عايد مرارلم تعرف البشرية في تاريخها على الاطلاق شعبا خضع لاحتلال قسري من قبل طرف خارجي الا ودخل في قاموس هذا البلد اللغوي مصطلح جديد سرعان ما ينخرط في كينونة هذا الشعب ويصبح مقياسا يقاس به كل زعيم جديد له، سواء اكانت هذه الزعامة واقعية ام معنوية وهذا المصطلح هو بالتأكيد المقاومة. ويتقدم هذا الزعيم او يتأخر في قلوب جماهيره بالقدر الذي يكون اسلوبه المقاوم مقنعا لهم اكثر او مشعرا لهم بانهم باتوا باسلوبه المقاوم هذا او ذاك اقرب الى الهدف العام الاساسي والمشترك لكل الشعوب المحتلة عبر التاريخ والمتمثل بالحرية. وتكاد هاتان الكلمتان المقاومة والحرية تتلازمان عند كل مفاصل التاريخ البشرية. وفي فلسطين التي تعاني اخر الاحتلالات في التاريخ البشري وان استثنيناها في ظرف ذاتي او موضوعي معين الا انه لا يمكن استثناؤها من معادلة الحرية والمقاومة السابقة. وبعيد اوسلو بدا واضحا حجم الارباك في الثقافة الفلسطينية تجاه معادلة الحرية والمقاومة، بسبب اتفاقية جدلية دفعت بعض الناس للشعور بان حريتهم تتمثل في هذه الاتفاقية او ان الطريق اليها تكمن في هذه الاتفاقية. وهناك من اعتقد انه بتغيير ادوات الفعل الفلسطيني يمكن ان نبني الحرية على هذه الاتفاقية. وما هي الا سنوات معدودة كانت كافيه للاقتناع بان اوسلو لا يمثل الحرية الفلسطينية ولا يقود اليها. ولقد عاد من صنع اوسلو الى الاحتكام الى المعادلة البشرية الأساسية من جديد احتلال ـ مقاومة ـ حرية. وفي خضم هذه العودة كان اوسلو قد اخرج الى السطح زعامات لم تتأسس على المعادلة اياها، بل جاءت على اساس الزعامة في الدول المستقلة، حيث رأس المال او التكنوقراط او العلاقات العامة. وبعضهم كان قد انخرط في المقاومة فتعب على غير عادة المقاومين او من تزين لبرهة بالمقاومة من اجل تلميع زعامته بشكل شعبي، ولم يرض هذه الزعامات ما اراده الشعب في العودة الى جوهر الصراع الانساني بين العبودية والحرية. فوجدوا متسعا لمحاولاتهم الدؤوبة اعادة انفسهم الى دفة الزعامة بعد ان كادت تتلاشى قوتهم من افئدة المجتمع الفلسطيني المحتل، ولقد كان لضغط المحتل الهائل على كل مكونات صمود المقاومة، بسبب الفرق الشاسع بين ميزان القوتين، او بسبب سوء التكتيك المقاوم وعدم القدرة على استخدام واستنهاض كل مكونات المقاومة الفلسطينية. ولم يدع هؤلاء فرصة للمقاومين بالتقرير بان هذا النكوص هو في صلب طبيعة الصراعات الانسانية بين المقاومة والاحتلال من مد وجزر، بل ارادوا وبسرعة اقناعهم ان خيار المقاومة هو خيار فاشل والا حل الا بالعودة الى اروقة اتفاق اوسلو الميت اصلا ولو على اطلاله. والغريب عن تاريخ الصراع هو الانقسام الذي سببه النزاع بين مقاومة متصلبة لا تؤمن بالديناميكية وتغيير التكتيك بما يتلاءم مع ما يستجد من ظروف ذاتية وموضوعية، واخرين يصرون ان يعيشوا لوحدهم في بيئتهم المناسبة لهم وحدهم ويصرون على ان اطلال اوسلو هي قلعتنا الوحيدة المتاحة. ولقد كانت المقاومة الشعبية صوتا يعلو ومحاولة تبنى في مرحلة الجزر هذه تقول ان من الاجدى تغيير اسلوب المقاومة والحفاظ على روح المعادلة الطبيعية بين الاحتلال والحرية وما بينهما ولقد تعمدت هذه المحاولات بالدم وتكللت بالكثير من النجاحات الجزئية التي يمكن ان يبنى عليها وتطويرها لتحقق الانتصار الذي يتجلى بحرية الشعب الفلسطينية وتوضيح خطورة العودة الى ما ثبت انه لا يصل الى حرية فلسطين ولا يشكل طريقا لها، بل ان هذه المحاولات قد بدأت قبل تراجع المقاومة العسكرية الفلسطينية لتوقعها هذه النتيجة الحتمية بين مقاومة متصلبة عند اسلوب لا نستطيع تبريره ولا يمتلك مقومات النصر خصوصا في هذا الزمن ومع هذا النوع من الاحتلال. ولكن المقاومة الشعبية لم تستطع ان تجر الماكنة الشعبية من ايدي الزعامات الفلسطينية في مرحلة جزره، حيث بقيت هذه الزعامات بشقيها تتحكم بتشغيل هذه الماكنة كما تريد فلقد بقي الاعلام والمال والسلطة النقابية والاهلية والرسمية والميزان الاجتماعي بيد تلك السلطات المتنازعة، بين جناحي الوطن الفلسطيني المحتل تحركها وتوجهها نحو أي هدف تريده غير المقاومة، فمنذ الانتفاضة الاولى لم نعد نرى الزخم الجماهيري الا لتشييع شهيد او التصفيق لاحد اطراف الزعامة الفلسطينية المنقسمة.
وبعد ان قتلنا الامل باستنهاض روح المقاومة عند الزعامة الفلسطينية بسبب هذه المنظومة المعقدة التركيب في قمة الهرم السلطوي الذي تأسس بكامله على اساس لا علاقة له بالمقاومة لا على الجانب الاقتصادي ولا على الجانب الاجتماعي او السياسي ولا حتى على الجانب الامني، جاء خطاب الرئيس محمود عباس في الامم المتحدة خطوة سياسية عملاقة الى الامام تنم عن براعة في التكتيك السياسي. الا انها لا تستطيع تغيير معادلة الربط الإنسانية الطبيعية (احتلال مقاومة حرية). فجاء اعلانه الواضح تبني المقاومة الشعبية كاستراتيجية نضالية فلسطينية ليضع كل عمل المقاومة الشعبية لعقد من الزمن في زاوية صغيرة صار اصحابها يخجلون منها، فماذا تكون فعالياتهم عبر هذا الزمن الطويل بجانب نشاط واحد من المقاومة الشعبية التي يحركها محمود عباس رئيس منظمة التحرير الفلسطينية صاحبة قوافل الشهداء البالغة في الطول وشلال الدم الطاهر الذي سال على مذبح حرية هذا الشعب. وصار هؤلاء الذين كانوا يشعرون بانهم قادة مناضلون في زمن الردة والتخاذل يطمحون ان ينالوا فرصة ان يكونوا مجرد اتباع في خضم المعارك الجماهيرية الفاصلة القادمة واصبحنا كحالمين باستنهاض المقاومة الشعبية في فلسطين، ننتظر مليونيات فلسطينية، احداها تستهدف اغلاق الطرق على مقر قيادة الاحتلال في بيت آيل على مرمى حجر من مقر القيادة الفلسطينية في المقاطعة، ومليونية اخرى لتحرير الاف الاسرى الفلسطينيين الذي نسمع صرخاتهم وصوت السياط التي تجلدهم في معتقل عوفر الاحتلالي العسكري من مقر الامن الوقائي الرئيسي في الضفة الغربية، ومليونية اخرى لطرد 400 مستوطن من قلب مدينة الخليل التي يحيطهم بها اكثر من مئتي الف فلسطيني. وجمح بنا الخيال الواقعي لمليونية تعيد فتح مطار قلنديا الفلسطيني. وبدأنا نحصي كم مليونية نحتاج حتى ننال حريتنا لا سيما وقد رأينا ماذا تعمل المليونيات الصادمة في المقاومة الشعبية ضد الظلم والقهر والاستبداد لدى شعوب تعلمت منا منذ ما يقارب الربع قرن آليات المقاومة الشعبية. صحونا اليوم من احلام اليقظة على احد مستشاري ابو مازن وهو يترجم ما قصده محمود عباس من مصطلح مقاومة شعبية وهو استخدام الفيسبوك في جمع الناس على المنارة ومراكز المدن بعيدة عن نقاط الاحتكاك مع العدو والعمل على تعميم صور اليهود المتضامنين معنا عبر الانترنت الى كل ارجاء العالم، كذلك تعميم صور الغطرسة الصهيونية على الارض الفلسطينية لينتقل الفلسطيني من دور الفعل الضاغط على الاحتلال الى دور الصحافي الذي يعكس نشاط اليهود في فلسطين سواء اكان معنا ام علينا. ادركنا حينها ان هذه القيادة لا تصلح لقيادة المركب الفلسطيني تجاه حريته، وادركنا ان ابو مازن حتى لو كان صادقا فقد طوق نفسه بجيش من المتخاذلين لا يستطيع نفسه ان يفلت من قبضته، وان هذا الجيش لا يمكن اعادة تأهيله وتسويقه بين الناس على انه مناضل لان طبيعته غير ذلك وقد انتصر من قال ان الطبع غلب التطبع.’ كاتب فلسطيني