العربية كانت عوامل تجعل من مطلب الوحدة العربية ضرورة قومية بل حياتية، ومع ذلك وبالرغم من ان الجماهير الشعبية والنخب والانظمة كانت تتحدث عن الوحدة وضرورة تحقيقها، الا ان الايمان بالوحدة والسعي الصادق لتحقيقها لم يكونا عاملا مشتركا بين الجميع.وكما يقول المثل (ليس كل ما يلمع ذهب) فلم يكن كل من يتحدث عن القومية والوحدة العربية قوميا ووحدويا، صحيح، ان الجماهير كانت تؤمن بالوحدة وراغبة فيها لاعتبارات متعددة ولكنها كانت تفتقر لآليات تحقيقها بوسائل شعبية، وكانت تتطلع للنخبة لتجسد لها تطلعاتها واقعا، ومن هنا نلاحظ كيف كانت الجماهير تلتف حول كل زعيم او حزب يرفع رايات الوحدة العربية، تمنحه ثقتها وتتبني مواقفه وسياساته حتي وان كانت متعارضة مع سياسات حكامهم، هذا ما كان مع جمال عبد الناصر وصدام حسين في بعض مراحل حكمه ومع حركة القوميين العرب وحزب البعث قبل ان تصادر السلطة الفكرة.المشكلة لم تكن بالجماهير ولكن بالنخبة التي رفعت رايات الوحدة العربية ونصَّبت نفسها ناطقة باسم الامة العربية، بعض النخب القومية كانت منتمية حزبيا وفكريا للفكر القومي الوحدوي ولكن لم يكن لديها استعداد للتضحية في سبيل تحققها، حيث كانت خلفيتها واصولها الطبقية او مواقعها الرسمية في الحكم تشدها نحو مصالحها الضيقة علي حساب مصلحة الامة، وكان حالها كحالة الشخص المصاب بالشيزوفرينيا او ازدواجية الشخصية، ومن هنا كانت خطورتها علي المشروع القومي الوحدوي اكبر من خطورة الشعوبيين واعداء الوحدة العربية. وشريحة اخري من(القوميين) سايروا الحس الشعبي الجارف برفع الشعارات القومية والوحدوية ولكنهم في العمق كانوا يعملون كل ما من شأنه افشال كل مسعي وحدوي بل وضرب القوي الوحدوية والتضييق عليها بطرق غير مباشرة.بين ليلة وضحاها، كان يُعلن عن تشكيل دولة الوحدة، يجتمع زعيمان او ثلاثة وفجاة يعلنون عن قيام دولة الوحدة، وحدة بين جمهوريات ووحدة انظمة ملكية ووحدة جمهوريات وعروش، تقوم دولة الوحدة لسنة او سنتين ثم تفشل او توءد يوم قيامها، حتي التكتلات، كاتحاد المغرب العربي واتحاد المشرق العربي، كلها فشلت او بقيت في غرف الانعاش منذ يوم مولدها. لا شك ان الدول الطامعة بخيرات المنطقة وبموقعها الاستراتيجي ـ الغرب الاستعماري واسرائيل ودول اقليمية – كانت من اهم معيقات الوحدة العربية، الا ان غياب الايمان بالوحدة وغياب وحدة الموقف علي الأسس الايديولوجية والسياسية والاقتصادية التي ستقوم عليها دولة الوحدة كان السبب الاهم في تعثر التجارب الوحدوية، غالبية التجارب الوحدوية كانت تقوم فقط لمجاراة الجماهير دون ايمان من الانظمة او الاعداد الحقيقي للوحدة، كانت الانظمة تعلن عن قيام دول الوحدة وهي تعرف بانها ستفشل ولكنها كانت تريد ان تقول للجماهير لقد سعينا من اجل الوحدة ولكن الطرف الآخر هو السبب في فشلها، كان كل نظام يُحَمل شريكه في التجربة مسؤولية الفشل متهما اياه بالتبعية للخارج او خضوعه