نداء مواطن.. الى ضمير.. في مناسبة

حجم الخط
0

د. وليد الأيوبيإننا ندرك إدراكا تاما حجم الأخطار المحدقة بأوطاننا وهي ليست أخطارا جديدة أو مستجدة. ولذلك نقول: إنه كان ينبغي العمل، منذ أن تحررت أوطاننا من نير الاستعمار، على بناء الدولة والإنسان. وهذا لم يحصل لقد اعتقد ‘حكماؤنا’ أنه من الأفضل قيادة المجتمع بناء لنظرة مركزية، شمولية،. وهذا كان عين الخطأ. لقد التهى هؤلاء وألهوا شعوبهم بالاستراتيجي على حساب المحلي، وما يزالون يمعنون توغلا في هذه المقاربة العبثية التي لن تجدي نفعا… إنهم يدركون أو لا يدركون، لست أدري، بأن كل مقاربة استراتيجية هي مقاربة من فوق، ولأنها كذلك، فهي لا تكترث الى آهات الناس ودموعهم ودمائهم وعذاباتهم… لتسحقهم في طريقها شر انسحاق، عن قصد أو عن غير قصد،… لتحقيق أهدافها، هذا إن تحققت. فلماذا إذن تستمرون في غيكم؟ إن المواطن العربي لايريد بعد الآن كلاما في الاستراتيجيا ولعبة الدومينو والشطرنج، ولا يريد كلاما في لعبة الأمم والمؤامرات الدولية، ولا يريد الحديث بعد الآن عن عصابات إرهابية من هنا أو من هناك- حتى لو كان كل ذلك صحيحا- كما إنه لم يعد يطيق سماع الشعارات الطنّانة الرنّانة من كل الصنوف… التي شبع منها وتخم. إنه يريد فعلا حقيقيا صادقا ينطلق من صميم المعاناة… إن موسكو ليست أكثر أو أقل حرصا على الشعب العربي من واشنطن… إننا مدركون لذلك تمام الإدراك كي لا نراهن على أوهام. أما من يريد الاستمرار بالرهان على هذه أو تلك من الدول، فإنما يستمر بالمقامرة والمغامرة بشعبه ولن يرحمه لا التاريخ ولا الشعب… فليست واشنطن وليست موسكو من سيحقق للشعب العربي مصالحه في تحرير فلسطين وغير فلسطين… وفي الحرية والديموقراطية… إن تضارب مصالح الدولتين، على الأقل في الحالة السورية، سيقضي هناك على الدولة والشعب والنظام معا. أفلا تعقلون؟

إن المواطن العربي لم يعد يهمه ما إذا كان سبب تعاسته يعود الى واشنطن أو موسكو أو بكين أو انقره أو طهران أو باريس أو لندن أو تل أبيب… لذلك، فإنه يحمّل مسؤولية تعاسته أولئك الذين وضع ثقته بهم ولم يحققوا له طموحاته في شيء سوى في مزيد من التعاسة والتبعية والتخلف والفساد والقهر والظلم. وفوق كل هذا الصبر ما يزال المواطن العربي يعاني ما لم يعانيه ‘أيوب’ من سموم السجون والنفي والقمع ومن كل صنوف التعذيب والمهانات والإهانات… إنه يريد أن يسمع وأن يرى من يحاكي ويواكب تطلعاته في الحرية والكرامة والسيادة الحقيقية، سيادة القانون وليس سيادة الأفراد والعائلات والطوائف… نعم ‘ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان’ إن المواطن العربي لن يرضى بعد الآن باستمرار هذه التراجيديا. إن لا خلاصا للعالم، وليس للعرب وحدهم، سوى بالديموقراطية وبالحرية والعدالة، وبأن يستوي الجميع سواسية أمام القانون… إن الحكم في المعاملات بين الناس هو للعدالة الزمنية. أما في العبادات، فإن الحكم هو لله جل جلاله… إنه ليس لحاكم، كائن كان، وليس لأية جماعة كائن كانت، بأن يتمتعوا بأية امتيازات حصرية على حساب سائر المواطنين. وليس لأية جهة، مهما علا شأنها أو كانت تبريراتها، أن تمارس العسف والظلم والاستبداد على ما سواها من المواطنين… إن ممارسة السلطة لا تكون بالخطف والقنص والحبس والبلص والرفس، وليس بالتوارث بالتأكيد، إنما بالاختيار الشعبي الحر. إن السلطة هي ملك الشعب، وللشعب وحده أن يختار حكامه بحرية بمعزل عن أية عوامل أخرى. وإذا سلمنا جدلا بأنكم أيها ‘الحكماء’ أكثر حكمة واستشرافا للمستقبل من المواطن، فأرونا ما الذي حققتموه لهذا المواطن كي يسلّم لكم هذا المواطن بالتفكير والتحليل والتخطيط بدلا منه؟ فما الذي حصدتموه وحققتموه من إنجازات لهذا المواطن أمام الأكلاف الباهظة من كل الصنوف التي يتكبدها… دعونا نرى… لقد استجهلتم شعوبكم أيها ‘الحكماء’. وما هو المعيار الذي اعتمدتموه للحكم على الآخر بأنه جاهل؟ لقد تغافلتم بأنكم أنتم من أمعن في هذا الشعب تخلفا وتجهيلا وأمية، لكنكم، لم ولن تستطيعوا قتل روح التمرد التي لديه. إن الثقافة الحقيقية أيها ‘الحكماء’ هي ذلك الوعي الحقيقي الذي لا يكمن في كمية الكتب التي تقرؤون، هذا إن كنتم تجيدون القراءة، إنما تكمن في ذلك الإحساس العميق العميق جدا بالعدالة وبالحرية والكرامة. إن مؤشر الوعي لا يكمن في تنظيرات يتم التعبير عنها في الصالونات الأدبية… إن شعوبنا كلها مثقفة لأنها واعية أكثر منكم بكثير ولأنها تمتلك هذا الإحساس العميق بالحرية… منذ فجر التاريخ… هذا الإحساس الذي لا تمتلكون… إن الثروة، أقصد الثروة الوطنية أيها ‘الحكماء’، ليست ملكا لعائلة أو لطائفة أو لأوليغارشية نصبت نفسها باسم من، أنا لا ادري، وليّة على رقاب العباد وعلى أرزاقهم والبلاد، تأخذ ممن تشاء وتهب من تشاء من غير حساب. كفاكم جشعا وطمعا وأنانية واحتيالا وتزويرا واختلاسا وكذبا وبهتانا… وسرقة للشعب ولأحلامه وحقوقه… كفى أيها ‘الحكماء’ لم نعد نحتمل رؤية هذا المشهد الذي يقتل فيه الأطفال والنساء والشيوخ والشباب… لم نعد نحتمل رؤية مشهد الأطفال الذين يتم قنصهم ظهرا وعشية في الليل وفي النهار… لا نريد أن نسمع في ذلك لا فتاوى ولا تبريرات ولا مساجلات… كفى.

أوقفوا سفك الدماءافعلوا أيها ‘الحكماء’ أي شيء. إنما، أية مقاربة غير تلك التي اتكلم عنها في هذه السطور هنا لن تجدي نفعا. لن تنالوا من إرادة الشعب سوى المزيد من السخط. إنكم لن تنالوا ثقته بعد الآن. ولن ينتظر الشعب العربي خمسين أو ستين أو سبعين سنة أخرى حتى يكون شاهدا على نفس الإخفاقات التي سبق له أن كان شاهدا عليها. إنه ليس مستعدا لتحمل نفس المآسي التي ما تزال تجثم على صدره… خمسون سنة إضافية… إن الذي يحصن الحكم والحاكم والدولة والمجتمع ليس تحالفا خارجيا من هنا أو من هناك، إنما هو الشعب. إن الشعب هو الحصن الحصين والدرع المنيعة والصخرة التي تتكسر عليها كل المؤامرات مهما عظمت… أنا لا احب الاستراتيجيا.

لا تبكوا كالنّساء ملكا لم تحافظوا عليه كالرجال.

شكر الله سعيكم… لقد هرمنا…’ أستاذ العلم السياسي في الجامعة اللبنانية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية