سامي مهدي’ إلى مقاتلي مصراتة البواسل’ ينهضون معاً من مدافنِهم، أولَّ الليلِ، مستنفَرينَ، يطوفونَ حولَ المدينةِ، ثم يجوبونَ أحياءَها وشوارعَها، يطمئنّون أن الرفاقَ يؤدونَ واجبَهم، مثلما عهدوهم.( كمائنُهم تتربَّصُ عند مداخلِها، ونقاطُ الحراسةِ ساهرةٌ كلُّها )فيحيّونهم( ويكاد الرفاقُ يردّون همساً تحيَّتَهم )وقد يقفونَ قليلاً، وقد يُنصتون إلى طُرَفٍ من أحاديثهمعن وقائعَ مرّتْ ولم يحضروها، ويبتسمونْ.
ومتى ما اطمأنّوا مضَوا لتفقّدِ من ظلَّ من أهلِهمفي جيوبِ المدينةِ، حتّى إذا انتصفَ الليلُ، جاءوا جميعاً إلى ساحلِ البحرِوافترشوا رملَه، يسمرونَ، ويروونَ ما عزَّ من ذكرياتٍ عن الكرِّ والفرِّ، والحبِّ والموتِ، يروونها، ويغنّون، أو يضحكونَ، ويتَّفقون، أخيراً، على أنَّ مصراتةَ صامدةُ بعدُ، لم تتغيَّرْ، ولن تتغيَّرَ، صامدةٌ، هي والبحرُ صنوانِ:
حوريّةٌ وضعتْها السماءُعلى ساحلٍ ناحلٍ بين رملٍ وماءٍلتبقى إلى أبدِ الدهرِأعجوبةَ البرِّ والبحرِ في حلمِ العابرينْ.
وفي آخرِ الليلِ ينسحبون معاً، ليعودوا غداً، ثمَّ بعد غدٍ، ثمَّ بعدُ وبعدُ، إلى أن ترفرفَ في الريحِراياتُ نصرٍ مبينْ.