لمحاور خارجية او تغليبه مصلحة النظام او الحزب الحاكم علي المصلحة القومية، وكانت النتيجة ان يئست الجماهير من فكرة الوحدة وابتذلت كلمة الوحدة العربية حتي لم يعد احد اليوم يتحدث عن الوحدة العربية. لم يكن الخلل بطبيعة الحال بالوحدة فكرة وهدفا، فهي فكرة نبيلة، ولكن الخلل كان في ادواتها من احزاب وانظمة، لان الوحدة القومية تعني البحث عن/ والاتفاق علي القواسم المشتركة التي تحقق المصلحة القومية للأمة، والقواسم المشتركة تعني تنازلات متبادلة من الانظمة، اي تغليب المصلحة القومية علي حساب مصلحة النخب الحاكمة.كان الفشل امرا حتميا لعدم الاتفاق علي الثوابت والمواقف قبل تحقيق الوحدة، والنتيجة، لا الوحدة العربية تحققت ولا المصلحة القطرية والتي نعتوها بالمصلحة الوطنية تحققت، النخب الحاكمة بما فيها النخب القومية، كانت المستفيد الوحيد، واليوم تدفع الامة العربية ثمن فشل التجارب الوحدوية وتراجع الفكر القومي، والثمن الابهظ هو ان الوحدة الوطنية اصبحت مهددة، بمعني ان المسار الوحدوي اصبح يسير بشكل معكوس، فمن وحدة المجزأ الي تجزئة المجزأ.لقد ضخم البعض من حالة التعارض بين المصلحة القطرية (الوطنية) والمصلحة القومية العربية، وان كان اعداء الوحدة العربية هم اكثر المروجين لوجود هذا التناقض والمغذين له فكريا وماديا من خلال خلق نخبة راسمالية محلية مرتبطة مباشرة بالمركز الراسمالي بدلا من ارتباطها بسوق عربية ومجالات استثمارية داخل الوطن العربي، ومن خلال خلق نخبة فكرية ثقافية تدافع عن ثقافات فرعية ومضادة في مواجهة الثقافة القومية العربية…، الا ان انظمة وحركات كانت ترفع رايات الفكر القومي الوحدوي، ساهمت ـ عن قصد او دون قصد-في تعزيز التوجه القُطري الانفصالي وبالتالي خلق حالة موهومة من التعارض بين التوجه القومي الوحدوي والعمل القُطري (الوطني).نعم، لقد ساهمت انظمة ترفع رايات القومية ومن يسندها من حركات سياسية، في ترسيخ المنطق القطري الاقليمي ـ ولا نقول الوطني ـ علي حساب التوجه القومي، فانظمة دكتاتورية استبدادية تقمع الجماهير وتحد من الحريات لا يمكنها الا ان تؤسس لنظام طائفي او فئوي يتعارض مع تطلعات الغالبية الشعبية، حتي وان رفعت هذه الانظمة شعارات قومية ووحدوية وثورية. قد يحظي النظام بشعبية واسعة في سنواته الاولي، حيث تكون الجماهير منتشية بالثورة وشعاراتها ومتشوقة للعمل القومي والوطني الجاد الذي نادي به النظام الجديد، ولكن مع مرور الوقت وكنتيجة حتمية لميكانزمات عمل الانظمة الاستبدادية والعسكرية يخلق النظام زبانيته من منتفعين ومتسلقين، ويشكل هؤلاء مراكز نفوذ بل واصحاب قرار، يحجبون الحاكم عن الشعب، ويُقرب النظام فئات علي حساب اخري، تتوسع الهوة ما بين النظام (الثوري القومي الوحدوي) والجماهير، ، تتبلور شبكة مصالح متعارضة مع مصلحة القطاعات العريضة من الجماهير ومع ما كانت تتوق اليه، تبدأ الاحتجاجات والشكوك المتبادلة، تصادر الحريات وتتزايد