نحو عروبة مدنية ضداً علي اللّبْنَنَة والعَرْقَنَة والأَمْركَة!
مطاع صفدينحو عروبة مدنية ضداً علي اللّبْنَنَة والعَرْقَنَة والأَمْركَة! لا يزال لبنان يبدع حياته السياسية بطريقته الخاصة التي تميزه عن أشقائه جميعاً. هناك راهنياً ظاهرة الحشد الجماهيري الفريدة حتي اليوم في الساحة العربية؛ ولقد صاحبت هذه الظاهرة نشأة الاستقلال الوطني الثاني منذ عامين. صاحبته ولم تنتجه عند انطلاقته. لكنها جاءت دعماً لميلاده الفجائي، ثم راحت تعبر عن تطورات الاستقلال الجديد الذي بدا واحداً موحداً لدي معظم المكونات الاجتماعية والأيديولوجية للمجتمع اللبناني. ثم ما لبث هذا الاستقلال نفسه أن أعاد إنتاج العقد القديمة المسيطرة علي الحراك السياسي الموصوف بالتقليدي، والمتوارث منذ الاستقلال الأول. وأولي هذه العقد هو أن لبنان لا يستطيع أن يُجمع علي ما هو صواب أو خطأ، بالنسبة لمفاهيم المصالح الوطنية العليا لكافة أبنائه. فما يمكن أن يكون استقلالاً وتحرراً بالنسبة لفئة منه، قد لا يكون كذلك بالنسبة لفئات أخري. هذا بالرغم من كل الرهانات الإيجابية التي حملتها (ثورة الأرز)، مع الانفجار الأول المباغت لظاهرة الحشد الجماهيري، والنزول شبه العفوي الكثيف إلي الشارع، وساحتي الاستقلال والحرية، في الوسط الحديث لمدينة بيروت، حتي قيل آنذاك أن تلك الثورة كانت أقرب إلي الانقلاب الأهلي الأول غير العسكري، في مسيرة المنعطفات الفوقية والعسكرية المسيطرة علي قـانون الحراك السياسي للنهضة العربية الثانية.فقد حدث سريعاً لهذه الظاهرة الجماهيرية أن تفقد مزيتها التاريخية والحداثوية، وهي كونها تعبيراً وطنياً جامعاً، لتصير، بين ليلة وضحاها، تعبيراً تقسيمياً للبنانيين. فهي لم تعد قوة بشرية هائلة جامعة، بقدر ما هي مفرّقة. أو هكذا علي الأقل كما تجلت في مشهديتها الأخيرة، يوم الاحتفال بالذكري الثانية لاغتيال الرئيس رفيق الحريري في الأسبوع الماضي. فهل تحولت هذه الظاهرة إلي نوع من مبارزة عددية بالأتباع، بالأهالي، بالناس، لهذا المعسكر السياسي أو ذاك. إنه انقسام علي مستوي السطح السياسوي. لكنه انقسام حركي باحث عن العدد الأكبر الذي يزايد به زعماؤه علي العدد الأكبر الآخر. وإنه صراع كمّي خالص لا يفيد منه إلا فئة القيمين علي الفرز والتصنيف، علي تعميق ثنائية الأنا والآخر. هكذا إذن يجري تفريغ أحدث ظاهرة تجديدية في الحراك السياسي العربي، من مضمونها في التغيير النوعي لأداتية الفعل الوطني؛ فبدلاً مما كان مأمولاً ومنتظراً من استعادة الشعب لقدرته علي صنع مادة القرار السياسي وإعادة ربطه بالمفهوم المصيري العام، فإنه يحدث للظاهرة الجماهيرية أن تُختزل إلي أصلها البدائي، إلي مجرد قطعان لاصقة بعصا راعيها.ليس ثمة إضافة نوعية حقيقية علي حصيلة الانحطاط السياسي المسيطر في هذه الحقبة المظلمة من أفول النهضة. لن يكون مسموحاً بعودة أصيلة للعمل الجماهيري إلا وهو مقولب سلفاً بإطارات الانحطاط عينه. فالجمهرة البشرية مسلوبة الإرادة قبل أي فعل أو انفعال. ها هي تجدد خضوعها التقليدي للتوظيف الفوقي. والشعارات المنصوبة فوق رؤوسها لا تعكس إلا ألوان أعلام تتقاذفها الرياح. فما يحدث حقاً هو الاستثمار الخبيث لطواعية الجمهرة وقابليتها الجمعية السريعة للاثارات الطائشة. وهناك غرف عمليات مظلمة تسلح هذا الاستثمار بأحدث الآليات (العلمية) لطبخ عوامل التحريض الفئوي، وتزويده بالشعارات الآنية المناسبة، بحيث تُنظّم آليات التحرك المضاد، وتفعيل مواقف الإثارة واستفزاز الخصم وصولاً إلي تعميق الفروقات المصطنعة، وتحويلها إلي عداوات لاهبة، فالجمهرة لا تُترك لشأنها. وكل حركة تلقائية إيجابية تندّ عنها، يمكن قلبُها إلي ضدها. فهي المنطوية علي نوع الطاقة الخطيرة الموصوفة بالغريزة والاندفاع اللاوعي؛ لكنها في الآن عينه هي المتملكة كذلك من حس التمرد علي الظلم والطغيان فيما لو أُتيح لها القيادة الحكيمة الأمينة علي مصالح الأكثرية الحقيقية. فهذه الأكثرية هي التي تشكل المرجعية الإنسانية الأشمل للجمهرات التلقائية المتمردة علي أساليب التلعيب الدخيلة عليها من قبل قيادات طفيلية مفروضة عليها. فالحس الشعبي الطبيعي المتجه تلقائياً نحو المصلحة العامة، يتعرض للتشويه والتلاعب بتوجهاته العفوية، فينقلب إلي أصول (شعبوية) مضادة لمقاصده الأولية، خاصة في ظروف الإثارات الجمعية المفتعلة. بين الشعبي والشعبوي هوة تتساقط فيها المناعات المكتسبة بالوعي والتربية المدنية، مفسحة المجال فقط لأساليب التهييج الهادفة إلي تفكيك عري التضامن الاجتماعي بين فئويات، تتحول إلي جمهرات مستثارة بالغريزة والدم، ومقودة بثقافة الخوف والتخويف، فيما يشبه ترسيخ الاعتقاد لدي الجمهرة بأن بقاءها أمسي مشروطاً بإلغاء بقاء الآخر.هذا هو الاعتقاد العصبوي البهيمي، هو الراسب الأخير المتبقي ما بعد الانهيار النهضوي إلي درجة الصفر في الفكر. فهو لذلك ليس اعتقاداً بالمعني المتعارف عليه، بقدر ما هو مزيج من هواجس الزوال المحقق ونوازع أيِّ بقاءٍ بأي ثمن. إنه يأس الفئويات المعزولة، من القدرة علي اكتشاف البدائل لخيارات أخري، إنسانوية بمعني ما؛ قد تتجاوز حال الانحصار في دائرة المجهول المداهم بالويلات وحدها، التي لا قِبَلَ للمجاميع المنفصلة، بتحديدها أو القدرة علي التصدي لها بغير وسيلة الاقتتالات المباشرة فيما بينها.الانكسار النهضوي الذي يعم الوجدان الإنساني لمجتمعاتنا تمسرحه الاقتتالات الأهلوية المتنقلة من قطر إلي آخر. وما يعنيه الانكسار النهضوي هو هذه الحال من التردي المضطرد إلي درجة الصفر من الفكر؛ بحيث لا يتبقي من رصيد المثل والقيم الجامعة، الا هواجس الخوف والتخويف يتبادلها الجميع ضد الجميع. لكن ليس هذا هو إفلاس المثل والقيم من مخزونها الفكري وتجاربها الثقافية الكبري، بل هو عجز بعض الإنسانية عن تَبْيئتها في حياتها اليومية. الأمر الذي يُصطلح عليه عادة بعبارة العقم الحضاري الذاتي، من ناحية، أو بسلبية الظروف المحيطة، وممارسة المنع القسري من تحقيق بعض الحظوظ لتلك النقلة النوعية المشهورة في سياق المعرفة الأنثربولوجية، من حال التجمع الحيوي الغريزي أو أشباهه، إلي حال مجتمع الأفراد المتمايزين في وحدتهم، والمتحدين في تمايزهم. ذلك هو قانون التطور الاجتماعي من (القبيل الابتدائي) إلي صيغة التشكيلات المجتمعية، المتفاوتة والمتدرجة في معارج التمدن.لكن المايحدث العربي في جو الانكسار النهضوي الذي يثبته يومياً المزيد من سيطرة الغيبيات علي الشأن العام والخاص، وانهزام الثقافة والسياسة والأخلاق الإنسانية أمام زحوفاتها الجمعانية الهادرة، هي هذه الهرولات المريعة نحو التسليم بواقع الحال؛ كما لو أن البربرية (الأصيلة) صار يمكن التلاؤم مع مهالكها، تحت أقنعة كل التسميات الأخري، المشتقة من قاموس المذهبيات وطقسياتها المتوارثة. يصحو الشاب العربي فجأة علي نفسه ليكتشف أنه سني أو شيعي أو مسيحي. وأنه لا شيء يمكنه أن يقدم تعريفاً له أو هوية أو شخصية سوي هذا الترميز السحري. وهنا يُعاد أخذ الناس بالجملة. إنهم محشورون شاؤوا أو أبوا تحت تلك التصنيفات التي لم يختاروها. وبذلك يتقهقر مجتمعهم إلي مجرد معتزلات يسيّجُها الزعماء حول أتباعهم، بادّعاء صنوف الكمالات وقذف الآخرين بكل أضدادها ونقائضها.فجأة يصحو الناس علي ذواتهم ليكتشفوا أنهم لم يعودوا هم أنفسهم ما كانوا عليه. فلا البيوت بيوتهم، ولا الأحياء أحياءهم تلك التي وُلدوا وترعرعوا فيها، ولعب فيها أولادهم مع أولاد الجيران، هؤلاء الذين لم يعودوا هم أنفسهم كذلك. الاسم المذهبي وحده هو المفرق والمهّجر وأداة النفي والاغتراب. المجتمع أجنبي في أحيائه وشوارعه ومناطقه. لم يعد ينتمي إليه أحد. أما الجمهرات في الساحات العامة فقد أمست أعراضاً آنية مفتقرة إلي الشعب الحقيقي، والوطن الأصلي، والعصر النهضوي الذي لا يتذكره أحد، إذ لم يعد هذا الأحد يعرف له وجهاً ولا اسماً ولا تاريخاً. فقد انحدر زمنه إلي درجة الصفر من الذكري، من الفكر، من اشتهاء الفرح والعدالة والرقي الوجودي. فالانحطاط عثر أخيراً علي إيديولوجيته القادرة علي إقناع جماهير الملل والنحل بأن ثقافة الموت هي الباعثة وحدها علي تعلم فن الحياة الدنيا الفانية بأساليب الحياة الأبدية. ومع ذلك فليس الانحطاط، الأميّ أصلاً، بقادر علي تهجَّي حروف من صحائف الأبدية. لذلك لا يتبقّي له الا الموت الذي يبشر به، ويعمّمه في كل صحراء، كانت يوماً مشروع جنة ما، ثم أمست مستباحة لفرسان البربرية الجديدة، دون أي منازع لهم قد يذكّر أحياناً بثقافة المدنية، أو بأطلالها علي الأقل.لكن لبنان الذي قهر (اللَّبْنَنة) ولا يزال في عقر داره، خلال اقتتاله الأهلوي المديد الرهيب طيلة الربع الأخير من القرن الماضي تقريباً، مانعاً من تصديرها إلي محيطه ـ ربما عن غير إرادة ـ، فإنه يعيش راهناً، ومن يوم أسود إلي آخر، لحظة المقاومة الحاسمة ضد اللّبْننة، في شكل العَرْقنة، التي تحاول فئة من طواغيت ماضيه الدموي ذاك، أن تستوردها، بإصرارها الدؤوب علي افتعال شتي أسبابها الواهية، كيما تأتي البربرية الجديدة أشبه بضرورة تاريخية قاتلة للتاريخ النهضوي والإنساني لشعب الأرز العريق.اللّبْنَنة بالأمس والعَرْقنة اليوم، مثلما تؤكدان ظاهرة الانكسار النهضوي المتفاقمة، فإنهما تبرهنان كذلك علي أنه ليس ثمة من مصير آخر للعرب إلا بالاصرار علي استعادة عصرهم النهضوي، مصححاً هذه المرة بثقافة الحداثة والحرية والعدالة.ہ مفكر عربي مقيم في باريس9