قصة تهريب عبد الحميد السراج من سجن المزة.. و التميمة التي ارسلها كمال جنبلاط الي الملك حسينالمنظمات سيطرت علي عمان وكانت تريد تغيير النظام والوفود العربية لم تكن معنية بالحل بل بـ تبويس اللحي
عرض: بسام البدارين ہكتاب (حساب القرايا والسرايا) لمدير جهاز المخابرات الأردني السابق مثير ليس لانه يحتوي مذكرات شخصية لرجل اتهم في أحد الايام بالتخطيط للانقلاب علي الحكم ثم اصبح وزيرا وعضوا في مجلس الأعيان بل لانه كتاب جديد ومهم كما وصفه مقدمه الدكتور خالد الكركي.
وازدادت أهمية هذا الكتاب لمؤلفه الجنرال السابق نذير رشيد في ظل اصرار السلطات الحكومية علي منع دخول الكتاب للسوق المحلية رغم موافقتها قبلا علي طباعته كما يقول رشيد نفسه لـ “القدس العربي”.
والكتاب في الواقع يكرس صاحبه وكاتبه كلاعب مهم في لعبة الحكم الاردني طوال ثلاثة عقود علي الأقل كانت مليئة بالتقلبات في المملكة الهاشمية. وينطوي الي حد كبير علي شهادة براءة ذاتية وسعي لازالة اتهامات الماضي وكشف بسيط لأسرار الآخرين.
وشهادة الجنرال الرجل تقدم رواية مغايرة لأحداث لا يريد كثير من الأردنيين تذكرها وفي الواقع لا يهتم بها غالبيتهم.
وبين دفتي الكتاب الذي قلبته “القدس العربي” واختارت بالاتفاق مع الكاتب اعادة انتاج واختصار بعض فصوله الكثير من الأسرار بل والمفاجآت والكثير من الاتهامات التي تطال بعض الأحياء وبعض الأموات. وبين الدفتين فضح مقصود لبعض الوجوه والأحداث ورواية يمكن مسبقا التشكيك بها لكنها ستبقي رواية مثيرة من شاهد عيان حبك الأحداث علي اساس انها مذكرات شخصية وليس بقصد التأريخ والظهور كما يقول المؤلف. وهو يتهم مؤلفات ومذكرات أخــري بأنها لم تقل الحقيقة.
اللجوء الي سوريةيروي الكاتب ايضا تفاصيل لجوئه الي سورية ويقول: وصلت الي درعا. ومكثت لدي ضابط الاستخبارات عبد الرحمن الخليفاوي الذي صار فيما بعد وزيرا ثم رئيسا للوزراء، وبعد ليلتين توجهت الي دمشق وقابلت عبد الحميد السراج مدير المكتب الثاني المخابرات وشرحت له ما حدث فقال: بعثيين عكاريت.
اقمنا في فندق فترة من الزمن ثم اجريت علينا رواتب مساوية لما كنا نتقاضاه في الاردن، واستأجرت بيتا في دمشق، وفوجئت بوجود محمود الموسي وعصام الجندي وقاسم الناصر في سورية علي الرغم من انهم لم يكونوا مطلوبين. وقد عمدوا يوم الاحداث الي احراق اعداد من صحف مصرية وسورية كانوا يحتفظون بها، ولم تكن لها أية خطورة وتشاوروا فيما بينهم علي الهرب الي سورية، وخرجوا الي دمشق بالفعل مساء ذلك اليوم 14/4/1957 دون سبب او مبرر.
والواقع ان كثيرا من الضباط والسياسيين لجأوا بلا داع واذكر ان احدهم وهو سعيد العزة امين عام الحزب الوطني الاشتراكي حزب سليمان النابلسي ورفاقه، قد حكم عليه غيابيا بالسجن لمدة سنة واحدة، فقد كان في سورية، وعلم به هناك فغضب كثيرا وشعر باسف واحباط لانه كان يتمني وينتظر ان يحكم عليه بالاعدام او المؤبد كي يبرر لجوءه الي سورية، واخذ يشتم الحكومة الاردنية لانها لم تدرك اهميته، ولم تغلظ له العقوبة، وجعلته يظهر امام السوريين قليل الاهمية، وبقي كثير من الضباط والقادة السياسيين في عمان وبعضهم خرج فيما بعد مثل شفيق رشيدات الذي غادر الاردن عام 1958 ثم انتقل الي مصر، وقد عمل اميناً عاماً لاتحاد المحامين العرب لعدة دورات وعاد الي عمان مريضا عام 1978، وتوفي بعد وصوله بايام وكان من خيرة من عرفت في تلك الفترة وبعدها. تميمة كمال جنبلاطوتحدث الكاتب عن فترة اقامته في سورية حيث كلف ببعض الشؤون في لبنان وأصبح علي علاقة مع الزعيم الدرزي كمال جنبلاط. ويقول: استمرت العلاقة مع جنبلاط بعد عودتي الي الاردن في الستينات وقد دعاه الملك حسين للزيارة في صيف عام 1970 واستقبله في العقبة. وكان زيد الرفاعي وقتها يعمل في الديوان الملكي وهو الذي اصطحبه لمقابلة الملك وبعدها زار بعض المواقع في المملكة، واطلع شخصيا علي حجم المخالفات والفوضي التي سببها الوجود الفدائي في الاردن.
وقبل وقوع المواجهة مع الفدائيين في ايلول (سبتمبر) سنة 1970 بعث جنبلاط بحجاب تميمة حملها له محسن دلول الذي اصبح فيما بعد وزيرا للدفاع في حكومة رفيق الحريري ووليد ابي مرشد من قادة الحزب. وفي عمان طلبا ان اوصلها الي الملك الحسين ليحملها في عنقه لتحميه، وتحفظه من الاعتداءات وقد استلمها الملك فعلا وارسل جواب شكر لجنبلاط حمله رجائي الدجاني وهاني طبارة من ضباط المخابرات العامة الاردنية قبل المواجهة مع الفدائيين مباشرة. وفي بيروت وفي شارع الحمرا تعرف عليهما احد عملاء المنظمات الفلسطينية كان والده علي معرفة وثيقة بالشريف ناصر بن جميل، ومعرفة اقل بالملك حسين فهيج الشارع باتجاههما فاختبآ في احدي العمارات، واتصلا بجنبلاط الذي حضر واخرجهما من هناك وأمن لهما العودة الامنة الي الاردن ودارت الايام.. وعاد ذلك العميل المدلل الي عمان فاحضرته الي دائرة المخابرات العامة فاعتذر عما بدر منه ووعد ان يغير سلوكه تغييرا تاما.
محاولة انقلاب عام 58 بعد عام واحد من لجوئي الي دمشق ـ يقول نذير رشيد ـ وقعت محاولة انقلاب في الاردن بقيادة رئيس اركان الجيش صادق الشرع عام 1958 ، وقد اعلمني في وقت لاحق مدير المخابرات الاسبق محمد رسول الكيلاني ان تنظيما عسكريا وسياسيا قد قام بقيادة رفعت عودة وصادق الشرع، وانه وجهاز المخابرات قد سيطروا عليه سيطرة تامة من بدايته، وكانوا يعرفون التفاصيل كافة. وقد أجري التحقيق مع كافة الاطراف التي كانت مشاركة في تلك المحاولة، واعترفوا جميعهم، وعند زيارة الملك الحسين الي امريكا في ذلك الوقت اصطحب معه صادق الشرع طول الرحلة، واعتقله بعد عودته الي الاردن وقدم الي المحكمة وحكم عليه، وعلي رفعت عودة بالاعدام ثم لم يلبث ان افرج عنهما مع العفو وفيما بعد عين صادق الشرع وزيرا للتموين ثم وزير دولة للشؤون الخارجية في حكومة وصفي التل.
ملفات دولة الوحدةويتحدث الكاتب عن الوصي علي عرش العراق عبد الاله، وهو يتجاهل معلومات سربها له الملك حسين عن وجود تحضيرات في الجيش العراقي للانقلاب علي العائلة حيث يقول: كان الوصي علي العرش الامير عبد الاله يعتقد ان العائلة المالكة وهو رئيسها لا علاقة لها بالخلافات المحتدمة بين النخب السياسية العراقية، ولذلك لم يحمل التحذيرات التي ابلغه اياها الملك الحسين محمل الجد. وكان الملك حسين قد طلب من الوصي عبد الاله ان يرسل من يثق به ليبلغه تفاصيل الانقلاب المنوي القيام به في العراق، قبل وقوعه فارسل الوصي رئيس الاركان الفريق الركن رفيق عارف ومساعده اللواء الركن غازي الداغستاني للاجتماع بالملك حسين.
