نحو مفهوم مشترك أفضل للديمقراطية:

حجم الخط
0

نحو مفهوم مشترك أفضل للديمقراطية:

معظم الدول العربية انظمة فردية يتحايل فيها النظام علي السلطة التشريعية باسم الحزب الحاكمالديمقراطية الوفاقية هي ديمقراطية كاملة تتوفر فيها كافة مقومات نظام الحكم وبعيدة عن الاستفرادنحو مفهوم مشترك أفضل للديمقراطية:د. علي خليفة الكواري: نقطة البداية في دعوتنا هذه إلي بناء مفهوم مشترك للديمقراطية، تنطلق من الحاجة الماسة إلي القيام بمقاربات مسؤولة تسمح بإزالة التعارض بين العقيدة الإسلامية وبين نظم الحكم الديمقراطية. كما ترتكز علي ضرورة تأسيس نظم حكم ديمقراطية في الدول العربية علي مبدأ الوطنية وقيم العدل والإنصاف وضرورة مراعاة الوظيفة الاجتماعية للملكية. وهذه المقاربات المطلوبة ـ لحسن الحظ ـ ممكنة اليوم بفضل تطورات حدثت في مفهوم الديمقراطية المعاصرة بعد أن انتشرت الممارسة خارج دائرة الحضارة الغربية، وتم التمييز بين الليبرالية باعتبارها عقيدة وبين الديمقراطية باعتبارها منهجاً ونظام حكم، قادراً علي مراعاة عقائد المجتمعات دون احتكار عقيدة أو اخري له وتحويله الي مجرد آلية من آليات الخضوع لها. لذلك فإنه إذا كانت للمجتمعات تفضلاتها، فإن نظام الحكم الديمقراطي له بالضرورة مقوماته أيضاً، ولا بد لكل شعب يريد تفكيك الاستبداد ويدرك مفاسد استمرار حكم الغلبة، من أن يقوم مفكروه وقياداته السياسية بإجراء مقاربات جوهرية تزيل التعارض بين ثوابت مجتمعهم ومقومات نظام الحكم الديمقراطي. وذلك بالتركيز علي جوهر كل منهما .من هنا تبرزـ بشكل ملح ـ ضرورة القيام بمقاربات فكرية وسياسية مسؤولة، بين ثوابت المجتمعات العربية ومقومات نظم الحكم الديمقراطية. وفي هذا المقال أستهل الحوار بمناقشة التالي: (1) توصيف نظم الحكم العربية الراهنة . (2) مقومات نظم الحكم الديمقراطي (3) إشكاليات الديمقراطية وإمكانية مقاربتها .توصيف نظم الحكم العربية الراهنةإذا نظرنا بعمق إلي أنظمة الحكم العربية المعاصرة، نجد الكثير منها ما زالت من حيث النص الدستوري لم تنتقل من حيث المبدأ إلي نظم حكم ديمقراطية. بل هي توصّـف علمياً بأنها من أنظمة حكم الفرد المطلق حيث تكون إرادة الحاكم الفرد ـ ملكاً أو سلطاناً أو أميراً أو رئيس جمهورية ـ هي مصدر السلطات. والدستور أو النظام الأساسي في هذه الدول، إما أنه يحتفظ للحاكم بالسلطة المطلقة بشكل صريح، أو أنه يلتف علي المواد الدستورية التي تقول إن الشعب مصدر السلطات، بمواد دستورية أخري تجهض هذا المبدأ الديمقراطي الجوهري وتتيح للحاكم الفرد أن يحتفظ بالسلطة والثروة والنفوذ ويوزعها كيفما شاء مكرمات حينما يشاء، سواء احتاج ذلك منه إلي تعديل الدستور وتزوير إرادة المواطنين، أو دون حاجة لتعديل دستور المنحة أو عقد الإذعان، طالما يتمتع بالحماية الخارجية. أما الدول العربية الأخري التي تنص دساتيرها علي أن الشعب مصدر السلطات فإن معظمها إن لم تكن كلها تقوم بتعطيل ذلك المبدأ بقوانين الطوارئ المزمنة