إن الكتابة الاستباقية لأي مناسبة، أو فعالية، تُعد نوعا من الحرص على إنجاحها، حتى يتسنى للمعنيين معالجتها بدلا من الجري في الحلقة المفرغة. فالهدف من وراء ذلك ممارسة عملية للنقد، تتجاوز الذاتية إلى الموضوعية، فهي محاولة تدارك بعض القصور في التحضير، وإقامة الفعاليات العلمية المرتجى منها التجديد، والإضافة إلى الأهداف التي وضعت من أجلها.
في هذا الإطار نكتب عن ندوة ظفار المرتقبة في شهر سبتمبر/أيلول المقبل في مدينة صلالة، التي تحمل عنوان «محافظة ظفار في ذاكرة التاريخ العُماني»، التي تنظمها هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية. تهدف الندوة كما أُعلِن عنها في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي إلى تحقيق عدد من الأهداف منها «تتبع التاريخ العُماني والحضارة العُمانية عبر مختلف العصور، وإلقاء الضوء على تاريخ وحضارة محافظة ظفار، وإبراز دور أبناء وأهالي محافظة ظفار في مسيرة الحضارة العُمانية والإنسانية، ودراسة الأبعاد الاقتصادية والسياسية والسياحية للموقع الجغرافي والاستراتيجي لمحافظة ظفار، والكشف عن الآثار والشواهد التاريخية في محافظة ظفار، في مختلف الحقب التاريخية، واستعراض جوانب من الحياة العلمية والثقافية والأدبية في محافظة ظفار، وإبراز أهمية الوثائق والمخطوطات في الكشف عن الجوانب المختلفة لتاريخ محافظة ظفار، وإبراز أهمية الرواية الشفوية في حفظ الذاكرة الوطنية».
تكشف أهداف الندوة عن مهنية عالية تسعى الهيئة إلى تحقيقها، من خلال عدة محاور مهمة وشاملة للثقافة والتاريخ والاقتصاد، وغيرها من المحاور التي وضعتها الجهة المعنية للباحثين والدارسين لتقديم أوراق العمل، كل حسب تخصصه واهتمامه. ومن أبرز المحاور « المحور التاريخي ـ السياسي، والمحور الاقتصادي، والمحور الاجتماعي»، ولعل أهمها بالنسبة لنا المحور الثقافي والعلمي، الذي يضم، الآداب والفنون (اللغات واللهجات، الشعر، الفنون، الحكايات الشعبية)، والرواية الشفوية ودورها في الكتابة التاريخية العمانية المعاصرة، إضافة إلى عناوين ثقافية مهمة جدا، ولكن اخترنا المواضيع التي يهمنا مناقشتها في هذا العمود.
وُضِعت ضوابط شروط المشاركة حسب المتبع في فعالية كهذه ومنها «يحق للجنة العلمية الاعتذار عن عدم قبول أي ورقة بحثية في حالة عدم استيفائها للشروط العلمية». وقد تقدم الباحثون والأكاديميون من داخل السلطنة وخارجها بملخصات للمشاركة، وفي الوقت المحدد للرد بقبول الأبحاث أو رفضها فقد تم تمديد فترة القبول إلى شهر مايو/أيار بدلا من أبريل/نيسان، «إشارة إلى مشاركتكم في ندوة محافظة ظفار في ذاكرة التاريخ العُماني، والمزمع إقامتها في شهر سبتمبر 2025، عليه نود إفادتكم بأن اللجنة العلمية للندوة، قررت تمديد فترة إبلاغ الباحثين بقرار المشاركة إلى تاريخ 13 مايو 2025، مثمنين لكم حسن تفهمكم». هنا لا نناقش أسباب التأجيل، وهو أمر نادر في الندوات العلمية والمؤتمرات التي شاركنا فيها، وهذا من شأنه أن يفتتح مجالا للتأويل حول أسباب التأخر في الردود. انتظر المشاركون الرد الذي تأخر إلى ما بعد منتصف مايو، وقد صدمهم الرد الذي لم يبين أسباب الرفض، «نعتذر لكم عن عدم اختيار موضوع بحثكم للمشاركة في الندوة، ونتطلع لمشاركاتكم في الفعاليات العلمية المقبلة».
إن الموضوع الذي يهمنا هنا هو أحد أهداف الندوة، ليس المحور السياسي، لعلمنا المسبق بأن أهم حدث وقع في ظفار في التاريخ الحديث، لن تتجرأ أي مؤسسة على مناقشته، أو حتى الحديث عنه، وأقصد بالحدث ثورة ظفار، التي يمر عليها 60 عاما في التاسع من يونيو/حزيران، وامتدت لأكثر من عشر سنوات (1965-1975)، وأجهضت لأسباب عدة منها التدخل الإيراني في عُمان، كأول تدخل فارسي في المنطقة العربية في التاريخ الحديث. أما المحور الذي يعنينا فهو محور «إبراز أهمية الرواية الشفوية في حفظ الذاكرة الوطنية»، خاصة المحور المتعلق باللغات واللهجات ودور الذاكرة الشفوية لهذه اللغات واللهجات في تشكيل الوعي الثقافي للناطقين باللغات السامية العربية الجنوبية الحديثة، وإبراز أهمية الثقافة الشفوية في الحفاظ على البيئة ومكوناتها. وهنا أيضا لا نتوقع أن يتم طرح نقاش حول اللغات العُمانية وإدراجها ضمن القانون الأساسي العُماني كلغات وطنية معترف بها في القوانين والتشريعات، التي بدورها تحمي هذه اللغات من الانقراض، وتُدرج ضمن المساقات التعليمية في كليات العلوم الإنسانية، فأول خطوة للحفاظ على التاريخ الشفوي الإنساني من الاندثار والنسيان، هي الحماية القانونية، وطرح عدة برامج بإشراف من المنظمات الدولية الثقافية، كمنظمة اليونسكو لحماية تراث إنساني متجذر في عُمان بشكل عام وفي ظفار بشكل خاص.
المُحيّر في الأمر أن اللجنة العملية للندوة، اعتذرت إلى عدد من الأكاديميين والباحثين في الميثولوجيا الظفارية، دون إبداء أسباب الرفض، رغم تقديمهم لملخصات الأوراق العلمية والسير الذاتية للباحثين، وهذا ما يثير التساؤل فمن الذي يعرف ثقافة المحافظة أكثر من أبنائها الدارسين والمتعمقين في ثقافتهم الأم.
في الختام نتمنى أن تحقق الندوة أهدافها، وأن يستمتع الضيوف بأجواء الخريف وبدايات موسم الصرب في ظفار، وسننتظر الأوراق العلمية وما سيضيفه المشاركون من إنتاج معرفي يسهم في إثراء المكتبة الثقافية والمجال العلمي.
كاتب وروائي عُماني