السجون والمعتقلات، تروج مقولات المؤامرة الخ، فتخشي النخبة الحاكمة علي مصالحها وتبحث عن مؤيدين وانصار من خارج من منحوها الولاء بداية علي اسس ايديولوجية، فيكون هؤلاء الانصار الجدد من طائفة الحاكم او الاقلية الاثنية التي ينتمي اليهاليخفي النظام (في هذه المرحلة لا يعد النظام هم القادة القوميون والثوريون الاوائل بل نخبة مصالح توظف مبادئ الثورة وشعبية الزعيم) المُنزلق الذي آل اليه، فانه يضفي علي شبكة علاقاته الضيقة اسم المصلحة الوطنية، وفي هذه الحالة يصبح مفهوم المصلحة الوطنية لا يعبر عن مصلحة الوطن ولا يعكس المصالح الحقيقية للمواطنين بل مصلحة الحاكم والنخبة، ويتم خلق مماهاة مزيفة بين مصلحة النظام والنخبة من جانب والمصلحة الوطنية من جانب ثان، وفي هذه المرحلة ايضا تتبلور بايحاء من الحاكم وحزبه ومثقفيه منظومة الثوابت والمرجعيات (الوطنية).مع تباعد الوحدة العربية فكرا وممارسة، تتحول القطرية من حالة مؤقتة الي حالة دائمة تاخذ اسم الوطن والوطنية، وهي حالة وفكرة تجذب اليها بقايا الانظمة والحركات القومية، فتدعمها سرا وتقوم بتكييفها حسب مصالحها، وتلعنها علنا. وحتي يحافظ النظام (القومي) علي مصالحه المهددة من جيرانه ومنافسيه ومن معارضيه السياسيين، وحيث انه لا يستطيع التراجع عن شعاراته القومية والوحدوية، فانه يروج بان شروط الوحدة الحقيقية غير ناضجة او ان الآخرين لا يريدون الوحدة الخ. وعندما تكشف الجماهير الحقيقة فان النظام يتجه نحو مزيد من الاستبداد والانفصال ليس فقط عن الجماهير العربية التي وعدها بالوحدة بل ايضا عن الجماهير في اطار القطر الذي يحكمه.وهكذا وخلال اربعة عقود انشغل العقل السياسي العربي بالعلاقة بين الوطنية والقومية، وهل من تناقض بينهما؟ ولماذا فشلت التجارب الوحدوية وتراجع الفكر القومي؟ ومن يملأ فراغ تراجع الفكر القومي الوحدوي وخصوصا مع فشل الدولة القطرية (الوطنية) في الحلول محل دولة الوحدة المنشودة في تحقيق التنمية والتحرير والحياة الكريمة؟لا غرو بان القوي المعادية لوحدة الامة العربية ما زالت قائمة، ونقصد هنا تحديدا الولايات المتحدة واسرائيل وانظمة حكم ونخب سياسية عربية تخشي علي وجودها ومصالحها ان تحققت الوحدة- بل ازدادت قوة وعدوانية لتوسع وتعمق مصالحها بالمنطقة. الا ان المشكلة لا تكمن بالمعيقات الخارجية فقط بل بالمعيقات الداخلية ايضا حتي داخل الحركة القومية العربية ذاتها كما اسلفنا، فهذه الاخيرة كانت منقسمة علي ذاتها فمنها من كان بالسلطة كالناصرية في مصر وحزب البعث العربي الاشتراكي – في سورية والعراق ـ والقوميين في اليمن في بعض المراحل وظاهرة القذافي في ليبيا، وقوي قومية اخري كانت خارج السلطة كحركة القوميين العرب، وكانت فكرة الوحدة وآليات تحققها تختلف ما بين قوميي السلطة والقوميين خارجها، بل داخل كل منها كانت خلافات، فلم يكن الحكم الناصري علي توافق دائم مع البعث، وبعث العراق كان معاديا لبعث سورية، بل كان العداء بينهما اشد مما هو بين كل منهما والقوي غير القومية، وبصورة عامة لم تكن الادوات التنفيذية لفكرة الوحدة القومية لا موحدة ولا منسجمة، وبعضها لم يكن صادقا في رفعه لشعارات الوحدة، حيث ارتد بعضها عن الفكرة في اول مواجهة له مع الواقع.وحيث ان الاوضاع العربية ازدادت تدهورا بحيث باتت اكثر سوءا عما كانت عليه عندما كان الفكر القومي يدغدغ مشاعر الجماهير، ليس ثمة قطر عربي يخلو من مشاكل اقتصادية او سياسية او اجتماعية، واخطر هذه المشاكل هو تفشي النعرات الطائفية والعرقية التي تهدد وحدة النسيج الاجتماعي والثقافي لكل قطر، وعودة الاستعمار مجددا للمنطقة سواء كان استعمارا مباشرا او غير مباشر وهذا الاخير اخطر من الاول…، لكل ومع ذلك، تجددت التطلعات الشعبية للملمة شمل الامة ومواجهة ما تعتبره تهديدا لوجودها وكينونتها، وعادت بعض مفردات الخطاب الوحدوي، ولكن هذه المرة علي اساس ديني وليس قومي.اذن مع تراجع الحركة القومية العربية ومع ازمة اليسار المتفاقمة ومع استمرار التوق لوحدة الامة والخروج من الواقع القطري المأزوم، راهنت الجماهير علي خيارين، احدهما هو الخيار الديمقراطي، والثاني هو الخيار الاسلامي تحت شعار (الاسلام هو الحل). بالرغم من ان الديمقراطية يمكنها استيعاب كل التيارات والقوي السياسية من وطنية وقومية وعلمانية واسلامية، الا ان بعض تيارات الاسلام السياسي تعاملت بحذر مع النهج الديمقراطي وخصوصا بعد ان دخلت الولايات المتحدة الامريكية علي الخط وسحبت البساط من تحت اقدام الديمقراطيين الوطنيين الحقيقيين، وعملت علي خطف النضالات الديمقراطية الحقيقية لتضعها تحت عباءاتها، والقوي الاسلامية التي تعاملت مع الديمقراطية الرسمية اي الديمقراطية الموجهة من النظام لم تتخل عن ثوابتها ومرجعيتها الدينية مما جعل مشاركتها في العملية الانتخابية والديمقراطية لا تؤسس علي قناعات راسخة بقدر ما هي غائية تهدف لتوظيف مساحة الحريات التي اُجبرت الانظمة علي منحها للجمهور لتشرعن وجودها وتبعد عن نفسها تهمة الارهاب.ومن هنا نلاحظ ان ما يسمي بالثوابت والمرجعيات الوطنية هي محل خلاف، فالمرجعية الفكرية اليوم لغالبية تيارات لاسلام السياسي هي الفكر الديني (قرآن وسنة واجتهادات السلف الصالح) والامة هي الامة الاسلامية والهوية هي الهوية الاسلامية والدولة هي دولة الخلافة الراشدة، واصبحت الثنائية التي تشغل الحقل السياسي العربي والاسلامي اليوم هي الاسلامي والوطني، مع تسطيح وتعويم كبير لمفهومي الاسلامي (الحركات الاسلامية) والوطني، بل يمكن القول بان ما يبدو علي السطح من استقطاب بين المنتمين لكلا التيارين لا يستطيع ان يخفي الخلافات داخل كل تيار وهي خلافات قد تكون اوسع مما هي بين التيارين وبعضهما البعض.