عناية جابر
على النقيض من سنواتنا العربية الماضية، هذه السنة حارّة، شديدة هبوب الرياح. السماء تتصرّف كإحدى بنات الليل، تلوّن نهاراتها ومساءاتها بتدرجات الأحمر، القاني خصوصاً. في الهواء العربي رائحة معدنية تصقل الشوارع، تنحت قلب البيوت والشرفات، تُطبق عميقاً في الرئة.
الرائحة المعدنية تنفذ من شاشة التلفزيون، والآن وقد لاحت بشائر تظاهرة تأتي من أول الشارع، تبدو في موازاتها عالياً، بعض التشكيلات الزرقاء، تتراكض في السماء.
في الخارج عصف ريح وبشر، شباب على الأكتاف، وأشجار مقلوبة جذوعها في الهواءوأغصانها تكنس الأرض. حتى لو أقـــفلت الجهــاز، الهتاف يبقى.
نعمة مذهلة هذه الجماهير، أصواتها عذبة ومن وجع قديم. تحت شمس كما لو مُكورّة من ورق ذهبي، تداعت ومشت ناس بلدات كثيرة، واكتملت دائرة الغضب. أصوات تهدر مجتمعة، كنت تائهة من دونها، والآن وجدت نفسي. الكاميرا تُظهر الشيء الذي لن يكون تكذيبهُ ممكناً. مع ذلك يبقى غير مرئي في عقول ورؤوس المشككين. ناس عاديون ابطال: نساء الأماكن النائية، يرفعن قبضة ويزغردن بقبضة. جدّات أودعن لديهن أطفال الحي لتشترك أمهاتهن بالتظاهرة. صوت مبحوح يُمكنّهُ نقصانه من أن يكون كاملاً. زهرة ممعوسة دستّها فتاة في صدرها ولحقت بصحبها في التظاهرة. المسنون الذين يرفعون أجساد الشبّان المحطمة، والشبان الذين يحمون المسنين بصدورهم من الرصاص الذكي، والأهل ابداً، يمسحون الدمعة وارتجافة الخوف عن جلد أولادهم. هذه أوطاننا يا سادة. نريدها على مقاسات أحلامنا. نريدها لنا، أوطاناً حقيقية.
لا نتكلم عن السماوات، خذوها. نتكلم على أوطان حقيقية على الأرض، ليس عن بيت اشتريناه، او شارع نسلكهُ، أو جار نُحييه، أو سروة في أعلى الدغل. لا نتكلم عن وطن مُغلق على من فيه، ممنوع على من هم خارجه. وطن من أجلنا وحدنا دون أوطان العالم، نهتف فيه ولأجله، أعظم من كل الرؤساء وأقوى من هراواتهم المسمومة. وطن حقيقي وليس أضغاث وطن، أو بلد تعوّدناه وأرض ألفناها. وطن عن جدّ، ولنا وحدنا، كبر معنا منذ المطر الذي كان جديداً، وقبل أن تنسى الأشجار الغناء، والطيور فضاءاتها. وطن بالضبط، حيث ولد ذوونا وماتوا، وحيث أطفالنا يمكنهم أن يكبروا من دون حيطان سميكة، وآذان متنصّتة، وافواه مُكمّمة. نريده وطناً كبداية العالم.
في الظلام النظيف لليل، نلعب لعبة الأموات. نستعير شهيتهم الى الصمت. نستعير نسيانهم الألم، لكننا نسأل السؤال الوحيد الذي علينا سؤاله: لماذا؟ من أجل ماذا ومن؟ وباستثناء هذا السؤال، لانسأل. نبرة أصواتهم تروي القصة الأزلية نفسها: الهلاك، والتعذيب والخداع، لمن يرتجي وطناً.
كل نهار جمعة، تطرد العتمة جموع البائسين الى خارج الحيطان الصلبة، تطردهم الى الشوارع ودفء الحشد. هذا الوطن كحافر حصان، مفتوح كفم طفل رضيع، ولا مكان فيه لإخفاء صرخة أو فضيحة. نهار الجمعة بشكل خاص، نبدأ نبتسم منذ الصباح، ابتساماتنا الجميلة التي تشعّ حباً وبإمكاننا اخفاؤها فجأة بمكر لذيذ، ولسنا ننتظر سوى الخلاص، والآن وقد اقترب، فإننا على أتمّ الإستعداد.
لسنا في وارد الرحيل الى بلد آخر، وهتافنا يبقى مثقلاً بالإصرار، واضحاً وضاجاً.
الصمت خرسٌ مُبّطن بالأسيد، ونريد أن لا نكفّ عن الهتاف بآمال دافئة كالقهوة. كما نحتاج الى مصابيح في الليل ليرى واحدنا الآخر، لترانا باقي الشعوب، ونحتاج الى الهواء، والى عقول مستقيمة تماماً. أمّا البصيرة!! فكلما ازداد الوضع ظلمة، اصبحت بصيرتنا مذهلة.
ثمة شيء ناعم جداً في نهارات الجمعة، لكن بوسعه أحياناً أن ينفخ البحر نفسه. هذا الهتاف جسم يتلاطم في الهواء، متمهلاً وثملاً، لكن عالياً. الأفواه فوهات براكين ضخمة، حمراء مُنذرة ومزلزلة. كأنه طفل، يرى الطغاة هذا الوطن، يبقرون بطنهُ. يرونه كقالب ‘كاتو’ يقطعون جسمهُ الى نصفين.
ليس هناك ما هو أشدّ ضجراً من سماع أحلام الآخرين. آن لنا أن نسمع أحلامنا، نُخرجها الى الضوء، ننبش ما هو مدفون في كهوف الروح. الهتاف والنشيد توطئة، الهتاف والنشيد ليسا أعمالاً انتحارية، بل طقوسية تمهيدية لحلول السلام. عروض بسالة وبراعة.
إثر حركة كاميرا بطيئة، تلبث الصور طازجة في رأسي. هتاف مديد ومأساوي وضع شجاعتي على المحك. شوارع وأحياء مكتظة بالناس خرجوا اليها في غرض وحيد: حرية.. حرية. ممسكين بأيدي بعضهم بعضاً تهب روحك لمؤازرتهم. قالت لي ندى ان التعوّد على الحرية يحتاج الى وقت!! . مستعدون لكل هذا الرصاص، لكل هذا الرعب في سبيل هذا الوقت كي نكون احراراً على أكمل وجه، من دون أن نُخطىء في تفصيل واحد. حين تنتصر هذه الثورات وتبلغ كمالها، أتأهب للتمتع ببضعة أسابيع من الوحدة، من دون تلفزيونات ولا نقل مباشر ولا خبر عاجل. بضعة أسابيع من الوحدة من دون حشود ولا دمّ. بضعة أسابيع من الوحدة (التي هي حقيقتي الأصلية)، فالعودة الى الذات لا تقّل إثارة عن الوقوع في الحب. لا تقّل سحراً وروعة، انها إندفاعي الجنوني الى الداخل ثانية، ويتطلب انكباباً متعصّباً. لقد غصت في أحلام الناس حتى أذنيّ، برهبة من يجهل المخاطر. الآن حيال هذه الإبتسامات المشرقة وسلام الوجوه، أحتاج صمت أناملي وحنجرتي وعيوني، أحتاج شرنقتي والإلتفاف الرضيّ في أعمق أعماقي.