وأخواتها من قوانين. كما أنها تتحايل علي مبدأ الشعب مصدر السلطات، بتوفير شكل الممارسة الديمقراطية دون الالتزام بموضوعها، عن طريق تسخير السلطة التشريعية والقضائية إلي جانب السلطة التنفيذية والإدارة العامة وأجهزة الأمن، لإرادة الحاكم الفرد المطلق من خلال حزب الحاكم 1 الذي يسمي ظلماً في عدد من الدول العربية الحزب الحاكم وهو ليس له من الحُكم شيء. من هنا فإن معظم أنظمة الحكم في الدول العربية إن لم تكن كلها، لم تنتقل إلي نُظم حكم ديمقراطية بعد. هذا بالرغم من ضرورة التأكيد أن هناك فروقاً جوهرية بين أنظمة الحكم العربية من حيث الانفتاح السياسي ومستوي حرية التعبير وحكم القانون ونمو المجتمع السياسي والمجتمع المدني. وهذه الفروق بالرغم من أهميتها في عملية الانتقال إلي نُظم حكم ديمقراطية، ما زالت قاصرة عن تأهيل معظم نُظم الحكم العربية المعاصرة لاكتساب صفة نظام الحكم الديمقراطي.مقومات نُظم الحكم الديمقراطيالديمقراطية المعاصرة اليوم ليست عقيدة كما أنها لا تنافس الأديان، وإنما هي منهج ونظام حكم يتأثر مضمونه بالضرورة، باختيارات المجتمعات التي يطبق فيها.وكذلك فإن نُظم الحكم الديمقراطية نظم مُحْـكَمَة لها مقومات مشتركة من مبادئ ومؤسسات وآليات وضوابط وضمانات، لا تقوم لنظام الحكم الديمقراطي قائمة إذا انتقص منها. ويمكن لنا إذا دققنا في قراءة نُظم الحكم الديمقراطي عبر القارات والحضارات، أن نجد مقومات عامة مشتركة بين أنظمة الحكم التي تكتسب اليوم صفة الديمقراطية. وتتمثل هذه المقومات في خمسة مقومات عامة مشتركة: 2أولها: مبدأ الشعب مصدر السلطات نصاً وروحاً وعلي أرض الواقع. فنظام الحكم الديمقراطي يعبر عن حق تقرير المصير وهو بالضرورة يتطلب ان يكون الشعب مصدر السلطات وأن لا تكون هناك بشكل ظاهر أو مبطن سيادة أو وصاية لفرد أو لقلة علي الشعب أو احتكار للسلطة أو الثروة العامة أو النفوذ. وجديرٌ بالتأكيد أن ممارسة السلطة مسألة عملية وهي إما أن يكون مصدرها فرد أو قلة أو يكون مصدرَهَا هو الشعب أو الكثرة منه علي الأقل.ثانيها: مبدأ المواطنة الكاملة المتساوية الفاعلة، واعتبار المواطنة ولا شيء غيرها مصدر الحقوق ومناط الواجبات دون تمييز. وأبرز مظاهر المواطنة الكاملة هي تساوي الفرص من حيث المنافسة علي تولي السلطة و تفويض من يتولاها. وكذلك الحق المتساوي في الثروة العامة التي لا يجوز لأيٍ كان أن يدعي فيها حقا خاصا. ثالثها: مبدأ التعاقد المجتمعي المتجدد الذي يتم تجسيده في دستور ديمقراطي ملزم لكل مواطن، حاكما كان أو محكوما. ويتجلي التعاقد المجتمعي المتجدد في المشاركة الفاعلة لأفراد المواطنين وجماعاتهم في وضع الدستور وتعديله عبر الأجيال. وفي العادة يوضع الدستور الديمقراطي من قبل جمعية تأسيسية منتخبة تملك إرادتها وتعبر عنها بحرية. رابعها : الاحتكام إلي شرعية دستور ديمقراطي، والدستور الديمقراطي يجب أن يؤسس علي ستة مبادئ عامة مشتركة لاكتساب أي دستور صفة الديمقراطي . وهذه المبادئ الستة الهامة المشتركة في كل دستور ديمقراطي هي:أولاً: أن لا سيادة لفرد أو لقلة علي الشعب. واعتبار الشعب مصدر السلطات، يفوضها دورياً عبرانتخابات دورية فاعلة وحرة ونزيهة3. ثانياً :إقرار مبدأ المواطنة باعتبارها مصدر الحقوق ومناط الواجبات. ثالثاً:سيطرة أحكام القانون والمساواة أمامه. وأن يسود حكم القانون وليس مجرد الحكم بالقانون4.رابعاً: عدم الجمع بين أي من السلطات التنفيذية أو التشريعية أو القضائية في يد شخص أو مؤسسة واحدة.خامساً: ضمان الحقوق والحريات العامة دستورياً و قانونياً وقضائياً، ومن خلال ضمان فاعلية الأحزاب ونمو المجتمع المدني المستقل عن السلطة ورفع يد السلطة وربما المال، عن وسائل الإعلام وكافة وسائل التعبير وتأكيد حق الدفاع عن الحريات العامة وعلي الأخص حرية التعبير وحرية التنظيم.سادساً: تداول السلطة التنفيذية و السلطة التشريعية سلمياً وفق آلية انتخابات حرة ونزيهة وفعالة تحت إشراف قضائي كامل ومستقل بوجود شفافية تحد من الفساد والإفساد والتضليل واستغلال النفوذ العام في العملية الانتخابية. والي جانب المقومات الأربعة السابق ذكرها هناك مقوم خامس يتمثل في: ممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب وفي منظمات المجتمع المدني وفيما بينها5. وهذه هي الديمقراطية في المجتمع وهي الأساس للديمقراطية في الدولة. وهي ضمان لممارسة الأحزاب المحتمل وصولها للسلطة، للديمقراطية عندما يؤول إليها الحكم، لأن فاقد الشيء لا يعطيه كما يقال. أهمية وإمكانية مقاربة إشكاليات الديمقراطيةيجب علي كل شعب يتوق للخروج من حكم الفرد أو القلة إلي نظام حكم ديمقراطي، أن يقوم بقراءة مدققة لكل من ثوابت المجتمع من ناحية ومقومات الحكم الديمقراطي من ناحية أخري، وذلك من أجل التمييز بين ثلاثة أنواع من العقبات والعمل علي تذليلها : أولها: المشكلات.وثانيها: التشوهات. وثالثها: الإشكاليات. والإشكاليات ليس لها حل واحد، وإنما تحتاج إلي مقاربة وجهات النظر وإزالة سوء الفهم من خلال قراءة مدققة هادئة للإشكالية وفرز ما علق بها من حمولة عاطفية وإسقاطات، بهدف إزالة اعتراضات وتحفظات الأطراف المختلفة حول مدلول المبادئ المتعارضة التي أدت إلي بروز الإشكاليات.ومن قراءة أدبيات الديمقراطية باللغة العربية، نجد أن هناك عدداً من الإشكاليات6 :ـ أول هذه الإشكاليات هي ما يسمي إشكالية الإسلام والديمقراطية. وتنبثق هذه الإشكالية من احتمالات تعارض مبدأ الشعب مصدر السلطات وما يتضمنه هذا المبدأ من حق الشعب في التشريع، مع الأحكام القطعية للشريعة الإسلامية.ويدور الجدل بين المتمسكين بمدلول مبدأ الشعب مصدر السلطات والذين يُصرون علي إطلاق صلاحية التشريع دون قيود، باعتبار أن إيمان المسلمين بعقيدتهم وحرصهم علي تجنب الحرام هو القيد الحقيقي علي المشرع حيث أن مضمون الديمقراطية في أي حضارة لا يخرج عن قيم تلك الحضارة فهو في المقام الأول نابع من خياراتها … هذه من ناحية.ومن ناحية أخري …. بين الذين يصرون علي أن تكون الشريعة الإسلامية قيداً علي المشرع، ويختلفون بين أن يكون النص الدستوري هو الشريعة الإسلامية مصدراً رئيسياً أو الرئيسي للتشريع. كما يختلفون في تعريفهم للشريعة الإسلامية هل هي المبادئ والمقاصد التي جاء بها الوحي أم انها الفقه والفكر الإسلامي أيضا7. وفي بعض الأحيان يبدو أن بعض المقيدين للمُشرع بالشريعة الإسلامية، يدعون إلي وضع هذا القيد في يد رجال الدين . الأمر الذي سيجعل القول الفصل في التشريع في يد قلة، كما هو الحال في إيران مما يثير شبهة الدعوة إلي حكومة دينية8.وحسب اعتقادي فإن الإسلام لا يفرض حكومة دينية، وانما الحكومة مدنية مرجعها الأحكام القطعية المنزلة. كما أن جوهر الديمقراطية يرفض حكم القلة ووضع سلطانها فوق سلطة الشعب.ويبدو من متابعتي للمقاربات التي قدمت في العقود الأخيرة أن هناك توافقاً بين طيف ديمقراطي في كل من التيارات الإسلامية والتيارات الوطنية، علي مقاربة هذه الإشكالية المركزية9. فقد تزايد القبول لنظام الحكم الديمقراطي داخل التيارات الإسلامية. كما تزايد اعتراف التيارات الوطنية بمكانة مبادئ ومقاصد الشريعة الإسلامية ووجوب مراعاتها في التشريع.هذه الإشكالية لا يمكن مقاربتها في جو المواجهة والسجال .وإنما يجب الخروج من الجدل إلي قراءة متأنية لما لا يقوم نظام الحكم الديمقراطي بدونه من مقومات. وهذه المقومات تم تحديدها في القسم السابق من الورقة تحت عنوان مقومات الديمقراطية. وكذلك قراءة سمحة للشريعة الإسلامية. وحسب وجهة نظري فان الديمقراطية تقبل القيود الدستورية علي التشريع، والحد دستورياً من سلطة المشرع. وهذه القيود طالما انها لا تخل بالمقومات الجوهرية لنظام الحكم الديمقراطي ـ السابق ذكرها ـ يمكن النص عليها في الدساتير، كما يمكن للقضاء الدستوري الحكم بها دون نص باعتبار أن نظام الحكم الديمقراطي لا يعمل في فراغ وإنما تضبطه إلي جانب مبادئ وأحكام الدستور، مرجعيات وقيم ومنها مواثيق حقوق الإنسان بالنسبة للدول الليبرالية علي سبيل المثال.ولعل تعديلات المحكمة الدستورية في الولايات المتحدة ومنها إلغاء الرق لتعارضه مع القانون الطبيعي، تشير إلي وجود قيود علي حرية المشرع في الديمقراطية الليبرالية أيضاً. كما أن حكم المحكمة الاوروبية لحقوق الإنسان بمنع الضرب في المدارس البريطانية قد قيد برلمان وستمنستر وهو أكثر البرلمانات حرية في التشريع، بضرورة مراعاة حقوق الطفل. لذلك فإن مراعاة التشريع في الدول التي يكون معظم سكانها من المسلمين، للشريعة الإسلامية لا يتعارض في حد ذاته من حيث المبدأ مع الديمقراطية، طالما كان ذلك لا يقيم حكومة ثيوقراطية ولا يعطي لعلماء الدين سلطة معطلة لمبدأ الشعب مصدر السلطات ولا يقيم سيادة أو وصاية لفرد أو لقلة مهما كانت صفتها الدينية علي الشعب.وإذا كان لي أن أحدد أهم بعدين يتطلب مقاربتهما حتي تكون الشريعة الإسلامية قيداً ديمقراطياً علي الممارسة الديمقراطية دون أن تمس مبدأ الشعب مصدر السلطات، فإنني أذكر التالي: أولاً: لا بد من تحديد ما هو المقصود بالشريعة المقيدة للمُشرّع. هل هي ما جاء به الوحي ومقاصده والاحكام القطعية العامة في القرآن والسنة؟ أم انها الفقه والفكر الإسلامي؟ وفي تقديري أن قبول مقاصد الوحي قيداً دستورياً علي المُشرّع لا يخل بمبدأ الشعب مصدر السلطات فهو إحالة إلي مرجعية تُؤمِن بها الأغلبية العظمي من الشعب ولا تقبل الخروج عليها. ثانياً: لا بد من تحديد الجهة التي تفصل في أمر مدي مراعاة الشريعة الإسلامية من عدمه في التشريع. وفي تقديري أن هذه الجهة يجب أن تكون المحكمة الدستورية التي تنظر في دستورية القوانين وليس أية جهة أخري. وهذا التحديد جوهري لما يؤدي إليه من إبعاد الممارسة الديمقراطية عن وصاية بشر أو قلة من البشر. كما يؤكد علي مبدأ الشعب مصدر السلطات ولا سيادة لفرد أو قلة عليه، الذي لا تقوم للديمقراطية قائمة إذا تم تعطيلهما. وفي ندوة حوار عقدت في الإسماعيلة عام 2006 أكد الدكتور عصام العريان أن الإخوان المسلمين يقبلون ان تكون المحكمة الدستورية هي الجهة المناط بها الحكم بمراعاة مبادئ الشريعة الاسلامية في التشريع، كما أتفق أيضاً مع المستشارة تهاني الجبالي علي ان ما جاء في الدستور المصري حول كون مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع أمر كاف ولا حاجة لتغييره. وقد كان مبدأ المواطنة الكاملة المتساوية أيضاً، يثير إشكالية لدي التيارات الإسلامية لما يفرضه من المساواة السياسية بين المواطنين دون تمييز ديني، ولما يتيحه من حق تولي المناصب العامة في نظام الحكم الديمقراطي دون اعتبار للجنس أو الدين أو المذهب. ولحسن الحظ فقد برز عدد من المقاربات المسؤولة أزالت اللبس عن هذه الإشكالية وتوصلت إلي أن مبدأ المواطنة الكاملة المتساوية من حيث المبدأ لا يتعارض مع جوهر العقيدة الإسلامية. وأن الولاية جائزة لكل مواطن في نظام الحكم الديمقراطي حيث يكون كل مسؤول هو منفذ للدستور والقانون. ولعل ما يحضرني من مقاربات أحمد كمال أبوالمجد و طارق البشري 10 وفهمي هويدي وغيرهم كثيرون، لإشكاليات مبدأ المواطنة مع الإسلام، تضع أساساً صلباً لاستكمال هذه المقاربات بما لا يتعارض مع جوهر نظام الحكم الديمقراطي الذي أصبحت التيارات الإسلامية والوطنية تجتمع علي ضرورة قيامه من أجل تفكيك الاستبداد.ثاني الإشكاليات تتمثل في احتمال تعارض نظام الحكم الديمقراطي مع قيم العدل و الإنصاف والوظيفة الاجتماعية للملكية الخاصة والثروة العامة، و كذلك إخضاع الحريات الفردية المتطرفة لمتطلبات الحريات الجماعية11. وهذه إشكالية ثقافية حيث أن هذه القيم تتعلق بالوجدان الجمعي و النظرة المجتمعية لوظيفة الحكم.ومن هنا نجد أن الاستبداد في الحياة السياسية العربية، يتم تحسينه و تجميله بالعدل ـ لما للعدل من مكانة ـ في مقولة العادل المستبد حتي يتم تسويقه علي الجماهير، بل إن الجماهير في كثير من الأحيان قد تقبل الاستبداد و تتنازل عن حق تحديد الخيارات واتخاذ القرارات العامة مقابل حصولها علي العدل الذي هو أساس لكل حكم مرغوب في البلاد العربية والإسلامية 12. من هنا فإن تأسيس نظم الحكم المنشودة في الدول العربية وتضمين دساتيرها مبادئ العدل والإنصاف والوظيفة الاجتماعية، أمر لا يتعارض مع مقومات الديمقراطية من ناحية. كما أنه مطلوب حتي يتم ربط الديمقراطية بالأهداف والتفضيلات المجتمعية، ويحمي نظام الحكم الديمقراطي من الانحراف ـ خاصة في المراحل الأولي للممارسة الديمقرطية ـ عن قيمة العدل و الإنصاف ومبدأ الوظيفة الاجتماعية للملكية، التي يجلها الوجدان العربي والإسلامي وتعتبرها الجماهير مصدراً من مصادر الشرعية الحقيقية لنظام الحكم.ثالث الإشكاليات تتمثل في الفصل المصطنع بين الديمقراطية والوطنية واتخاذ الديمقراطية سبيلاً لتفكيك الهويات الجامعة واختراق الأمن القومي للدول العربية. وهذه ليست إشكالية حقيقية وإنما برزت نتيجة التشويه الذي تتعرض له الديمقراطية في الدول العربية عندما يتم تصديرها واستيرادها ضمن مفاهيم الهيمنة الخارجية ومشاريع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد. من هنا فإن علي القوي التي تنشد التغيير أن تميز نفسها وأن تطرح نظام الحكم الديمقراطي باعتباره نظام حكم وطني يسد ثغرات الاختراق الخارجي ويفوّت الفرص علي الراغبين في تفكيك الدول العربية وإضعاف مجتمعاتها من خلال الديمقراطية.حق مشاركة الاقلياتورابع الإشكاليات هو ضمان حق مشاركة الأقليات العرقية والاعتراف بثقافتها دون أن يؤدي ذلك إلي تفكيك الدولة الوطنية الديمقراطية أو فتح المجال للتدخل الخارجي. ومقاربة هذه الإشكالية تكتسب أهميتها من الظلم الذي وقع علي الأقليات العرقية والدينية و المذهبية أحياناً. كما تستمد أهميتها من ضرورة توفير مكانة لائقة للأقليات في أنظمة الحكم الديمقراطية، تحقق من خلالها ذاتها وتمارس ثقافتها في إطار اندماج وطني حقيقي ينطلق من التأكيد علي القواسم المشتركة للعيش المشترك ويجنب الأقلية استبداد الأغلبية. من هنا فإن الديمقراطية الوفاقية غير الجامدة وغير الطائفية، في المرحلة الأولي للتحول الديمقراطي مهمة، حتي تطمئن الأقليات وتأمن استبداد الأغلبية. وفي ذلك أيضاً سد لثغرة التدخل الخارجي واللعب بالنسيج الوطني لكل دولة عربية. المهم أن تؤسس الديمقراطية الوفاقية علي مبادئ دستور ديمقراطي ـ فالديمقراطية الوفاقية هي ديمقراطية في المقام الأول قبل أن تكون وفاقية ـ وأن يؤسس للعودة إلي الديمقراطية التنافسية تدريجياً من خلال تحقيق الاندماج الوطني، باعتبار الديمقراطية الحقة هي تعاقد مجتمعي متجدد لا يجمُد عند ضرورات مرحلة من مراحل التعاقد. وإلي جانب الدور الذي يمكن أن تقوم به الديمقراطية الوفاقية من حيث إدماج الأقليات وحمايتهم من احتمالات استبداد القانون الذي تتحكم في اصداره الأغلبية، فإن الديمقراطية الوفاقية غير المؤسسة علي المحاصصة الطائفية وغير الجامدة يمكن أيضاً أن تُقدم مدخلاً مناسباً للانتقال إلي نظم حكم ديمقراطية في حالتين: أولهما: حالة وجود حاكم مستنير يرغب في الانتقال إلي الديمقراطية تدريجياً ومثال ذلك الحاكم هو عبدالله السالم في الكويت الذي توافق علي دستور الكويت لعام 1963 مع جمعية تأسيسية منتخبة، حيث كان التعاقد بين الأسرة الحاكمة ممثلة في الحاكم وشعب الكويت ممثلاً في الجمعية التأسيسية المنتخبة. ثانيهما: حالة ضعف ثقة كل من القوي الفاعلة في الأخري وشعور كل منها بتربص القوة الأخري ضدها حال استلامها للسلطة. وفي هذه ربما تكون الديمقراطية الوفاقية المرحلية غير المؤسسة علي المحاصصة الطائفية أو العرقية، هي المدخل المناسب للانتقال إلي نظام حكم ديمقراطي.وجديرٌ بالتأكيد في الختام هنا أن الديمقراطية الوفاقية هي ديمقراطية كاملة تتوفر فيها كافة مقومات نظام الحكم والدستور الديمقراطي التي سبقت الإشارة إليها. وأي توافق لا يخل بتلك المقومات والمبادئ يجب أن يكون قيداً دستوريا تنظر فيه محكمة دستورية، ولا يكون أمر الحكم به عائداً لفرد أو قلة مهما كانت صفتها أو مكانتها. ہ منسق مشارك ، مشروعدراسات الديمقراطية في البلدان العربي1 انظر: مناقشات اللقاء الثالث عشر لمشروع دراسات الديمقراطية:علي خليفة الكواري (محرر) ، الممارسة الديمقراطية داخل الاحزاب العربية ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2004م ( مداخلة عبدالملك المخلافي، ص 280).2 أنظر: علي خليفة الكواري وآخرون: الخليج العربي والديمقراطية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2002. الصفحات 15ـ423 عبدالفتاح ماضي، مفهوم الانتخابات الديمقراطية ، ورقه معدة للقاء السابع عشر لمشروع دراسات الديمقراطية .4 محمد مالكي، حول الدستور الديمقراطي، ورقة قدمت الي اللقاء الخامس عشر لمشروع دراسات الديمقراطية، اكسفورد 2005.5 أنظر: اسماعيل صبري عبدالله في: ندوة ازمة الديمقراطية في الوطن العربي،مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1984م .465ـ 518.6 احمد صدقي الدجاني وآخرون، تجديد الفكر السياسي، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، القاهرة، 1997م7 انظر: عبدالحميد متولي ، الشريعة الاسلامية كمصدر اساسي للتشريع، منشأة المعارف ، الاسكندرية، الطبعة الثالثة ، 1990.8 انظر: دستور الجمهورية الاسلامية .9 انظر الحوارات التي عقدها مركز دراسات الوحدة العربية حول هذا الشأن: ندوة العروبة والاسلام (1989)، وندوة الحوار القومي الديني (1988) وكذلك اللقاءالسادس (1996)، لمشروع دراسات الديمقراطية، الحركات الاسلامية والديقراطية:المواقف والمخاوف المتبادلة، دار قرطاس الكويت 2000.10 طارق البشري، المسلمون والاقباط في اطار الجماعة الوطنية ، دار الشروق ، القاهرة ، الطبعة الثانية 1988، ص 682 ـ 685.11 محمد عبدالملك المتوكل ، الإسلام والإعلانات الدولية لحقوق الإنسان، مطابع صنعاء الحديثة ، (د . ت).12 انظر: فريد عبدالخالق ، الفقه السياسي الاسلامي ، دار الشروق القاهرة 1998. ص 195ـ212 7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية