خليل قانصو يحق لنا، وقد مضى على انطلاقة الحراك الشعبي ضد سلطة صاحب الجماهيرية الليبية شهر ونصف الشهر تقريبا (17 شباط/فبراير) أن نتساءل عن المعنى الحقيقي الكامن وراء ما تشهده ميادين القتال من عمليات ‘كر وفر’. فتارة تتراجع كتائب العقيد ويتقدم ‘الثوار’ إلى حد يجعلنا نظن أن الأمور اقتربت من نهاياتها، وتارة ثانية تنقلب موازين القوى فجاة، لصالح الكتائب فتزدحم مركبات ‘الثوار’ على الطريق الساحلي متجهة نحو الشرق، فرارا من صواريخ وقنابل وبطش العقيد. وتوخيا للدقة، يتوجب القول ان الظاهر يدل على أن الضربات الجوية التي ينفذها الطيران العسكري لبعض الدول الغربية هي التي تنظم ايقاع تحرك طرفي النزاع في ليبيا رواحا ومجيئا بين مدينتي بنغازي وسرت. تتقهقر قوات العقيد عندما تتعرض لقصف هذا الطيران، فيملأ ‘الثوار’ المواقع التي أخلتها، ولكن ما أن يتوقف القصف، حتى تعود القوات إلى مواقعها، تحت غطاء كثيف من نيران المدافع والقذائف. وهذا ليس مستغربا، فلدى العقيد أموال طائلة وعتاد عسكري كثير. ومهما يكن إن ما يهم في هذه المسألة هو توقف القصف الجوي أياما، ثم معاودته أياما أخرى. وهذا يرتجع أمام المراقب معطى أساسيا يقول بأن الحرب والسياسة، كل منهما امتداد للآخر. ‘الحرب هي امتداد للسياسة بوسائل أخرى’. غني عن البيان أن الحراك الشعبي في البلاد العربية أثبت أن بعض الحكام لا يتورعون عن استخدام القوة العسكرية وكل ما في ترسانتهم من سلاح، من أجل بقائهم على رأس السلطة في بلادهم، وهم لا يترددون أيضا بطلب المعونة من الدول الغربية اذا اقتضى الأمر ذلك. وبكلام أكثر وضوحا أن السلطة بالنسبة لهؤلاء الحكام هي أغلى من الشعب ومن البلاد. فلا انقسام المجتمع يخيفهم ولا خطر تجزئة البلاد يردعهم، رغم أن الكثيرين منهم يحتلون منصب الرئاسة منذ سنوات طويلة، من دون الارتكاز على شرعية حقيقية، إلى حد أن تمييز النظم الجمهورية من النظم الملكية المطلقة بات مستحيلا. ولعل مأزق الدولة العربية، كما تبدى لنا في الأشهر القليلة الماضية، هو نتيجة لهذه النوعية من النظم التي يترأسها حكام تنبذهم أكثرية الناس. ولكن بقاءهم أو رحيلهم، لا يتقرر في الواقع في داخل البلاد، بل في خارجها أي في الولايات المتحدة الأمريكية بوجه خاص. وطالما أن قرار العزل لم يصدر عن الجهات الغربية المعنية، فإن الرئيس العربي يستطيع التصرف كما يشاء ضد المتظاهرين والمعتصمين، ‘لقد وجهنا الحكومة لتهتم بمطالب المعتصمين’ كما يقول السيد علي صالح الذي تولى منصب الرئاسة في اليمن سنة 1978! السؤال إذن هو كيف يعيش الناس في بلد تحت ظل سلطة رئيس يمارس القمع ضدهم وينتهج سياسة لا تخدم مصالحهم في الحاضر والمستقبل، فضلا عن أنه ألغى أو عدل مواد الدستور واشترع القوانين، لكي يستطيع البقاء في السطة مدى الحياة، أي أن احتجاج الجماهير الشعبية ضده واعتصامها في الساحات ليل نهار، وتجرؤها على مواجهة أجهزة الأمن وثباتها رغم سقوط القتلى في صفوفها، أعمال لا جدوى منها ما لم تضع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها في الغرب حدا لبطش الرئيس، وما لم تطلب منه التنحي او الرحيل. وخلاصة القول ان التغيير ليس ممكنا، في الدولة العربية إلا اذا توفر شرطان لازمان وضروريان، الأول هو أن يتحالف نظام الحكم مع الشعب لإسقاط نفسه! وهذا مستحيل أو انه لا يتحقق إلا إذا حدث انقسام في حاشية الحاكم. أما الثاني فيتمثل في تخلي الإدارة الأمريكية عن النظام ورئيسه ودعم معارضيه وحمايتهم من التصفية. ولهذا الموقف أسباب بالطبع، لسنا بصدد البحث في تفاصيلها في هذا الموضع. والمحصلة في هذه الحال هي استبدال الانقياد لمشيئة النظام