نحو مؤتمر أهلي عالمي لحقوق الإنسان

حجم الخط
0

نحو مؤتمر أهلي عالمي لحقوق الإنسان

د. عصام نعماننحو مؤتمر أهلي عالمي لحقوق الإنسانفي مؤتمر صحافي عَقَدته يوم الثلاثاء الماضي الموافق 2006/5/23في لندن وأطلقت خلاله تقرير منظمة العفو الدولية لسنة 2006، حال حقوق الإنسان في العالم ، قالت الأمينة العامة للمنظمة ايرين خان: لقد أقدمت الحكومات، فرادي وجماعات، علي شل المؤسسات الدولية وتبديد الموارد العامة، سعياً إلي بعض المصالح الأمنية الضيقة، والتضحية بالمبادئ تحت ستار الحرب علي الإرهاب، مع غض النظر عن الإنتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان. ونتيجةً لذلك، تعيّن علي العالـم أن يدفع ثمنا باهظاً، تمثّل في الإنتقاص من المبادئ الأساسية وفي الخسائر الفادحة التي لحقت بأرواح الناس العاديين وبمصادر رزقهم .هذه الكلمات النابضة بالحق والإنتصار للحرية والكرامة لخّصت مضمون التقرير الطويل المترع بالوقائع والأدلة والقرائن والشواهد كما بالإتهامات والإدانات والأحكام التي ساقها التقرير الإنساني التاريخي ضد حكومات متغوّلة وجماعات باغية وطغاة عتاة ومجرمين سياسيين محترفين في شتي أنحاء العالم.ما كان تقرير منظمة العفو الدولية ليأتي علي هذا المستوي الرفيع من الشمول والدقة والحرفية والجرأة لولا ان العام 2005 كان عام المتناقضات ، كما وصفه التقرير، مقدّماً لمسؤولي المنظمة كما لسائر مسؤولي منظمات حقوق الإنسان في العالم حافزاً قوياً للتسلح بالقيم الأخلاقية والعلم والجرأة من اجل رصد المخالفات والإنتهاكات والجنايات اللاحقة بحقوق الإنسان والتحقيق فيها وتوثيقها وفضحهـا علي مرأي ومسمع من الرأي العام العالمي. كشف التقرير أعمال القتل الإسرائيلية، وتوسيع المستوطنات، وبناء جدار الفصل علي امتداد 600 كلم، وعزل القدس الشرقية عن الضفة الغربية، وجرف الأراضي الزراعية ومصادرتها.كما نوّه التقرير بشروع مجلس أوروبا والبرلمان الأوروبي في إجراء تحقيقات في شأن ضلوع دول أوروبية في عمليات تقودها الولايات المتحدة من اجل النقل الاستثنائي من دون وجه حق للسجناء إلي بلدان يتعرّضون فيها لخطر التعذيب أو غيره من الانتهاكات. وأوضح انه شيئاً فشيئاً، إنكشفت أدلة جديدة علي أن بعض الدول الأوروبية كان شريكاً في الجريمة مع الولايات المتحدة، بإهدارها الحظر المطلق علي التعذيب وسوء المعاملة، وإقدامها علي توسيع نطاق التعذيب من خلال نقل سجناء إلي دول، مثل مصر والاردن والمغرب والسعودية وسورية، وهي معروفة بممارسة التعذيب . غير ان التقرير لم يُشِرْ، في هذا السياق، إلي مفارقة عجيبة هي ان الولايات المتحدة التي إستخدمت تلك الدول لإستنطاق المعتقلين تحت التعذيب كانت لا تخجل لاحقاً من دعوة قادتها إلي إجراء إصلاحات ديمقراطية!الحقيقة أن إنتهاكات حقوق الإنسان في عالمنا وعصرنا أضحت علي قدْرٍ من الشراسة والشمول والتكرار يتطلب نمطاً من المقاربة والمعالجة يتجـاوز الأطر المحلية، كما يتطلب مستوياتٍ وصيغاً عالمية أكثر شمولاً وفعالية. صحيح ان منظمة العفو الدولية تضطلع بمهامها وإختصاصها علي مستوي العالم وبنجاح ملحوظ، وتتمتع بسمعة عطرة ومكانة عالية في أوساط المثقفين والنقابيين وأصحاب المهن الحرة وذوي الضمائر الحية في شتي أنحاء عالمنا، إلاّ أنها تفتقر إلي قاعدة نفوذ وازن والي أسنان وروادع وأصوات مسموعة في مراتب السلطة وأروقة النفوذ ولدي قادة الشعوب.لذلك، وإزاء تزايد إنتهاكات حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية، وبسبب ما تمارسه الحكومات المتسلطة من خداع ورياء وإهدار للموارد العامة وإفتئات علي مصادر الرزق، أري ان يصار الي رفد منظمة العفو الدولية وغيرها من المنظمات العاملة في إطار القانون الدولي الإنساني بنهج عمل متطور وأذرعة وأنشطة من شأنها تزخيم فعاليتها ومضاعفة إنتاجيتها علي النحو الآتي:أولاً، إنشاء هيئة أهلية عالمية ذات وقفية خاصة لتمويلها وإدامتها وذلك بمبادرة من منظمة العفو الدولية أو تحت رعايتها بإسم المؤتمر الأهلي العالمي لحقوق الإنسان ، يكون بمثابة برلمان عالمي دائم أو دافوس حقوقي إنساني، ينعقد في دورة سنوية واحدة علي الأقل وإستثنائية عندما تدعو الحاجة، تتقدم منه الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية بتقريرها السنوي ليكون ورقة عمل لممثلي منظمات حقوق الإنسان والجمعيات الإنسانية غير الحكومية في شتي بلدان العالم المشاركين في دورة المؤتمـر (البرلمان) ومناقشاته، كما تُعرض فيه وتناقش تقارير أخري متخصصة بنواحٍ أو موضوعاتٍ معينة، وتُتخذ في شأنها جميعا قرارات وتوصيات، وتقوم الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية بتنفيذ ما يتعلق منها بإختصاصها، علي أن تتولي لجنة متابعة ملاحقة وتنفيذ ما يتبقي منها.ثانيا، وضع وإعلان سجل شرف سنوي بأسماء نشطاء شهداء قضوا دفاعاً عن حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية، ونشطاء رواد عملوا وعانوا وأنجزوا في الميدان نفسه. كذلك وضع وإعلان سجل قَرَف (إن صحَّ التعبير) بأسماء مسؤولين في حكومات ومديرين في مؤسسات عامة وهيئات وشركات خاصة إنتهكوا، علي نحوٍ بالغ الفظاظة، حقوق الإنسان والحريات العامة، ما يستوجب دعوة السلطات المعنية لملاحقتهم ومحاكمتهم أمام المراجع القضائية المختصة، الوطنيــــة أو الدولية.ثالثا، مطالبة الأمم المتحدة بالإستماع إلي الأمين العام لمنظمة العفو الدولية في كل دورة أو جلسة تعقدها الجمعية العامة أو مجلس الأمن، تكون مخصصة للبحث في قضية أو شكوي تنطوي علي إنتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان والحريات الديمقراطية من شأنها تهديد أمن الشعوب وسلامها الإجتماعي.ليس من قبيل المغالاة القول إن إنتهاكات حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية باتت تُمارس علي نطاق عالمي، وان حكومات ومؤسسات عامة وخاصة تتواطأ في ذلك علي النحو الذي أشار إليه تقرير منظمة العفو الدولية الأخير. لذلك بات من المنطقي والضروري مواجهة هذه الظاهرة العالمية الخطيرة علي نطاق عالمي أيضا.الحقيقة ان الحكومات في عصر العولمة والإستقطاب الدولي والتكالب علي السلطة وإساءة إستعمالها، ونهب الموارد العامة للشعوب والجماعات، وإهـدار مصادر رزقها، وتراجع مستلزمات صحتها العامة وضماناتها الاجتماعية، لم تعد مؤهلة لتؤتمن علي حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية. ذلك كله يستوجب نهوض الإنسان، فرداً وجماعة، محلياً وقطريا وعالميا، إلي إمساك قضية حقوقه وحرياته بيديه في إطار أوسع تضامن ممكن مع شركائه في معاناة مظالم الإستبداد والإفقار والتهميش ومواجهتها.كثيراً ما يُقال إن العالم أضحي، بفضل ثورة الإتصالات والمواصلات ونقل المعلومات، قرية كونية . هذه الحقيقة، بل هذه النعمة، أضحت في متناول الجميع، ولو بدرجات متفاوتة. معني ذلك ان الجميع، مالكـين أو غير مالكين، قادرين أو غير قادرين، ظالمين أو مظلومين، بإستطاعتهم الإفادة من تسهيلات القرية الكونية ووسائطها وأدواتها وفرصها، وبمقدورهم تاليا فرض حضورهم علي العالم والمشاركة فيه .كان ديكارت يقول: أنا أفكر، إذاً أنا موجود . إن التفكير في عصرنا ما عاد وحده كافياً لإثبات الوجود وصون الحرية بما هي قيمة معادلة للحياة نفسها. ثمة حاجة كيانية ليكون التفكير مقروناً بالتعبير والتدبير، بل بالمقاومة ايضاً. المقاومة بما هي إشهار وممارسة حيّة للوجود والصمود.يا مضطَهَدي العالم، إتحدوا !9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية