معاذ ناجي المقطري لم يكترث العالم بندوب الرئيس علي عبدالله صالح المعنوية، بقدر اهتمامه بشظايا القصف الصاروخي التي سكنت أجزاء متفرقة من جسده، وأخضعته للعلاج في المشفى العسكري السعودي في الرياض. فالقذيفة الصاروخية التي حلت بقصر صالح، جنوب صنعاء، الجمعة الماضية، على نحو طاله وخمسة من رجاله الأقوياء بجروح بعضها بالغة، كان قد سبقها إهدار قبيلته حاشد لدمه، جراء قصفه لمنزل شيخ شيوخ القبيلة، صادق الأحمر، في عملية جرى معها قتل عدد من السفراء الشعبيين، الذين أوفدهم صالح ذاته، بغية وقف الاحتراب بينه وآل الأحمر.
قذيفة ‘العيب الأسود’ التي صوبتها القبائل باتجاه صالح، جاءت عبر مرسوم قبلي، صادر عن قبائل بكيل وحاشد ومذحج، جرى إهدار دمه وفقا لتقاليده التي تجرم سفك دم الوسطاء، شأن القيم الداعمة لمسيرة التقدم الإنساني. هذه القذيفة المعنوية كانت هي التي حشرته في سرايا قصره جنوب صنعاء، وحالت دون خروجه للصلاة مع مؤيديه في ميدان السبعين القريب من القصر، للجمعة الثانية على التوالي. لقد جاءت ردا على قصف صالح لمنزل شيخ مشايخ قبائل حاشد، صادق عبد الله الأحمر، الكائن في حي الحصبة شمال صنعاء، وفي داخله لجنة الوساطة التي أوفدها صالح ذاته.
وفيما كان اللواء غالب القمش رئيس جهاز الأمن السياسي، ورئيس لجنة الوساطة قد أصيب جراء القصف الصاروخي الذي استهدف منزل الأحمر، ذكرت مصادر طبية ان كلا من الشيخ ناجي أحمد الطهيفي، أحد مشائخ مأرب توفي متأثراً بإصابته، كما توفي في وقت لاحق الشيخ محمد محمد أبو لحوم، وشخص آخر، وجميعهم كانوا في منزل الأحمر ضمن لجنة الوسطاء التي يقودها القمش. مشهد الحدث لم يبد ملتبسا أمام لجنة الوساطة التي سارعت بإصدار بيان يكشف تفاصيل ما جرى. فالبيان الذي وقع عليه فريق لجنة الوساطة المكون من 7 أشخاص، حمل صالح مسؤولية الحادث، وأكد تأييد الوسطاء لصادق الأحمر. وقال البيان ‘ذهب جميع الوسطاء إلى منزل الشيخ صادق بن عبد الله الأحمر وقد استجاب لوساطتنا وفعلا تم وقف إطلاق النار’. واضاف ‘اتضح لنا أن الرئيس لم يكن جادا في وقف إطلاق النار وإننا نعلن موقفنا ووقوفنا إلى جانب الشيخ صادق الأحمر’. طبقا لمكتب صادق الأحمر، فان 15 شخصا بينهم شيوخ قبائل لاقوا حتفهم جراء القصف، وفي اليوم الثاني كانت قبائل الضحايا، الموزعة على قبائل بكيل وحاشد ومذحج قد أهدرت دم صالح، جراء ارتكابه العيب الأسود بقتل الوسطاء.
إيفاد الوسطاء الشعبيين إلى ملاعب الموت، كانت الطريقة التي اعتمدها علي عبدالله صالح في العام 78، لتعبيد طريقه إلى سدة الحكم، لكن تكرارها بعد 33 عاما لن يبقيه حاكما. 50 يوما، هي المسافة الزمنية التي استغرقها صالح لرسم المشهد التراجيدي الذي انتهى بهدر قبيلته ‘حاشد’ لدمه. العيب الأسود، الذي تمثل بقصفه لمنزل الشيخ صادق الأحمر وفي داخله لجنة الوساطة، جرى بذات الطريقة التي فشلت في اغتيال قائد الفرقة الأولى مدرع اللواء علي محسن الأحمر في 5 نيسان/إبريل الماضي، وهو سلوك أحيا فيه صالح، ذات المشهد الذي أعده في إبريل 78 لتصفية قوات الرائد عبد الله عبد العالم، والكبار من مشايخ تعز، ثم قفز إلى سدة الحكم.
في 22 ايار/ مايو من هذا العام كان الرجل الذي قدم نفسه صانعا للوحدة، وجد نفسه عاقلا لحارة السبعين، وهناك في رقعته الصغيرة المشحونة بالسلاح، كان عليه أن يطلق فلول جنده لمحاصرة السفارة الإماراتية، حيث كان أمين عام مجلس التعاون الخليجي، عبداللطيف الزياني، والسفير الأمريكي، فضلا عن سفراء أوروبيين وعرب يبحثون له عن مخرج آمن. وفي 5 ابريل الماضي كانت طائرتا ‘ميج 29’ تحلقان في سماء الفرقة الأولى مدرع، وسط صنعاء وتتخذان وضعية قتالية، فما الذي كان يجري على الأرض؟
تتطابق الروايات بما فيها الرسمية، حول مجيء قافلة للسلام انطلقت من قصر الرئاسة، كيما تبذل جهود وساطة لدى علي محسن الأحمر، في مقر إقامة هذا الاخير بموقع ‘الفرقة’، فيما تختلف الروايات في تفاصيل ما جرى هناك.
شهود عيان قالوا ان مقاتلتين حربيتين حلقتا في سماء المكان، وتماشى معها لعلعة الرصاص على الأرض، حيث يقول علي محسن انه احتمى بأكوام ترابية من طلقات نارية جرى تصويبها نحوه، لحظة تقدمه نحو الوفود التي أصرت على خروجه اليها.
حسب البيان الصادر عن قواته قال محسن انه خرج لملاقاة جموع الوساطة ومعه الوسيط الأساسي بينه وبين النظام اللواء احمد إسماعيل أبو حورية، فيما كانت طائرتا ميج 29، قد أرسلتا إشارات إلى أشخاص دسهم النظام في الوساطة كان عليهم تصويب نيران قناصاتهم نحوه وشيوخ القبائل فضلا عن معتصمين وجنود تابعين له. حيال ذلك اعتذر صالح في رسالة رسمية بعثها إلى عدد من أفراد لجنة الوساطة، مشيرا إلى وجود طرف ثالث اندست عناصره في الوساطة بغية إفشالها.
تداعيات الحدث رسمت مشهدا واضحا للسيناريو الذي ابتغاه صالح قبيل مغادرته كرسي الحكم، فشأن شيوخ القبائل الذين دفع بهم النظام إلى ساحة أرادها مسرحا لاغتيالات لحظة سقوطه دفع مشايخ تعز إلى الساحة التي أرادها مسرحا لصعوده إلى سدة الحكم. في ابريل 78، كان الرائد علي عبدالله صالح القادم من منافذ التهريب في المخا، قد أصبح قائدا للواء تعز. يوم ذاك كان عضو مجلس قيادة الثورة الأسبق وقائد قوات المظلات والصاعقة الرائد عبد الله عبد العالم قد تدحرج بمعظم قواته من صنعاء إلى مسقط رأسه في منطقة الحجرية (500 كم جنوب صنعاء) إثر تصدع نظام صنعاء السياسي، جراء اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي وشقيقه عبد الله، الرجل القوي في الجيش. من قصر النهدين في صنعاء، أوفد صالح قوافل وسطائه التي قصفها في منزل الشيخ صادق الأحمر وقبلها في بوابة الفرقة الأولى مدرع، وفي إبريل78 اجتمع صالح بعدد من كبار مشايخ تعز في قيادة المحافظة، وقال فيهم ما قال.
وحسب العقيد ياسين طه المقطري، الذي كان حاضرا في الاجتماع بصحبة الشيخ احمد سيف الشرجبي (شيخ مشايخ الحجرية) فان صالح نعت مشايخ تعز بالجبن إذا لم يتوجهوا إلى عبدالله عبدالعالم للتوسط بينه وبين الرئيس الغشمي. حين وافق المشايخ على الذهاب إلى الحجرية دوت تحذيرات الشيخ الشرجبي القادم لتوه من هذه الأخيرة، كان الشرجبي الذي يرأس قوات حرس الحدود في الحجرية وباب المندب، يحذر مشايخ تعز من الذهاب إلى منطقته المنفلتة امنيا. وحسب المصدر حذر الشرجبي صالح بالقول: ‘لا تبعث إخواني إلى المنطقة التي تستعد لاجتياحها بقواتك’. وسط تحضيرات عسكرية واسعة لحسم الصراع عسكريا، جرى إرسال مشايخ تعز كقوافل سلام إلى الساحة التي سيجتاحها صالح بجيش قوامه عشرة آلاف جندي وسلاح الدبابات والصواريخ والمدفعية.
مقاتلتان آليتان حلقتا في سماء الحجرية قذفتا بكميات هائلة من اللهب على جبل منيف وضواحي مدينة التربة، وطبقا للرواية الشائعة فان عددا من وسطاء السلام تطايروا أشلاء على ارض محروقة اختلط فيها الحق بالباطل.
دوافع الحرص على استقرار البلد التي حركت مشايخ حاشد وبكيل ومذحج لينطلقوا قوافل للسلام إلى منزل الشيخ صادق الأحمر ثم قصفهم صالح، هي ذاتها الدوافع التي حركت مشايخ تعز لاحتواء الأزمة في الحجرية، لكن عشرات المشايخ الذين انطلقوا من مبنى قيادة لواء تعز في إبريل 78، استشهدوا عن آخرهم، وبنيران صالح ذاته.
وطبقا لرواية قاضي ‘الحجرية’ الأسبق، أحمد الوزير، فقد عثر يومذاك على جثة كل من الشيخ سعيد على الاصبحي، رئيس الجالية اليمنية في السعودية، والشيخ منصور العريقي وآخرين من مشايخ تعز، فيما كانت الجثث قد مزقتها نيران القصف.
ولئن كان الشيخ أحمد سيف الشرجبي، قد رفض الذهاب إلى منطقة الموت التي حذر منها رفاقه، قد نجى في تلك الأحداث، كان عليه أن يلقى حتفه في العام 81، وفي صدره أسرار الحدث الذي عصف بقومه.
بين مشايخ تعز لحظة صعود هذا النظام ومشايخ حاشد وبكيل لحظة سقوطه، ثمة شيوخ لقوا حتفهم اثناء بذلهم لمساع قبلية وأمنية، وما الشيخ جابر الشبواني الذي أوفده النظام للتوسط ثم قصفه الطيران في مأرب، شرق صنعاء، العام الماضي، أثناء تأديته للوساطة إلا نموذج لعشرات الضحايا الذين قتلوا في وضع مماثل.
وفي 16 تموز/يوليو 2007، كانت اللجنة المشرفة على تطبيق بنود الوساطة القطرية بين الحوثيين والحكومة اليمنية، قد نجت من موت محقق في صعده شمال صنعاء، جراء إطلاق النار عليها من قبل مسلحين تابعين للنظام. يوم ذاك كانت اللجنة التي تضم النائبين ياسر العواضي، وسلطان العتواني، فضلا عن المقدم ناصر العطية مدير مكتب أمير دولة قطر في طريقها إلى منطقة آل الصيفي وعزان وآل غبير وجبل غرابة في صعدة، حين باشرها المسلحون باطلاق النار. وفيما نفى الحوثيون تورط مسلحيهم باطلاق النار على الوسطاء، استبعد عضو الوساطة سلطان العتواني، أن يكون مسلحون حوثيون قد أطلقوا النار عليهم، مرجحا تورط الحكومة تبعا لمحاولاتها في إفشال الوساطة القطرية. الحرب الأهلية بما هي هوس يهيمن على نظام زلزلته الثورة السلمية، لا يمكن صناعتها بقتل وسطاء قبليين حملوا أغصان الزيتون وسعوا من أجل السلام. أمين عام مجلس التعاون الخليجي عبد اللطيف الزياني، سوف لن يعود مرة أخرى لإقناع صالح بالتنحي، لكنه سيعود لإقناع اليمن في الانضمام إلى مجلس التعاون، ولليمن شروط تليق بثورته التي لا تروق للخليج المفتوح على الثورات. حاليا يتطلع صالح إلى تصفية مشايخ اليمن وضرب بعضهم ببعض، لقاء أيام معدودة على الكرسي الذي تئن مفاصله كل لحظة.
على أن ندوب صالح الملتهبة في أجزاء من جسده، لم تكن هي وحدها النهاية اللائقة لمسيرة حياته المليئة بالعيوب السوداء، فمن بين كل حكام اليمن، يخرج صالح من بوابة الألفية الثالثة وقد وصمته قبيلته وشعبه بعيب وعار أسودين. ولئن لعن التاريخ حكاما، سفكوا دماء المبعوثين والرسل في سرايا قصورهم، فصالح هو وحده الطاغية الذي سفك دم مبعوثين أوفدهم إلى ديار عشيرته الأقربين.’ صحافي من اليمن