اجتمع الملك بهم وطلب من مدير المخابرات في ذلك الوقت محمد رسول الكيلاني تزويدهم بما لديه من معلوومات مؤكدة وكان الكيلاني قد حصل علي تلك المعلومات من عملائه في دمشق بدقة متناهية، وعبثا حاول الملك اقناعهم بصحتها فلم يفلح وكان جوابهم: نحن نعرف الجيش العراقي معرفة تامة ونحن واثقون من اخلاصه وعليكم ان تنتبهوا لبلدكم الاردن. اعتقال السراجفيما يخص دولة الوحدة السورية المصرية فرد الكاتب فصلا متكاملا لذكر بعض التفاصيل حيث كان صديقه عبد الحميد السراج رئيسا للمجلس التنفيذي للاقليم الشمالي، ومقيما في دمشق وكانت العلاقة بين السراج وعبد الحكيم عامر سيئة والثقة مفقودة بينهما، وعندما اطلع السراج علي معلومات حول تنظيم داخلي في الشمال يخطط للانفصال ارسل خطابا مفصلا للرئيس جمال عبد الناصر يطلعه فيه علي نوايا الانفصاليين واحال عبد الناصر الكتاب الي المشير عامر الذي سأله عن المصدر، فاجاب الرئيس انه السراج فتحفظ عامر علي الخطاب ولم يتخذ اي اجراء.
وكان السراج في وقت الانفصال في القاهرة، وعلم عن الانقلاب الانفصالي وهو هناك وتأكد ان المعلومات التي اعطاها للرئيس عبد الناصر صحيحة مئة بالمئة وان الذي دبر الانقلاب وخطط له هو مدير مكتب المشير نفسه عبد الكريم النحلاوي فقدم السراج استقالته الي الرئيس عبد الناصر. واصر عليه، ولم تجد نفعا محاولات عبد الناصر لاسترضائه وابقائه في مصر، فقد عرض عليه ان يأخذ اجازة مفتوحة عند صديقه رئيس جمهورية يوغسلافيا تيتو او الاتحاد السوفييتي او في الهند، ولكن السراج رفض عروض عبد الناصر جميعها. واصر علي العودة الي سورية وقد عاد بعد الانفصال بثلاثة ايام، ولكنه اعتقل في دمشق فور وصوله واودع في سجن المزة المشهور في ضواحي دمشق واعلن قادة الانفصال انهم سيقدمون السراج الي المحاكمة، ومضت الايام والاشهر دون ان يحاكم وشعر الجميع بالغضب بالاضافة الي مشاعر الاحباط، وخيبة الامل التي اصابت الناس بسبب الانفصال وفشل الوحدة التي كانت مشروعا قوميا يعلق عليه الوطنيون والقوميون العرب آمالا عظيمة.
ويروي الكاتب كيف عرض علي ضابط صف سوري اسمه مفوز الرواشدة كان يعمل في سجن المزة التعاون لتهريب السراج من السجن، وكان الكاتب كما يقول خبيرا بالحدود السورية اللبنانية، بفعل عمله مع كمال جنبلاط ووافق العريف السوري علي الأمر، وحصل الكاتب علي موافقة السراج. وتم تنفيذ الأمر فعلا وتهريب السراج من يد الانفصاليين الي لبنان وهنا يختم الكاتب قائلا: لقد قيل وكتب الكثير عن عملية هروب السراج وكان في معظمه شائعات تشبه افلام المغامرات مثل تهريبه في طائرة اقلته الي غواصة كانت تنتظر قرب الشاطيء وادعي البعض بطولات وهمية نسبها لنفسه عن دوره في العملية لكن الامور كانت كما رويتها هنا ورواها السراج بنفسه لصحيفة العربي العدد 1421، 2/7/2000 . بداية الوجود الفدائيوعرض الجنرال رشيد ملاحظاته علي المنظمات الفدائية، فقد كانت خالية من الكفاءات المدربة ومفتقرة للكفاءات الادارية المعنية بالدعم اللوجستي وبالتخطيط للعمليات وكانت جميعها مخترقة من اجهزة المخابرات الصديقة والعدوة وكان جهاز المخابرات الاردني في مقدمة تلك الاجهزة كما لجأت المنظمات للاعلام الكاذب مما حولها من منظمات قتالية الي سياسية. فتعرض الكاتب لعمليات القصف الاسرائيلي الدائمة لجبال وقري وادي الاردن بسبب صواريخ الكاتيوشا التي كانت المنظمات تطلقها لان حريتها كانت مطلقة في جميع انحاء الاردن بما في ذلك الحدود الدولية ولم يكن يستطيع احد سؤالهم عما يفعلون، وقد كانوا يستغلون تلك الحرية وينصبون صواريخ الكاتيوشا ثم يعودون الي داخل الاردن لاعداد البيانات قبل انطلاق الصواريخ، وذكر ارقام كاذبة عن عدد مهاجع الجنود والنقالات المدرعة التي اصابتها الصواريخ. ويتحدث الكاتب عن التحاقه عام 1967 بدائرة المخابرات مديرا لفرع اسرائيل في عهد مضر بدران حيث انشأ قسما للرصد والدراسات، وبدأ التنسيق مع مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت والتي كانت علي مستوي متقدم من الخبرات في الشأن الاسرائيلي، وبفضل ذلك تمكنا من تكوين فكرة عن الجيش والمجتمع في اسرائيل لم تكن متاحة لنا ولا لاي دولة عربية اخري واعتمدنا علي دراسة المعطيات الموجودة في البنك المركزي الاسرائيلي وعلي خطة التجنيد والتعبئة وتبادلنا المعلومات مع جهاز المخابرات المصري، الذي كان يترأسه آنذاك امين الهنيدي كما رتبنا تعاونا وتنسيقا مع الضباط والموظفين البريطانيين الذين سبق لهم الخدمة في الاردن. وهؤلاء كانوا يزورون اسرائيل علي هيئة سياح ويجمعون لنا المعلومات. وكان واضحا غياب المعلومات والدراسات لدي الاجهزة في مصر حتي بعد حرب 67 فلم تكن لدي المصريين معلومات صحيحة عن حجم الجيش الاسرائيلي واسلحته، وخاصة سلاح الجو ومن المفارقات ان مدير مخابرات مصر امين الهنيدي تحدث في كتابه الفرصة الضائعة عن تعاون بلاده مع المخابرات في اكثر من دولة دون الاشارة للاردن، بالرغم من الاجتماعات الثنائية المتعددة التي حضرها معنا اثنان من مساعديه هما محمد رفعت حسنين رئيس القسم الخارجي و صلاح المحرزي رئيس فرع اسرائيل.
وكشف الكاتب بان الرئيس السادات عندما قرر اخراج السوفييت من مصر ارسل اللواء محمد حسنين الي الاردن وطلب مني ان ارتب له اتصالا مع الادارة الامريكية لبحث الموضوع، واخبرت الملك حسين بذلك ولم يصدر اي توجيه فاتصلت بالسفارة الامريكية، وارسلت مسؤولا كبيرا كان اسمه الرمزي المستر سومسنج، وحصل الاجتماع في بيتي في عمان ثم نقلت الاجتماعات خارج الاردن.
وتحدث الكاتب عن حنق وغضب زملائه في المخابرات المصرية بسب رفض موسكو تزويد مصر بالاسلحة المتطورة وخاصة الطائرات المقاتلة في مواجهة ما تزود به امريكا اسرائيل، ونقل عن ضباط مصريين قولهم بان مرض السكري اصيب به جمال عبد الناصر قهرا بسبب الموقف السوفييتي.
احداث ايلول:
ويبدأ الكاتب سرد روايته الخاصة لاحداث ايلول (سبتمبر) بالاشارة الي قبول استقالة مدير المخابرات العامة، آنذاك في بداية ايلول (سبتمبر) مضر بدران الذي اوصي بتعيين مساعده نذير رشيد بدلا منه، وهو ما وافق عليه الملك حسين، وفي تلك الفترة وقعت حوادث خطف لبعض منتسبي الدائرة من بينهم مسؤول الفرع الداخلي العقيد احمد عبيدات (اصبح رئيس وزراء لاحقا) وهوجم مقر قيادة البادية في منطقة الوحدات التي كان الناس يسمونها الجمهورية، ولم تتحرك القوات المسلحة لنجدة البادية او للافراج عن عبيدات، وانشغلت المخابرات في انشاء تحسيناتها وحراساتها، لأن احدا لن يهب لنجدتها اذا تعرضت للأذي. وقد اعتبر بعض الوزراء في حكومة عبد المنعم الرفاعي هذه الاجراءات عملا استفزازيا لكن الادارة تجاهلت ذلك.
ويشهد نذير رشيد بان دائرة المخابرات عندما عين مديرا لها بعد ترفيعه لرتبة عميد ركن كانت مخترقة من قبل المنظمات حيث القي القبض علي احد الضباط وهو يخفي اوراقا ووثائق لتهريبها خارج مبني الدائرة وكان اول عمل قام به رشيد هو احالة الضباط المنتمين لمنظمات الي التقاعد واعتبرت الاجراءات في اوساطالمنظمات تعبيرا عن توجه حاد من النظام للمواجهة وللحسم. وكانت هناك مفرزة كبيرة لقوات الامن محاصرة في جبل القلعة. ولم تنجدها القوات المسلحة بدعوي صعوبة ذلك، ورفض رجالها الاستسلام بعد نفاد الماء والغداء وبقوا صامدين الي ان تدخلت القوات المسلحة في السادس من ايلول (سبتمبر). ويروي الجنرال رشيد ان الاحوال اصبحت اكثر سوءا مع مطلع شهر ايلول (سبتمبر) حيث لم يكن هناك وجود حقيقي للدولة او لمؤسساتها، ولم تكن قوات الامن العام قادرة علي حماية نفسها، واستمرت الاجتماعات الوهمية بين قيادة المقاومة، ومن تبقي من مسؤولي الدولة الذين كانوا يقدمون التنازلات تلو التنازلات. وكانت الاجواء متوترة والمواطنون المقيمون في عمان عادوا الي قراهم، وتعاطفت القوات العراقية الموجودة بقيادة حردان التكريتي وصالح مهدي عماش مع المنظمات حيث نشرت اعداد كبيرة من افضل مقاتلي الجيش العراقي في عمان بلباس مدني للمشاركة القتالية مع المنظمات، ودخلنا معهم في معارك شرسة في منطقة اللويبدة.
ويصر الكاتب علي ان الولايات المتحدة وبريطانيا، ومن خلال مكاتب الاستخبارات التابعة للبلدين في عمان كانتا تنتظران تطور الاحداث، وكانتا تمتنعان عن التدخل بسبب وجود انطباع بعدم امكانية الحسم وكانت اذاعة (بي. بي. سي) البريطانية تذيع يومها كل ما يسيء للاردن، او يضعف موقفه وكان الاتصال منخفضا استخباريا مع امريكا وبريطانيا وعلاقات الاردن مع كل دول الجوار سيئة والاجواء السورية مغلقة في وجه الطائرات الاردنية والرحلة من عمان الي بيروت جوا تستغرق اربع ساعات ونصف الساعة بسبب ذلك. ويتحدث الكاتب عن تطورين اساسيين حصلا قبل المواجهة الحاسمة في ايلول (سبتمبر) فقد حسمت قيادة المنظمات امرها باتجاه العمل علي تغيير النظام في الاردن لان المنظمات سيطرت علي كل شيء، وكل المفاتيح وحتي الجمعيات الخيرية كانت تأتمر بأمرها وتدخل الرئيس عبد الناصر وقابل وفدا بقيادة حركة فتح. وطلب الوفد مساعدته لكنه حذر من صعوبة اسقاط النظام. وحسب الكاتب كان رئيس الاركان في ذلك الوقت الجنرال مشهور حديثة يتولي التفاوض مع قادة المنظمات لتهدئة الامور ووقف الاشتباكات واضطررنا في دائرة المخابرات الي جمع الضباط والافراد داخل مقر الدائرة واعادة عائلاتهم الي مناطقهم اما سكان عمان فقد استأجرنا لهم بيوتا في المناطق الآمنة.
وفي احدي المرات توجه الملازم عوني يرفاس ضابط المخابرات الي الزرقاء مع زميل له فاعتقلهما حاجز للمنظمات فغضبت للامر وهتفت للملك حسين، وعقدت اجتماعا معه بحضور الشريف زيد بن شاكر، وتداولنا بخطورة الموقف وتسارع الاحداث حيث كانت المنظمات تسيطر سيطرة كاملة علي عمان، وعلي جميع المؤسسات الحكومية في المحافظات وعلي جميع طرق المملكة. وكانت منظمة فتح تسيطر علي الحكومة القائمة فقد عينت معظم وزرائها. وتم اعلان اضراب عام مفتوح في الاردن يوم 17/9 ورشحت اخبار الحشد السوري علي حدود الاردن. وكان تقديرنا اذا ما تم الاضراب ستنهار الدولة مرة واحدة وقبل ذلك كان بعض السادة الاشراف قد تخلوا عن لقبهم وتركوا الاردن وكل من يستطيع المغادرة غادر، ومعظم مواطني عمان عادوا الي قراهم وقبل ذلك نشطت منظمة فتح في شراء المؤيدين ترغيبا او ترهيبا، ولم تسلم القوات المسلحة من نشاطها فقد تبين ان احد اعضاء الحكومة العسكرية من رجالها.
فتح سيطرت علي كل شيءويقول رشيد ان الملك حسين ابلغه بانه شخصيا تحمل ما لا يحتمله احد، وتحمل الاردنيون كثيرا وانه قرر الحسم فاستشار الملك مضر بدران لتشكيل حكومة عسكرية تخلف حكومة الرفاعي واعتذر بدران بسبب حالته الصحية وطلب الملك من رشيد البقاء في موقعه، وبدأ البحث عن وصفي التل وبعد مشاورات تم تعيين العميد محمد داوود رئيسا للحكومة العسكرية بعد اعتذار بعض الكبار. وقد رشحه وصفي التل وبعد تأليف الحكومة الجديدة مارس معظم الوزراء عملهم في مقر وزارة الدفاع لان الذهاب لمقرات الحكومة كان متعذرا ولن تجتمع الوزارة الجديدة ولا مرة واحدة فقد كان معظم نشاط الدولة عسكريا واستخباريا وفي 17 ايلول (سبتمبر) دخلت القوات المسلحة المدن الاردنية لطرد المنظمات وفوجئت الدولة بعريضة كتبها وزير الداخلية في الحكومة العسكرية صالح الشرع ووقع عليها بعض الوزراء تطالب الاردن بايقاف العمل العسكري والعودة الي التفاوض. ويقول اصحاب العريضة بانه لا علاقة لهم بما يجري وتزامن ذلك مع دخول القوات السورية شمال الاردن لاحتلاله ومع تشكيل حكومة بأمر من ياسر عرفات لادارة المناطق المحررة علي حد تعبير الفدائيين. وتم تعيين الدكتور حسن خريس حاكما عاما للشمال ومحمود الروسان قائدا عاما لقوات المحافظة التي تم تحريرها كما جاء في الاعلام. وكان واضحا ان الوطن البديل هو هدف العملية النهائي وعندما سارت الاحداث لصالح الاردن وبدأت القوات السورية بالانسحاب كان القادة اول الهاربين وقد اخذوا معهم كأسري حرب كبار الرسميين الاردنيين في محافظة الشمال من بينهم المحافظ احمد الهنداوي والرائد جميل ازمقنا مدير مخابرات اربد الذي ابلغ المؤلف في وقت لاحق بان حاكم الفايز تولي حمايته من الاذي في سورية قبل الافراج عن الجميع وعودتهم الي عمان. وفي العاصمة انهار عدد من الوزراء من الخوف وبدأوا يتلمسون الاعذار.
وانتقل الكاتب الي سلسلة من الاحداث الدراماتيكية ومن بينها فرار ثلاثة الاف جندي اردني باسلحتهم الي سورية تحت قيادة العميد سعد صايل للانضمام للقوات الفلسطينية التي ستغزو الاردن، كما اجتاحت منطقة الشمال اربعة الوية من خيرة القوات السورية ومعها اربعمئة دبابة حملت جميعها الاعلام الفلسطيينية باعتبارها قوات الفلسطينيين، وتوجهت القوات السورية الي مدينة المفرق وانسحبت القوات العراقية الموجودة من مواقعها لصالحها وفيما بعد اتصل الملك الحسين بالرئيس الامريكي نيكسون الذي حرك الاسطول السادس باتجاه شرق البحر المتوسط، كما طلب عبد الناصر من نور الدين الاتاسي الانسحاب فورا وكانت تلك نهاية حاسمة للاحداث، فقد فهمت دول المنطقة بان الولايات المتحدة انهت الانتظار والترقب. وبعد ذلك لاحقت القوات الجوية قوات السوريين المنسحبة حتي اوصلتها الي الحدود وطلبنا من العراقيين مغادرة الاردن وتحركت القوات المسلحة الي الزرقاء وتمت السيطرة علي الموقف.
وصول الوفود وخروج قادة المنظماتواستعرض الكاتب وصول وفود عربية كثيرة الي عمان والاجتماعات التي عقدت في منزل السفير التونسي حيث حضر رئيس اركان الجيش المصري محمد صادق والرئيس السوداني جعفر النميري ورشاد فرعون مستشار الملك فيصل بن سعود والشيخ سعد العبد الله من الكويت الذي كان مؤيدا لمطالب الاردن ومرددا لعبارة (اليوم عندكم وغدا عندنا في الكويت)، ولم تتقدم هذه الوفود بحلول حقيقية لكن الاجتماعات تواصلت فيما كان القتال الشرس يدور في عمان وعلي اطرافها وحضرت الوفود لا لبحث اصل المشكلة ولكن للتصالح وتبويس اللحي.
وتحدث الكاتب عن مفاوضات حصلت مع بعض المعتقلين من كبار قادة المنظمات في مقر المخابرات ومن بينهم صلاح خلف و ابراهيم بكر وفاروق القدومي و محمود المعايطة وعبد الرحمن العرموطي لكن القتال كان مستمرا، وهذه القيادات لم تكن تستطيع اتخاذ القرار بسبب غياب ياسر عرفات الذي كان مختفيا في احد المنازل في منطقة جبل الحسين، وفي مكان نعرفه جيدا وبادر ابو اياد بمشروع لايقاف ما يجري وسجلنا مع قادة المنظمات خطابا اذاعيا يلتزمون فيه بالقاء السلاح والتوجه الي مناطق جبلية علي ان تجري تسوية الامور جميعها فيما بعد وطلب الملك حسين الاجتماع لهؤلاء القادة فتم احضارهم في عربة مصفحة الي منطقة الحمر وعقد اجتماع شارك به ابو اياد والقدومي وابراهيم بكر، وكذلك احمد الطراونة وزيد الرفاعي وصلاح ابو زيد وحابس المجالي، ونذير رشيد ووافق الملك علي مبادرة ابو اياد، وسمح لهؤلاء بمغادرة عمان مع ابو عمار، وفي نفس الطائرة التي حضر بها جعفر النميري ومن المؤسف حسب الكاتب ان ابو اياد وبمجرد وصوله للقاهرة تنصل من البيان الذي اقترحه وقال انه مزور ثم بدأ العمل في الاردن علي خطة طواريء، وفوجئنا عن التقييم بمستوي الاختراق في مؤسسات الدولة وفي الجيش والاجهزة الامنية فقد تركت الجيش اعداد كبيرة من الجنود وعلي رأسهم سعد صايل ورفض كثير من قادة الجيش التعاون مع خطة المواجهة. وحصلت تطورات من بينها اعلان قائد الحكومة العسكرية محمد داود استقالته في القاهرة بعد الحاح من ابنته الوحيدة التي كانت مقيمة في الكويت. وعين عدنان ابو عودة وزيرا للاعلام فقد كان مثقفا وذكيا ويخدم وظيفته باحتراف وكفاءة دون اي اعتبار للمبدأ والاردن كان محتلا بالكامل فتم تعيين وصفي التل رئيسا للوزراء، وعين المشير حابس المجالي قائدا للقوات المسلحة وحاكما عسكريا عاما. وقبل ذلك كانت الاستخبارات الامريكية ترفض التدخل بل جاء مديرها في عمان جاك اوكونول للتفاوض مع الجبهة الشعبية وديع حداد حول الذين اختطفتهم الجبهة ورحلتهم الي مخيم الوحدات. ونجح في الاشراف علي النساء والاطفال الي ان تغير موقف الادارة الامريكية. وكانت تقارير قادة المنظمات تتحدث عن قدرتها علي السيطرة التامة علي الوضع واستبدال النظام السياسي. وتم التنسيق في ذلك مع سورية ومصر والعراق. وجمع وصفي التل قادة المنظمات واخذهم بنفسه لمشاهدة مراكز تجمعات الجيش وطلب منهم اخراج جميع المقاتلين من المدن ووقف جميع مظاهر التسلح والتمرد لان الجيش بعد هذا الاجتماع سيضرب بقوة. ودخلت القوات المسلحة صباح 17/9 الي عمان والزرقاء ثم السلط وعبرت باتجاه الوحدات ثم توجهت الي عمان، وجرت معارك عنيفة وتم اعتقال سبعين الفا من عناصر المنظمات وحضر مراقبون عرب لمراقبة اطلاق النار، من بينهم عبد الرحمن سوار. وكانت الاجتماعات والمفاوضات تجري الي جانب القتال والمعارك العنيفة. وكان تركيز الحكومة الي وقف التدخل في الحكم والقضاء والادارة. ومن المفارقات التي يذكرها الكاتب ان ابنة عمه واخت زوجته خزامي رشيد تولت قيادة المقاومة في اربد بعد انسحاب المنظمات. وكانت تفاوض وزير خارجية تونس الباهي الادغم وبعد ان اثبت النظام الاردني قدرته علي الحسم اختلف موقف الدول الغربية. وحضر وفد عسكري امريكي كبير نهاية شهر ايلول (سبتمبر) للاردن وقدم مساعدات كبيرة من مستودعات الامريكيين في المانيا. وحضر وزير الخارجية الامريكي وليام روجرز. وكان العراقيون يراقبون تقدم القوات السورية ويخططون لو نجح السوريون في تهديد النظام ان يتدخلوا ويسبقوهم لاسقاط النظام. وتم العثور علي كمية كبيرة من الاسلحة في مقر الجبهة العربية الموالية للعراق بقيادة منيف الرزاز وتم اطلاق رصاصة سامة اصابت مضر بدران وسرقت سيارة وزير الدفاع احمد طوقان بعد الاعتداء عليه وجرت عدة محاولات لاغتيال الملك حسين واحدة منها في منطقة ياجوز واخري في مدينة صويلح اسشهد فيها احد المرافقين، كما حاول الطباخ الشخصي للملك دس السم في طعامه، وتعرض قصر الحمر لقصف متكرر بالهاون وكان الجنرال ضياء الحق الباكستاني يشارك في القتال ضد الفدائيين في مدينة الزرقاء الي جانب القوات المسلحة. ما بعد ايلول (سبتمبر) نشط الكاتب في تذكر تفاصيل ما بعد ايلول (سبتمبر) حيث سعت دائرة المخابرات التي يترأسها للسيطرة التامة علي الوضع الداخلي في الاردن، واستلزم ذلك ملاحقة كل من اساء او اعتدي او شارك في القتال وقد تعاظمت الاعباء علي الجهاز بعد تسريح ما يقارب ثلث مرتبات الدائرة لارتباطهم بالمنظمات الفدائية، ولا سيما حركة فتح وفي عام 1971 هاجم الفدائيون مخفرا للشرطة في مدينة جرش وقتلوا اربعة رجال فاقتحمت القوات المسلحة الجبال والغابات في هجوم نهائي وكاسح قاده كما يقول الكاتب ضابط اردني برتبة رائد من بلدة كفر راعي في جنين، وهو الرائد محمد فياض الذي اصر علي قيادة الهجوم بسببب تعرضه لاهانات قاسية امام عائلته من قبل الفدائيين حيث قتل في نفس المعركة.
ويقول الجنرال رشيد ان الاعلام العربي بجميع وسائله المرئية والمكتوبة، كان مجندا لخدمة المنظمات بما في ذلك الاعلام المصري والسوري واللبناني والكويتي باستثناء الموقف المعتدل لجريدة السياسة، والصحافي احمد الجار الله وخصصت محطة صوت العرب موجة خاصة لمهاجمة الاردن، اما الصحافة الاردنية فلم تكن تستطيع المنافسة وقال الكاتب انه علم بان سيدة لبنانية معروفة كانت من اهم الداعمين للعمل الفدائي في الاردن قدمت للاسرائيلي ايهود باراك المعلومات التي ساعدت في اغتيال قادة المنظمات الثلاثة كمال عدوان وابو يوسف النجار وكمال ناصر وهذه السيدة كانت صديقة للنجار.
ويستعرض الكاتب محاولة الجبهة الشعبية لاختراق الاردن بعملية كان يقودها قائد ميليشيات حركة فتح المدعو ابو داود حيث رصدت تحركاته من قبل الرائد مصطفي القيسي ضابط المخابرات الذي علم بوجود خطة يشارك فيها عشرون فردا من العراق وسورية، وتقوم علي اساس اقتحام مجلس الوزراء واخذ جميع الوزراء رهائن ثم عرض مطالبات فتح وعلي رأسها الافراج عن معتقليها وكان الهدف البديل آنذاك احتلال السفارة الامريكية في عمان. وقال الجنرال رشيد انه امر بالقاء القبض علي جميع المتورطين، فتم اعتقال ابو داود بلباس عربي وهو برفقة فتاة تمثل دور زوجته، وكانت تنام معهم في شقة استأجرها قرب مقر صحيفة الرأي، ووقع ابو داود علي اعترافات كاملة ثم اقترح هو شخصيا الادلاء بكل ما لديه عبر شاشة التلفزيون الاردني وهو ما حصل.
وتحدث الكاتب عن محاولة انقلاب اخري عام 71 تورط بها حزب التحرير الاسلامي بالتعاون مع ليبيا التي كانت تمول تنظيما عسكريا سريا في الاردن بقيادة رافع الهنداوي احد قادة الحراسات في الديوان الملكي واعتقل جميع اعضاء التنظيم وتم التحفظ علي اموال ارسلت من ليبيا عبر دمشق.