ندوة في القاهرة عن ينزلون من الرحبة لحسين سليمان
ندوة في القاهرة عن ينزلون من الرحبة لحسين سليمانالقاهرة ـ القدس العربي : عقدت ورشة الزيتون الإبداعية مؤخرًا ندوة نقدية حول رواية ينزلون من الرحبة للروائي السوري المقيم في امريكا حسين سليمان، الصادرة في مصر مؤخرًا عن دار رامة . تحدث خلالها كل من الناقدين د. صلاح السروي، د. هيثم الحاج علي، والشاعرة فاطمة ناعوت، وأدارها الشاعر شعبان يوسف. الذي استهل الندوة بتعريف الكاتب قائلا إنه دخل عالم الكتابة في منتصف الثمانينيات بعدما خاض مجال الفلسفة والفيزياء والعلوم. وبدأ بكتابة روايته الأولي صدي الزور البعيد التي قدم النقاد آراء سلبية في مخطوطتها مما أحجم الكاتب عن طباعتها. ولم يقم بطباعتها إلا بعد تشجيع الراحل الكبير عبد الرحمن منيف الذي قرأ المخطوطة وأثني عليها ولم تظهر الرواية للنور إلا في أواخر التسعينيات. وبعد هجرته إلي الولايات المتحدة مع بداية التسعينيات توقف عن الكتابة والمتابعة الأدبية لسنوات طويلة كان خلالها يتأمل الوضع العربي والغربي والحواجز والجدر التي تكبّل أدباء العرب مقارنةً بالكتّاب الغربيين. ثم عاود نشاطه الأدبي بعد ذلك وشرع في كتابة رواية غابة ظليلة لحصان أبيض التي ترصد واقع هجرة الأوربيين إلي أمريكا من خلال عائلة ألمانية هاجرت إلي أمريكا عام 1875 تناول خلالها مسألة الدين والأشباح وسفاح المحرمات الخ. بعد ذلك بدأ في كتابة ينزلون من الرحبة موضوع الندوة.في مداخلته النقدية قال د. صلاح السروي، أستاذ الأدب العربي بجامعة حلوان إن القارئ سوف يحتاج إلي وقت وجهد كي يدخل إلي عالم هذه الرواية الضخمة التي تذكرنا بالملاحم الكبري. ربما بسبب صعوبة اللغة وغير تقليدية التراكيب. سوي أن تلك العوالم المستغلقة سوف تنفتح أمامه باطراد مع التوغل في القراءة حين يتم كشف التقنية التي يتوسلها الكاتب لبناء حبكته الروائية. بوسعنا أن نسميها رواية مراجعة، تكوين، بدء وانتهاء، أو بعبارة أخري يمكننا أن نسميها رواية الكون في محاولتها القبض علي فكرة الوجود منذ البدء وحتي ما يمكن تصوره منتهي. منذ خود و سنان الرجل البكر الطبيعي، و الرحبة / الجنة المفقودة التي لم يعد لها وجود الآن إذ لم تعد سوي طلل وخرائب، حتي آي ـ تن فري واي بهيوستن. محاولة القبض علي مسيرة الإنسان البشري عبر هذه البقعة القصّية في سورية. حيث صبي يانع هو رطب الحاضر أبدا يتخايل أمام عيني صوفي طرطر وهو الراوية الرئيس في السرد وبطل الرواية في كل مراحله العمرية. نراه طفلا وشابا ونراه مُطارَدًا ونراه مهاجِما، ولكن علي تخوم هذا الصوفي بالمعني المعجمي، عبر تطوافه الجغرافي والزمني سنشهد تاريخا كاملا للإنسان. النزول من الرحبة هو نزول من الاتساع إلي المضيق، عبر هذا الافتراض سوف نستبين منهج الرواية بشكل عام. حيث النزول إلي العلوة ومحاولة إقامة حياة جديدة رغم تمسك خود بالبقاء في الأعلي طوال الوقت. خود ـ الأم الأولي، المرأة البدئية تتناسخ وتتوالد داخل الرواية، ولعل العمة نزهة هي أحد وجوهها، وهي تعد أحد الرموز الكبري في الرواية تلك العمّة الحزينة لابسة السواد القابعة أبدا في زاوية الغرفة. هي المرأة الأبدية ذات النزعة الإيروتيكية الموغلة في الكِبَر، تحمل رائحة الموت أينما حلّت، غير أن في داخلها حياة. ثم هي الأخري سوف تتناسل في نساء جدد، حتي لكأنها امرأة سرمدية لا نعرف كيف ومتي ولدت ولا متي ستموت أم هي ماتت بالفعل. سوي أنها قررت العودة للرحبة بوصفها الجنة المفقودة حيث الحرية والتحقق وهربا من المضيق الضيق حيث الضياع والتشظي. لا تأتي الرواية إلي نقطة المصير. لكنها تبحث عن الطريق. سوف تختفي العمة في غفلة من الجميع، حين تشعر بانشغال الناس عنها مع ظهور التليفزيون في الميادين التي كان اسمها العلوة فيما مضي، ولا يدرون إلي أين ذهبت فيرتبكون إذ لا يقفون حقا علي موتها من عدمه فيلفّون سعفة نخيل في ثوبها ويمددونه علي الأرض باعتباره جثمانها، سوي أنها سوف تظهر في نهاية الرواية لتشد من أزر صوفي وتقوي روحه في مواجهة الحرب الأهلية حين ضرب الجيش الأهلي أبناء الوطن في حلب، ثم تبقي معنا العمة نزهة حية باقية مع كتابها الأزلي كأنه الحكمة الخالدة التي تقرأ فيها طلاسمها وتنزل سخطها علي من هم ضد الحياة وضد الإنسانية وضد التدفق والتحقق الإنساني الذي صنعته عبر مغامراتها العاطفية. تناسلت العمة إذن في زهرة وسارة وهجع. وصورة الأخت سارة ، التي تناسخت عن خود، تبقي حاضرة طوال العمل حتي نهاية الرواية، سوي أنها ستتحول إلي سيرا حين يبدأ الراوية في الحكي عن المهجر الأمريكي. ثم الفتاة هجع ، اليانعة التي تذكرنا بتواشج الموت والحياة معا. أما خود فهي رمز الأنوثة التي توالد، وهي روح العمل كله حتي لكأنني أري الكاتب يعتبرها هي ذاتها هضبة الرحبة . إذ لو فككنا الكلمة لغويا لحصلنا علي الرحابة والاتساع والترحيب وكلها سمات أنثوية تشي بالاحتواء والسعة. وكأنها الرَحِم الأول الذي علي ظُلمته وضيقه هو العالم الرحب الحقيقي والجنة المفقودة التي ينتقل منها الإنسان إلي عالم بالغ الضيق. ما يؤكد أن المرأة تمثل عند حسين سليمان قيمة أساسية عبر الرواية. إذن فالرواية بوصفها بحثا دائمًا عن عالم مثالي مفقود تضرب في كل اتجاه، من سياسة ومجاعات وإنسانيات وحب وهجرات وتاريخ سوريا وغيرها بل وتاريخ البشرية كلها. وتنتهي الرواية ولا ينتهي البحث إذ تظل في حالة تأمل وركض. وهنا نأتي علي الملامح الفنية التقنية للرواية وهي تقنيات بالغة التعقيد والجدة في آن. الأحداث لا يمكن القبض عليها فالرواية تنسج الأحداث علي نحو أسميته النسيج الشبحيّ حيث تداخلات في الزمان وفي المكان من دون قيود. يحضر الوهمي والتخيليّ والواقعي حتي ليصعب التفرقة بين حدود الواقع والوهم. فالوهم واقع والواقع وهم وكلاهما أحيانا حلم. وهو الأدب الذي يقف علي تخوم الواقع والحلم كما ذهب تزفيتان تودروف في كتابه الأدب الفانتاستيكي . الرواية بشكل عام لا تعتبر رواية أحداث بقدر ما هي بنية شفرية ارتفع فيه الرمز إلي حدود قصوي بالغة التعقيد. تعاملت الرواية مع الزمن معاملة خاصة يتراوح ويتداخل في لعبة دقيقة لم تفلت خيوطها. وكأنها رواية حوار وتجادل أزمنة وهو ما سبب تلك السردية الشبحية التي تواشج بين الواقع والوهم عبر التداعي الحر للحدث. كما تعددت الأصوات وتداخلت أزمنتها في تقنية أسميتُها السرد الحي أو الحاضر، وهي محاولة السارد القبض علي اللحظة الراهنة وكأن القارئ يري الحدث الآن بالفعل أو كأن الكاتب يفكر لحظة الكتابة. كادت الرواية تتشظي لولا وجود رابط باطني أقامه المؤلف في صورة الباب الذي يظهر بصورة مواربة في الفصول الأولي ثم يصبح حضوره قويًّا وجليًّا فيما بعد. الباب الذي يخايل صوفي طوال الوقت، هو بظني المدخل إلي كل تلك العوالم المتشظية وهو الذي جعل الرواية تحمل بنية مركزية ما، وفيه إشارات إلي باب ليلة القدر وباب إيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف. ولقد أنهي الروائي روايته علي مشهد يظهر فيه الباب وهو يهبط من السماء علي هيئة نسر. يصح أن نصنف هذه الرواية برواية ما بعد حداثية أو أنها راوية عصرية تفتت البنية الحداثية المألوفة فيما قرأناه من أعمال، إذ لم تلتفت إلي الحدث بقدر ما أرادت أن تقبض علي الوجود برمته بوصفها بحثا عن الجذور أو الهوية بقلم كاتب مهجري خبر حياة الغربة محاولا القبض علي فلسفة الوجود في مهجره. وأري في النهاية أن هذه الرواية هي جهد وجودي وإبداعي وتصويري وتخيلي بالغ القوة وبالغ الحبكة وبالغ الجمال. وأقول للمؤلف إن كنا يا عزيزي قد هجرنا الرحبة جميعنا فإننا في سبيلنا لأن نبني رحبتنا الخاصة يومًا ما.وفي مداخلته النقدية قال د. هيثم الحاج علي، مدرس الأدب العربي بجامعة حلون، إن هذه الرواية تشبه الثقب الأسود الذي يمتص كلَّ شيء بحيث نصبح نحن وكأننا الواقفون علي الناحية الأخري لنري ماذا يمكن أن يفرز هذا الثقب. إذ أنها تمتص كل عناصر التكوين الإنساني لتفرز رؤية جديدة لهذا العالم. أعتقد أن هذا الشكل العشوائي من الترابط فيه إنتاج جديد للرواية، الشكل المتداعي علي مستوي التكوين اللغوي في ظني غير مسبوق في الفن الروائي. قد نطلق عليه ما بعد حداثي، أو ما بعد ما بعد حداثي. هذا السفر الضخم المرهق في تناوله يتأبي علي كثير من المناهج النقدية عند الوقوف حياله بوصفه رواية. هذه الرؤية تتم عبر تداخل وتجاور مجموعة كبيرة من التقنيات الفنية ربما أولها : كتابة الكتابة ، حيث يبدأ السارد بكتابة قصة كتابته واختياره لعنوان الكتاب الذي ربما سوف يغيره فيما بعد الخ. هنا يظهر المؤلف وليس الراوية متحققا بشخصه داخل النص بوصفه هادما للحاجز المتخيَّل بين النص وبين المتلقي، ذلك الهدم يجبرنا علي الدخول مباشرة داخل هذه العشوائية والزخم. كتابة الكتابة هذه أو ما أسماه د. السروي بالكتابة الحية تتضافر مع تعدد الأصوات السردية. فليس السارد واحدا علي مدار الرواية. يتنقل الصوت الحاكي بين صوفي طرطر والرواة الآخرين والمؤلف ذاته، هذا التضافر الصوتي يتطور عبره صوت صوفي من صوت الطفولة إلي الصبا إلي الرجولة بما يوحي أن هذا السارد يتوازي ويتطور مع الأحداث. عكس ما عهدنا من أن تنطلق الرواية من نقطة واحدة يقف عليها السارد ليحكي عما سبق. هذا الشكل من أشكال السرد يوحي بأن الراوية ينطلق صوته دائما من داخل الحدث وليس من خارجه. ولذلك سنلمح توازيًا بين العديد من الخطوط: خط التاريخ ـ خط التراث ـ خط الماضي الذاتي ـ خط الحاضر الذي يتطور معه صوت السارد. نلاحظ هنا أن الرواية رغم كونها أتت في 46 فصلا غير معنونة إلا عبر رقم ما يوحي بغياب معلومة وليس انتفاؤها، إلا أن بوسعنا تقسيمها قسمين أساسيين: الجزء الأول مزدحم بالأسطورية والشبحية والحواديت وأطوار الطفولة، والجزء الثاني راهن وحاضر تماما، وبين الجزئين فجوة كبري. ففي القسم الثاني غابت شخصيات أساسية ولم يعد ظهورها إلا عبر حكايات وذكريات. استخدمت الرواية الزمن كي تبدأ من المطلق حيث بداية التكوين وأدخلت الحاضر في الماضي عبر إسقاطات رمزية تناولت خلالها الحالة السياسية في سورية عام 1980. وأضاف أن هذه الراوية سوف تقوض ما هو متعارف عليه حاليا باسم مدارس الحداثة. هذه الرحبة إذن ليست الجنة التي تحكي عنها الكتب المقدسة، لكنها الجنة التي في داخلنا التي يجب أن نخلقها كي ننجو. 0