شعر علي الشارع.. تسطيح للواقع أم نقلة ثقافية في القدس؟
ربي عنبتاوي
نديم شبان: السبب وراء اختيار الشعر كان لخلق حالة صدمة ومفاجأة للمقدسيين قد تؤدي الي دوافع ثقافية ايجابية روان شرف: الفكرة هشة أمام هموم شعب يتكبد الكثير من بلدية الاحتلال. سليم أبو جبل: قصائد تتحدث عن كل شيء عدا عن الاحتلال والتهجير المبرمج والعنصرية القبيحة.
عشرون لوحة عليها أبيات شعرية معلقة بواسطة أعمدة علي أرصفة الشوارع المركزية لمدينة القدس وتحديدا شارعيّ صلاح الدين وباب العامود. الشعر عام مكتوب باللغة العربية والشعراء هم من الاسرائيليين وفلسطيني الداخل كسميح القاسم ومحمد علي طه وميشيل حداد. السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا الشعر الان علي الشارع؟ وهل يتناسي الاحتلال المشرف علي التنفيذ (عبر البلدية) هموم المقدسيين ويلتفت للجانب الثقافي في الوقت الذي يمارس ضدهم تمييزا عنصريا واضحا ويفرض قيودا علي مختلف نواحي حياتهم؟
فكرة ثقافية لهدف مفاجئنديم شبان مدير قسم البرامج في مؤسسة القدس غير الربحية الراعية لهذا المشروع، يتحدث عن فكرة شعر علي الشارع التي كانت بمبادرة جماعية من لجنة تطويرية مكونة من عدة شركاء، حيث يقول: هي سابقة في القدس طبقت أول مرة عالميا في مدينة نيويورك. التوزيع جاء في خمس مناطق مزدحمة وسط المدينة بمجموع عشرين قصيدة عربية وعبرية مترجمة للعربية لعدة شعراء تم اختيارهم وانتقاء شعرهم بإشراف لجنة من المختصين، وحين دخل العمل حيز التنفيذ تم التنسيق مع بلدية القدس لتأمين المواقع والأدوات المساعدة.
يوضح شبان أن المشروع جاء تكملة لعدة مشاريع في المجالات التعليمية والرفاه الاجتماعي والثقافة التي ترعاها المؤسسة، والسبب وراء اختيار الشعر كان لخلق حالة صدمة ومفاجأة للمقدسيين قد تؤدي الي دوافع ثقافية ايجابية، خاصة وأنهم منذ احتلال عام 67 يتعرضون لاحتكاك مباشر مع قوات الاحتلال والشرطة ويعانون من مشاكل اجتماعية وسياسية ومدنية جعلتهم يركزون علي همومهم اليومية من تأمين قوت يومهم واقامتهم ومسكنهم فابتعدوا عن الجوانب الثقافية كالمسرح والسينما والادب، لذلك حاولت مؤسسة القدس أن تثير اهتمامهم بقصاصات شعرية انسانية بعيدة عن الصراعات والسياسة، تدفعهم للوقوف والقراءة ومحاولة تفسيرها وهذا بحد ذاته تحفيز ثقافي. رمز توحيد القدس غير موجود علي لوحاتناوأكد شبان أنه أراد من شعر علي الشارع أن يعكس للجانب الاسرائيلي أن في الحياة جوانب أخري غير محصورة في القوة والقتل، مشيرا الي رفضه التام وضع شعارالقدس الموحدة علي اللوحات الشعرية خلافا لجميع ملصقات البلدية، وذلك اصرارا من المؤسسة علي رفض الرموز السياسية الدعائية والتركيز علي الانسان كانسان.
ردود الأفعالأما عن آراء الناس علي شعر علي الشارع فيقول شبان أن بعضها كان انتقاديا من المتعصبين اليهود حيث اتهموا المؤسسة بالانحياز للفلسطينيين لأن القدس موحدة وعاصمة إسرائيل وليس للوجود الفلسطيني فيها مكان حتي في الشعر. أما المواطن الفلسطيني ومن احتكاك شبان به فكان موقفه ايجابيا، فتراه يقف ويقرأ ويناقش مع اعترافه انه لم يفقه شيئا، الا أن الموضوع أثار إعجابه. محمود درويش غائب وسميح القاسم غير راضٍكانت مؤسسة القدس كما يعترف شبان، تأمل ادخال قصائد محمود درويش في المشروع ولكن نظرا لأنه يقيم في رام الله وتجنبا من ناحيتهم لزجّه في أية إحراجات أستغنوا عن الفكرة، أما سميح القاسم فصرّح أنه لم يعجب بفكرة نشر قصائده في مدينة محتلة، يقف علي مقربة من ابياته جندي يحمل بندقية.
روان شرف مديرة حوش الفن الفلسطيني في القدس، تري ان الفكرة جيدة لأول وهلة وخاصة انها ذات هدف ثقافي وسط محاولات لتهويد وأسرلة الفلسطينيين في المدينة المقدسة وحصر اهتماماتهم ببقائهم فيها، ولكن فيما بعد تدعونا للتساؤل، فالأبيات الشعرية في مضمونها بعيدة كليا عن الوضع السياسي الذي يعبر عن الناس ويحكم حياتهم. وتتساءل شرف: هل الأهم الآن وضع الشعر بالتنسيق مع البلدية الاسرائيلية في الوقت نفسه الذي ترهق المقدسيين في سياساتها التعسفية كالضرائب وهدم البيوت ومصادرة الأراضي وسحب الهويات وتجميد ملفات الشمل؟ الفكرة في النهاية كما تجملها شرف هشة أمام هموم شعب يتكبد الكثير من بلدية الاحتلال. شعر متكلف غير مفهومالناقد والكاتب سليم أبو جبل يتحدث عن ظاهرة شعر علي الشارع بأنها فكرة أخري من أفكار التعايش العربي اليهودي. ففي حيفا اختلقت البلدية مهرجان عيد الأعياد في وادي النسناس العربي حتي تضع اليهود والمسلمين والمسيحيين في قالب واحد وتسمي ذلك تعايشا عربيا يهوديا! وكذلك الأمر في عكا حيث صنعوا نموذجا مختلفا مهرجان المسرح الآخر. تعود هذه البلبلة لدي المؤسسات الإسرائيلية من وجهة نظر أبو جبل إلي عجزها التعامل مع الواقع بعمق فتلجأ إلي تسطيح التعايش مع العرب فيقتصر ذلك علي المأكولات الشرقية والمعارض الفنية والشعر. وعن وصول هذه الظاهرة إلي القدس يتساءل: ماذا يمكن لأبيات من الشعر المتكلف غير المفهوم أن تفعل لدي سكان القدس العرب؟ قصاصات تحمل أشعارا ترجمها شعراء عرب عن قصائد لشعراء يهود، قصائد تتحدث عن كل شيء عدا عن الاحتلال والتهجير المبرمج والعنصرية القبيحة. قصائد تمجد الإنسانية والحلم الإنساني بحياة سعيدة بينما يعيش الناس في أسوأ ظروف، حيث يحيط جدار الفصل العنصري بحارات القدس وتشكو البنية التحتية والشوارع من إهمال مقـزز.