في شعبة الاستخبارات يسمون ما يجري كل نهار وليل على طول جدار القطاع «تصعيدًا منضبطًا للتوتر». اصطلاح مغسول يستهدف أن «يرتب» براحة الواقع الفوضوي للمخطط العسكري التقليدي. وتقريبًا مثل «الردع» ـ اصطلاح مغسول آخر حين يطرحونه في سياق مكافحة الإرهاب.
يرى قادة جهاز الأمن فيه ذخرًا لأغراض الإعلام، وحين يكون الردع فهذا ذريعة لعدم عمل شيء حيال التهديد المتعاظم من الجانب الآخر من الحدود. وحين يرفع الإرهاب رأسه ويعود للهجوم، يشرحون لنا بأن الردع تآكل وأنه يجب «تحطيم عظامهم» من أجل استئنافه. وبدلامن معالجة التهديد بشكل متواصل ـ ليس فقط عسكريًا، بل سياسيا بالأساس ـ يستيقظون ذات يوم ويشنون حربا، وكأن الحديث يدور عن قضاء وقدر. وهذا بالضبط ما ينضج الآن على حدود غزة.
السؤال الذي يطرحه رجال الاستخبارات اليوم على أنفسهم هو: هل الاضطرابات المحتدمة على حدود القطاع معناها أن حماس اجتازت الروبيكون وقررت إحداث أزمة عسكرية متطرفة ـ ما سيؤدي وفقًا لفهم قادة المنظمة في إسرائيل، والولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية، لأن يغيروا نهجهم فيرفعوا الحصار عن غزة دون أن تتنازل حماس عن قوتها العسكرية وعن تطلعاتها في الساحة الفلسطينية الداخلية.
يتبين أننا نوجد بعمق في الفصل الثالث من المواجهة التي بدأتها حماس مع إسرائيل في شهر آذار الماضي. فالفصل الأول، الذي بدأ بـ «مسيرات العودة»، انتهى بنحو 200 قتيل فلسطيني وجولتي تصعيد تضمنتا إطلاق نحو 200 صاروخ وقذائف هاون نحو غلاف غزة. في الأسبوع الأول من آب بدأ الفصل الثاني ـ محاولات التسوية بين حماس والسلطة الفلسطينية وإسرائيل، والتي لم تكن للحظة حقيقية ولكنها سمحت بتخفيض مستوى الضغط الداخلي عن الزعماء في كل الأطراف. المحادثات لا تؤدي إلى أي مكان، والشتاء المقترب يهدد بأن يتفاقم الوضع الإنساني في غزة أكثر فأكثر، وفي منتصف أيلول تنتقل حماس إلى المرحلة الثالثة من «التصعيد المضبوط».
منذ بضعة أسابيع وقادة حماس يجرون اتصالات مع قادة الفصائل في القطاع ـ ولا سيما مع الجبهة الشعبية، ولكن ليس معهم فقط ـ بشأن تحطيم الأدوات والدخول في مواجهة عسكرية مع إسرائيل. وتتجه النية إلى نزع القفازات. ضمن أمور أخرى، سيقتحم رجال الذراع العسكري الجدار في عدة نقاط، ويتسللون إلى بلدة ما ويختطفون مواطنين. هذا هو التطلع. فقد روى رئيس بلدية خانيونس السابق، د. فوزي شمالة، المقرب من حماس، في التلفزيون الغزي بأن النية تتجه إلى احتلال «مستوطنة» (كيبوتس) وأخذ عدد كبير من الأسرى. ويقدر زعيم حماس، يحيى السنوار، بأنه إذا كان في يده مخطوفون إسرائيليون فإن إسرائيل سترد بشكل عدواني، ولكنها في نهاية العملية ستتراجع: ستضغط على أبو مازن لتحويل الأموال إلى القطاع، وتشجع إقامة بنى تحتية في غزة بأموال دولية وتحرر سجناء. في نظرته، القيادة الإسرائيلية هي جسم ضعيف وقابل للابتزاز، والمجتمع الإسرائيلي لا يصمد في أوضاع مخطوفين ـ أسرى ـ مفقودين.
عندما ينشر الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي بين الحين والآخر بأن نشطاء فلسطينيين اقتحموا الجدار، وتسللوا بضعة أمتار إلى الأراضي الإسرائيلية وعادوا على أعقابهم، يتخذ هذا عندنا صورة ألعاب الاستغماية: جئت إلى موقع خال للجيش الإسرائيلي، أحرقت خيمة، عطلت تراكتورًا، التقطت لنفسي صورة وعدت بسلام. ولكن الحديث يدور عن تجربة وتضليل: هكذا يفحصون نقاط الضعف، المدة الزمنية التي تنقضي إلى أن تصل الدورية إلى الثغرة، أين توجد «المناطق الميتة» التي لا تراها نقاط الرقابة العسكرية الإسرائيلية وما شابه.
منذ شهر آب تجري أعمال يقوم بها رجال حماس ومنظمات أخرى على الجدار، ليل نهار، «لتعويد» الجيش الإسرائيلي وإبقائه في روتين من التأهب العالي الذي فيه عنصر من عدم الاكتراث، حتى لحظة الاقتحام. المتظاهرون على الجدار، الذين يزداد عددهم في الأسابيع الأخيرة، ليسوا من «الشعب». ففي قلب التظاهرات يعمل رجال الذراع العسكري لحماس، الذين «يعلمون» كيف يتعايش الجيش الإسرائيلي مع إلقاء العبوات، ومع الاقتحامات الصغيرة للجدار. ويمول الإيرانيون هذا المشروع، ومؤخرًا دُعي المشاركون في التظاهرات للتوجه إلى فروع البنوك في غزة كي يحصلوا هناك، برعاية إيرانية، على 200 دولار لكل واحد منهم، وبتعابير غزة هذا مال طائل.
وماذا تفعل حكومة إسرائيل أمام سحب الحرب المتلبدة على الحدود الجنوبية؟ جهد سياسي حقيقي للوصول إلى تسوية في غزة؟ ممارسة ضغط على السلطة الفلسطينية بحيث تغير النهج أو الضغط على الدول المانحة لتضخ المال إلى القطاع؟ أم أنها تنتظر، كالمعتاد، حتى «ينتهي» الردع، وعندها سنحطم لهم (ولنا) العظام.
اليكس فيشمان
يديعوت 2/10/2018