بالانقياد لمشيئة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها. ومقاربة الفروق بين هذه وتلك يطول ولا يتسع له المجال هنا، ولكن بالنظر إلى أن من نتائج نظام حكم الفساد والاستبداد في المجتمع، هبوط مستوى الوعي وتراجع الإحسساس بالمسؤولية وعدم القيام بالواجبات، ناهيك عن الجهل والنهم باللذة والانسياق للشهوة، فمن المحتمل أنه لا توجد خيارات سوى التملق والإذعان، مقابل السجن والتعذيب والموت، أو الهجرة. ولأعد عودي، من بعد إلى المسألة الليبية حيث الكر والفر، كما لمحت أعلاه، لأقول ان الولايات المتحدة الأمريكية، كشفت عن الكلفة الإجمالية، بمليارات الدولارات، للعمليات العسكرية التي نفذتها حتى تاريخ الأمس فوق ليبيا، بالإضافة إلى الكلفة الشهرية للعمليات التي تنوي القيام بها من الآن فصاعدا. واستنادا اليه، فلا شك أن الليبيين سوف يسددون هذه الفاتورة وغيرها. ولكن اللافت للنظر هو أن الولايات المتحدة الأمريكية تتوقع أن تستمر هذه العمليات أشهرا. هذا من ناحية، أما من ناحية ثانية فمن الملاحظ أن الغارات الجوية الكثيفة واطلاق الصواريخ الموجهة ضد قوات العقيد ومستودعات أسلحته تتوقف من حين إلى آخر، فإذا بهذه القوات تبادر إلى الهجوم وتستعيد المواقع التي فقدتها بسرعة مذهلة، وكأن خسائرها طفيفة، أو إعلامية فقط، أو أنها تعوّض هذه الخسائر، من العديد والعتاد، بواسطة مدد يأتيها على الأرجح عبر حدودها الجنوبية. ينبني عليه أن ما يجري من أحداث ليس محصورا، بين بنغازي وسرت. ومن غير المستبعد أن تندرج في هذا السياق، استقالة وزير خارجية الجماهيرية وسفره إلى انكلترا، في موازاة وصول مبعوثي الدول الغربية لدى المجلس الانتقالي إلى بنغازي. وبتعبير آخر، من البديهي أن القصف له أثمان واجور، يختلف بحسب نوعه وكميته ومدته، يـُدفع جزء منها نقدا بالدولار وجزء على شكل صكوك اقتصادية وسياسية مؤجلة.
ولكن إذا كان إعلان الولايات المتحدة الأمريكية عن الكلفة الشهرية لعملياتها فوق ليبيا، يـُفهم منه أن النزاع بين قوات صاحب الجماهيرية من جهة والجماهير الليبية من جهة ثانية سوف يطول، فمن المحتمل أننا حيال قضية تتجاوز حدود ليبيا. إذ أن المعارك التي اضطرت كتائب العقيد إلى خوضها ضد مدن وبلدات في شرق البلاد وغربها، تدل على أن قطاعا كبيرا من الليبيين يرفضون سلطته. وإذا تأكدت صحة هذا الاستنتاج، فإنه يعني أن العقيد يقاتل بسلاح وجنود يأتونه من تشاد والنيجر، اللذين لا يطالهما الحظر الجوي، وبالتالي يمكن للعقيد استيراد السلاح عن طريقهما وبواسطتهما. أكتفي من هذا الاستطراد لأقول، باختصار شديد، ان اعتماد العقيد على تشاد والنيجر من شأنه أن يوسع دائرة الخطر، لا سيما وأن تشاد تلعب دورا، في السودان وفي إقليم دارفور تحديدا، أي جنوب مصر هذا من جهة، أما من جهة ثانية، فإن الأوضاع في النيجر ومالي وموريتانيا تؤثر على استقرار الجزائر. ومن المعروف أن هذه البلاد عرفت في المدة الأخيرة اضطربات على خلفية وقوع مواطنين أوروبيين رهائن في أيدي جماعات مسلحة، فضلا عن وجود قواعد عسكرية غربية، وحضور استخباراتي في تشاد والنيجر ومالي. وهذا يعني أن المسألة الليبية تبدو شديدة التعقيد. ان الليبيين في خطر. ولكن الشعوب تنتصر إذا وضعت بنفسها مشروعها الجمعي وإذا أرادت الحياة. لماذا لا يتخلى العقيد عن نرجسيته ويحذو حذو من سبقه من حكام العرب، فيتنحى أو يرحل حتى يتوقف القتل في ليبيا وحتى لا تتجزأ أرضها. أن الحراك العربي أظهر الرؤساء العرب على حقيقتهم، ملوكا تحجرت عقولهم فعجزوا عن ادراك متغيرات ومتبدلات الزمن فظلوا يعتقدون ان البلاد ملكية لهم وأن الناس عبيد لهم. ‘ كاتب عربي[email protected]