وجدت قطاعات لا يستهان بها من الجماهير العربية في الاسلام الاطار الذي يمكن ان يمثل الجدار الاخير في مواجهة (الاعداء) والمرجعية المُوحدة لما هو مشترك بين الجماهير العربية والاسلامية، الا ان نفس المشكلة التي واجهت الحركة الوحدوية القومية تواجه اليوم فكرة الوحدة الاسلامية، فوحدة المرجعية الدينية-حتي هذه عليها خلاف- لا تعني وحدة المرجعية السياسية للمسلمين او حتي وجود مرجعية سياسية متفق عليها، حيث ان الاسلام السياسي منقسم علي نفسه في البرامج وآليات العمل وفي موقفه من العمل الوطني، فمن اسامة بن لادن وتنظيم القاعدة الذي لا يؤمن بالعمل الوطني او بالنضال السياسي القطري، الي جماعة الاخوان المسلمين التي بلورت اخيرا نوعا من المصالحة ما بين العمل الاسلامي الاممي والعمل الوطني، وما بينهما حركات اسلامية متعددة الاتجاهات والتصورات.والسؤال الذي يفرض نفسه، هل يمكن تحقيق وحدة الامة بالاطار الاسلامي حيث فشل تحقيقها بالاطار القومي العربي؟وهل يمكن تجاوز الخلافات بل التناقضات بين متطلبات واستحقاقات وآليات العمل الوطني من جهة واستحقاقات وآليات العمل السياسي التي تنتهجها الجماعات الاسلامية؟للاجابة عن هذين التساؤلين لا بأس من استحضار مقومات وموجبات او مبررات الوحدة في الحالتين ومعوقات تحققهما. لا شك ان مبررات وموجبات الوحدة ما زالت قائمة بل هي اليوم اكثر الحاحا في ظل العولمة التي لا تعير اهتماما للكيانات الصغيرة، فهناك الاحساس بالانتماء المشترك والمصير المشترك، وهناك وحدة الثقافة (موروث ومتخيل ومعاش)، وفشل الدولة القطرية في تحقيق التنمية والحياة الكريمة لمواطنيها هو ايضا دافع للوحدة، وهناك التهديد الاسرائيلي الذي ما زال قائما، بالاضافة الي مقولات صدام الحضارات والحرب الصليبية التي بدات تتصاعد في الولايات المتحدة والغرب عموما. الوحدة اليوم اصبحت مطلبا وضرورة حياتية سواء لاعتبارات ايديولوجية او اقتصادية، وان كانت الدوافع القومية الايديولوجية قد تراجعت فالدوافع الثقافية الاوسع والدوافع الاقتصادية تستحق السعي لتحقيق الوحدة.ولكن القوي والعوامل المُعيقة لتحقيق الوحدة العربية لم تكن ضد الوحدة لاننا اردناها وحدة قومية وبالتالي ستزول هذه العوائق ان اردناها وحدة اسلامية. ولكن ايضا فان فرص نجاح الوحدة الاسلامية ليست اكثر حضورا مما كانت عليه مع الوحدة القومية العربية، بل التحديات هي اكبر والانتماءات التي عليها تجاوزها اشد رسوخا من ان يزيلها شعار (الاسلام هو الحل).عديد من القوميين والاسلاميين تناولوا باستفاضة العلاقة بين القومية والاسلام، وغالبية هؤلاء اتفقوا علي عدم وجود تناقض حتمي بين الطرفين، ونعتقد بان حالات التصادم التي وقعت بين الطرفين كانت تندرج في اطار الصراع علي السلطة اكثر مما كانت صراعا بين ايديولوجيات، فكل من الايديولوجيتين تنتمي لمنظومة مختلفة، الاسلام يمكنه ان يوحد الشعوب عقائديا ولكن من الصعب عليه توحيدهم جغرافيا وسياسيا، ونعتقد بان شعارات الوحدة الاسلامية التي ترفعها بعض الجماعات الاسلامية هي اقرب لمفهوم الاممية الذي رفعته الاحزاب الشيوعية والاشتراكية، ليس من حيث المحتوي الايديولوجي بل من حيث الوظيفة الايديولوجية وهي توحيد وتقارب الشعوب ايديولوجيا، اما توحيدها سياسيا وجغرافيا فالامر يحتاج للدخول في مواجهة مباشرة ليس فقط ضد الانظمة والنخب الحاكمة بل ضد النظام الدولي القائم من قوانين وعلاقات ومنظمات. اما الفكر القومي وحركاته السياسية فيمكنها بل مطلوب منها توحيد ابناء الامة، سياسيا وجغرافيا في اطار دولة قومية، وهذا هو مبرر وجود الفكر القومي وقد انجز الفكر القومي هذه المهمة في اكثر من مكان في العالم الا العالم العربي لاسباب سبق سردها.المشكلة المطروحة اليوم ليست علاقة القومي بالاسلامي، فالقومي- حركات ونظم- اضعف من ان يواجه المد الاصولي، وهذا لا يعني نهاية الفكر القومي الوحدوي او التخلي عن حلم الوحدة العربية، بل اقرار واقع ان الانظمة القومية وصلت لطريق مسدود والحركة القومية بشكل عام اصابتها حالة من الترهل او الاحباط، وكثير من منتسبيها انخرطوا اما بالعمل الوطني الديمقراطي او تحالفوا مع الاسلام المعتدل. المشكلة اليوم هي علاقة التيار الاسلامي بالقوي الوطنية من علمانية وديمقراطية والتي تشتغل علي ثوابت ومرجعيات لا تتفق عليها القوي الاسلامية. لقد تجلي هذا التعارض بل التصادم الدموي احيانا، في الجزائر، مصر، تونس، الاردن، المغرب، وفي فلسطين ولبنان اخيرا. العمل الوطني يعني وجود تحديات ومهام وثوابت وطنية تحتاج لمعالجات وطنية، بمعني ان القرار بهذه الامور يجب ان يكون قرارا وطنيا لا يخضع لاي مرجعية خارجية حتي وان كانت دينية، فلا يمكن ان تكون وطنيا وقرارك خارج الوطن، وهذا يتطلب (توطين) الجماعات الاسلامية سياسيا لا دينيا، بمعني ان تصبح الجماعات الاسلامية في كل بلد جزءا من المشروع الوطني لا ان يُلحق المشروع الوطني باجندة الجماعات الاسلامية وخصوصا الاممية منها كجماعة الاخوان المسلمين وتنظيم القاعدة. واخيرا فاننا لا نعتقد بوجود تناقض حقيقي ما بين العمل من اجل الوطن -الدولة الوطنية- والعمل من اجل القومية والوحدة العربية والعمل من اجل وحدة وترابط الامة الاسلامية عقائديا، والمشكلة هي ترتيب الاولويات وتنسيق المهام حسب خصوصية كل بلد وحسب تحديات كل مرحلة، فمثلا لا يمكن الحديث عن الوحدة العربية فيما اقطار عربية تعيش صراعات وحروب طائفية وعرقية تهدد وحدة نسيجها الاجتماعي والوطني، كما لا يمكن الانتقال لوحدة الامة الاسلامية حول مرجعيات سياسية واجتماعية واقتصادية، فيما لم نتمكن من تحقيق ذلك بين الدول العربية التي تجمعها، بالاضافة الي المرجعية الدينية، وحدة اللغة والعادات والتقاليد والتاريخ المشترك. لقد حدث التصادم ويمكن ان يحدث ولكن ليس بين انتماءات حقيقية بين هذه الدوائر بل بين نخب توظف هذه الانتماءات من اجل الوصول للسلطة، وفي هذه الحالة تصبح السلطة هي سبب الصدام وليس الانتماءات بحد ذاتها. ہ استاذ العلوم السياسية بجامعة الازهرـ غزة8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية