تجدد الخوف على لغة الضاد:
القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود قرني أقامت لجنة الدراسات الأدبية واللغوية بالمجلس الأعلى للثقافة ندوة موسعة على مدار يومين متصلين تحت عنوان اللغة العربية وقضايا العصر وذلك بحضور الدكتور أحمد درويش مقرر لجنة الدراسات الأدبية واللغوية.
وقد تضمن المؤتمر ثماني جلسات تناولت عددا من المحاور المهمة مثل اللغة العربية والعلوم الحديثة، اللغة العربية بين مهددات الفناء ومقومات البقاء، الأداء اللغوي لدى مذيعي الهواء، اللغة وعصر المعلومات، اللهجات العربية ومشكلات ترجمتها، اللغة العربية والتعليم، التراث الفكري والثقافي للغة العربية، حضور المعجم العربي في اللغة الاسبانية، تعليم الطب واللغة العربية، التحـديات التي تواجه اللغـة العربية، أزمة ترجمة المصطلح السياسي والاقتصادي والتكنولوجي والإعلامي والأدبي، وقد شـارك في المؤتمر عدد وافر من أساتذة الجامعة والنقاد والإعلاميين بينهم الدكتور حسين نصار، عبدالرحمن رشاد، نبيل علي، جمال عبدالناصر، سامي نجيب، محمد نجيب التلاوي، مجدي توفيق، سعيد بحيري، علي مدكور، محمد أبو الغار، محمد عبدالمطلب، محمود مكي، عزة هيكل، سامح كريم، إيناس جوهر، طاهر أبو زيد ومصطفى عبد الله، وسوف نحاول هنا إلقاء الضوء على أهم الأوراق التي تعرض لها مؤتمر اللغة العربية وقضايا العصر بما تضمنته من نقاش لأهم الإشكاليات التي تواجه اللغة العربية. اللغة بين مقومات البقاء ومهددات الفناءفي هذا السياق وتحت هذا العنوان قدم المؤتمر عددا من الأوراق وكان من بينها تلك الورقة التي قدمتها الدكتورة أميمة جادو تحت عنوان العربية في مواجهة بعض قضايا العصر العولمي، أدب المقاومة نموذجا، وتتعرض الورقة بالتحليل لبعض نماذج أدب المقاومة في مواجهة بعض قضايا العصر العولمي التي تمثل بحد ذاتها تحديات متجددة ومستمرة، هدفها تقريب المواطن العربي بمحاولات النيل من موروثه الديني والمعتقدي الإسلامي المقدس، وبمحاولات طمس هويته الثقافية والحضارية، أو إزاحتها من كيانه العروبي ليس فقط بالنابالم والمدافع الرشاشة واستلاب بعض الشعوب العربية لكيانها، وتدلل الباحثة على ذلك بنماذج من فلسطين والعراق ولبنان، وتضيف تلك المحاولات التي تراها استلابا لأبناء هذه الشعوب واجتذابهم وقولبتهم وعولمتهم في القالب الأمريكي الذي يرسمه المشروع الصهيوني التوسعي المعروف.
وتقول الدكتورة جادو: إن من بعض قضايا العصر وتحديات العولمة ما يأتي على الصعيد السياسي الدولي مثل الحروب واستلاب الأوطان لحريتها وما يأتي على الصعيد المحلي العربي مثل ديكتاتورية السلطة الحاكمة التي تأبى الحروب خشية الدمار مؤثرة سلام الشعوب أو استسلامها، وتنعكس في انعدام الديمقراطية ومصادرة الحريات وتكميم الأفواه وتسييس الأحزاب. وتضيف جادو: تأتي الظاهرة ايضا على الصعيد الاجتماعي وتتجلى في ضرب جذور الأسرة العربية وإحلال التفرقة محل الوحدة، واستلاب وعي الشباب وملء عقولهم بالثقافة الاستهلاكية وإعلاء قيم المال وسطوة ثقافة الجنس وإشعال الشهوات والرغبات المحرمة تحت قناع الحرية وعدم التكريس للمعتقد والموروث والتابوهات باعتبارها من الرجعية والتخلف، وتناولت الباحثة صورا لبعض النصوص التي رأت انها من أدب المقاومة مثل بعض قصائد أمل دنقل والمغربي أبو بكر بناني والفلسطيني إبراهيم طوقان وعبدالرحيم محمود وسميح القاسم ومحمود درويش ومحمود خليفة غانم وفاروق جويدة وفاروق شوشة.
أما الإذاعية إيناس جوهر فقدمت ورقة بعنوان اللغة العربية واللهجات، صراع أم تفاعل في عصر الفضائيات وتقول جوهر: لم يعد مقبولا أن تظل النظرة الى اللهجات العربية نظرة دونية، وأن تبقى اللهجات العربية على اهميتها بعيدة عن مناهج تدريس اللغة العربية في الكليات المتخصصة والأقسام المختصة بدراسة اللغة العربية وآدابها بالجامعات العربية المتعددة، وتقول جوهر انه ليس من الإنصاف أن تنأى الدراسات العليا ورسائل الماجستير والدكتوراه عن الولوج الى هذه اللهجات والاقتراب منها والإفادة في توسعة اللغـة بروافد منها، وتعتبر إيناس جوهر أن هذا الموقـف السلبي من اللهجات يتجاهل عدة حقائق من أهمها أن اللهجات العربية هي المنابع الحقيقية للغة العربية الفصحى، وأن اللغة بطبيعـتها أصوات اتفق على معانيها، فهي بذلك منطوقة تعتمد اساسا على المشافهة، ولذلك فإن اللهجات ـ حسب جوهر ـ التي يصفونها بأنها عالمية، يتفنن المتحدثون بها في النطق والتعامل بألفاظها وتبادل الفهم، وقضاء مصالحهم من خلالها، وتضيف لتلك الحقائق أن قدرة اللهجات على استيعاب أشـق المعاني الحياتية والتعبير عنها بالدقة والاختصار والرقة ايضا تجعل من هذه اللهجات لغة حياة، وتضيف: ان الحصـون التي وضعها علماء النحو والبلاغة ليحموا اللغة الفصيحة من اللهجات، وكذلك الضوابط الصارمة في حركات الإعراب والنحو والصرف لم تتمكن ـ على صرامتها ـ من حماية الدارسين من الخطأ والتجاوز والتقصير، كذلك قدم كل من الدكتور جمال عبدالناصر والدكتور هاني السياسي بحثا مشتركا تحت عنوان اللهجات العربية ومشكلات ترجمتها.
يتناول البحث التفاعل اللغوي الذي تشهده الثقافات على مختلف ألوانها وأجناسها ومواقعها الجغرافية، وهو التفاعل الذي يرى الباحثان أنه يمتد من مستوى الإطار الاجتماعي الى الفرد وبالعكس لينتج حزمة من المعاني والدلالات، ويقول البحث ان هذا التفاعل ينطوي على عدة مستويات لسانية تختلف تبعا لاختلاف طبيعة البيئة الثقافية والبنية الأنثروبولوجية بكل منطقة أو إقليم أو قطر أو قومية، ويرى الباحثان أن هذا يتجلى بشكل كبير في منطقتنا العربيـة التي تزخر في مجال اللسانيات بعدد كبير من اللهجات، تعد كل منها مستوى من مستويات اللغة العربية، بل وتمثل كل واحدة شكلا من أشكال التطور اللغوي على مستوى الواقع المعيشي محليا وإقليميا، دون أن يضع ذلك عائقا أمام عمليات التلاقي والتلاقح المستمرة بين دول المنطقة، ذلك لأن الاختلافات الظاهرية بين تلك اللهجات لا تعدو أن تكون اختلافات طفيفة في بعض مستويات الصوت والصرف والنحو والدلالة، رغم أن بعضا من هذه الاختلافات ينجم عن الاختلاط بالأجناس الأخرى غير العربية، غير أن الباحثين يريان أن مستويات اللغة وصنوف اللهجات قد تشكل حجر عثرة أمام المترجم الناقل لنص عربي أيا كانت طبيعته أو لونه أو اتجاهه الى لغة أجنبية أخرى، هذا من ناحية، كما قد تربك نفس المترجم لدى تصديه لنص أجنبي بغية نقله الى مستوى من مستويات العربية، مثل مستوى لغة الإعراب في البادية مثلا أو مستوى لغة المستقرين في الحضر، في شبه الجزيرة العربية أو في الشام أو في الشمال الافريقي أو في المغرب العربي. هل تموت اللغة العربية؟!
أما من حيث علاقة اللغة العربية بالعلوم الحديثة ومدى قدرتها على استيعاب معطيات الحداثة فقد شهد الملتقى عدة أوراق ومنها تلك الورقة التي قدمها الدكتور حسين نصار التي تناولت ما رآه ثلاثة مآزق مصيرية واجهتها اللغة العربية أولها ما وقع عندما أخرج الإسلام تلك اللغة من جاهلية غنية كل الغنى في الابداع الأدبي، فقير كل الفقر ـ بل مملقة ـ حسب تعبير نصار، في الانتاج العلمي، ثم جاء القرنان الثاني والثالث الهجريان فألقياها في بحر زاخر من الحضارات والعلوم والفلسفات والفنون وكل صنوف المعرفة، التي ابتكرتها الأمم المتاخمة للجزيرة العربية كالفرس والروم والسريان والمصريين، والأمم البعيدة عنها كالهنود والصينيين والأتراك والبربر وشعوب أسبانيا.
أما المأزق الثاني الذي يرصده الدكتور حسين نصار فجاء عندما أخذ العرب يفقدون حسهم بأنفسهم، ويستبد بالسلطة فيهم ذوو الأصول غير العربية، إلى أن انفرد بها المماليك فالعثمانيون الذين أزاحوا العربية عن دست الحكم وفرضوا التركية لغة رسمية على البلاد، فأخذت العربية في الاعتلال والضمور، حتى على ألسنة العلماء وأقلام المؤلفين.
أما المأزق الثالث والحالي الذي يرصده نصار ويراه أخطرها إذ تؤمن به جبهة عربية خالصة، ربما وصلت في تخصصها العلمي إلى درجة رفيعة، ولكنها ضيقت النظر غاية التضييق، حيث أهملت الاعتبارات الوطنية والقومية، فاللغة ـ حسب نصار ـ من أهم مقومات وحدة الشعوب، والعربية من المقومات الرئيسية للوجود العربي، ولعلها أقوى الروابط التي تجمع بين الأقطار العربية، ويضيف نصار أن الإصرار على العربية إصرار على اثبات الوجود العربي، على تيسير التنسيق او التضامن أو الوحدة العربية، فإن تعذرت الوحدة السياسية بين الأقطار العربية، فإن الوحدة اللغوية والثقافية هي المسعى الضروري، ولن تتم هذه الوحدة إلا بالمحافظة على اللغة العربية، واستخدامها في كل مجال، لأن ذلك يؤدي الى وحدة الشعور والفكر والاتجاه.
أما الدكتور رشدي طعيمة فقد قدم ورقة لا تبتعد كثيرا عن ورقة الدكتور حسين نصار، وهي ورقة مستوحاة من عنوان كتاب ديفيد كريستال، موت اللغة ويطرح المؤلف فيها تساؤلات عدة منها ماذا يقصد بموت اللغة، لماذا ينبغي أن نهتم بذلك، لماذا تموت اللغات، من أين نبدأ، وماذا يمكن عمله؟ وفي ضوء ما ورد بالكتاب من أفكار يقول طعيمة إنه تمت دراسة واقع اللغة العربية سواء من حيث ما يواجهها من تحديات أو تعاني منه من أزمات وقد استعرضت الدراسة ما ورد في بعض التقارير الدولية المهمة عن اللغة العربية ومنها تقرير اليونسكو حول انقراض اللغات، وتقرير التنمية الانسانية العربية سنة 2003 حول أزمات اللغة العربية سواء من حيث الأداء اللغوي العام أو من حيث التعليم وكذلك عرضنا للتقرير الذي أعدته مؤسسة الفكر العربي بعنوان انقاذ اللغة العربية.
الإعلام وتاريخ من الركاكةأما في محور اللغة العربية والإعلام فقدم المؤتمر عددا من الأوراق كان من بينها تلك الورقة التي قدمها فتحي الملا تحت عنوان اللغة العربية والإعلام، ويشير الملا في بداية ورقته الى أن الإعلام بات يقع في صدارة عصر العولمة وركيزة من ركائزها، ويقول: إذا كانت العولمة مثلت في جانب منها صراع الحضارات وفي شقها الآخر حوار الحضارات، فإن اللغة العربية تبرز أهميتها في كلا الجانبين فإذا كانت حوارا فالعربية هي لسانها، والإعلام في كلا الجانبين هو أداة اتصال بين الناطقين بالعربية على امتداد الساحة الكونية التي غدت قرية كونية صغيرة، لقد أبدى هنتنغتون صاحب كتاب صدام الحضارات دهشة من أن الأرقام تشير الى تزايد نمو العربية والمندارينية لغة أهل الصين على حساب انتشار اللغة الانكليزية والفرنسية والألمانية وغيرها في حين هبطت الانكليزية على مستوى العام من 9.8% عام 1958 إلى 7.6% عام 1992 بينما زادت نسبة انتشار العربية من 2.7% عام 1958 الى 3.5% عام 1992. ويتساءل فتحي الملا عن دور الإعلام في نشر اللغة العربية والنهوض بها ويقول: ان هناك جانبا مضيئا يتمثل فيما تقدمه إذاعة القرآن الكريم من اهتمام بالفصحى وإن كان بعض الشيوخ المتحدثين يخطئ في قواعد اللغة، وكذلك تقديم نشرات الأخبار باللغة الفصحى التي يفهمها العامة، كذلك يشيد الكاتب ببعض البرامج التي تخدم انتشار العربية الصحيحة، وينتقد في الوقت نفسه البرامج التي تأخذ لنفسها أسماء أجنبية أو تستعمل العامية في ركاكة مفرطة.
أما الدكتور محمود علي مكي فقـدم ورقة بعنوان مجمع اللغة العربية ولغـة الصحافة أكد فيها على فكرة استهداف الأمة العربية وأشار كذلك الى أحداث 11 ايلول/ سبتمبر 2001، وصراع الحضارات كخلفية أساسية لتلك الأحداث، ويقول مكي: انها حملة يروج لها المفكرون الغربيون وهي تتركز على مهاجمة الإسلام والثقافة العربية، وكان من أمضى أسلحتها محاربة اللغة العربية بالوسيلتين اللتين استخدمتا من قبل وهما الترويج للغة الانكليزية، والدعوة الى ان تستبدل بلغتنا العربية الفصيحة.
ويشير مكي الى أن موقف مجمع اللغة العربية كان دائما يدعو الى مواجهة تلك الحملة المشبوهة، ويذكر أن من أهم توصيات المجمع في مؤتمراته السنوية التي تعقد بمشاركة المجامع العربية، الدعوة الى تنقية لغة الإعلام والتمسك بعربية سليمة صحيحة تواكب تطور مجتمعاتنا الحديثة، عبر لغة لا يعسر فهمها على عامة الشعب.
أما الدكتور أحمد درويش الذي قدم ورقة عن تجارب اللغات الأخرى في التطوير فقد أشار الى أن كل لغة تحتاج الى تجارب اللغات الأخرى في مراحل مسيرتها المختلفة، تصعيدا أو رصدا لمراحل التطور، ودفاعا عن النفس ضد أخطار الترهل والضعف والشيخوخة، ومواءمة المستجدات من حولها، وتكاد هذه الخطوات وغيرها من الخطوات المتصلة بالمحافظة على مسيرة اللغات، ومراعاة تطورها، تشكل في ذاتها مناهج حول حياة اللغات ينبغي الإفادة منها في تجاوز الأزمات وتحقيق الطموحات.
ويقول أحمد درويش: إن العربية ليست بدعا في هذا المجال، فقد أفادت في مسيرتها، وإثراء حصيلتها من اللغات التي اتصلت بها سواء من اللغات السامية، أو مجموعات اللغات التي اعتنقت شعوبها الإسلام، أو اللغات الغريبة الوسيطة أو الحديثة، كما أفادت في رصد قواعدها من تجارب علوم الأوائل المتوارثة والمترجمة عن الحضارة الإغريقية وما تفرع عنها. واستفادت في بلاغتها وأجناسها الأدبية من جوارها مع لغات الهند وفارس وغيرها.
ويرى درويش أن العربية تبدو في أزماتها الحالية بحاجة الى تأمل تجارب اللغات الأخرى في إعادة البعث ومقاومة الانحسار، ويقول إن التجربتين العبرية والفرانكفونية جديرتان بالتأمل في هذا المجال.