مصر تقف حاليا على فوهة بركان، وتستعد للقفز نحو هاوية قد تكون بلا قرار، ولهذا لم يكن مفاجئا ان تتخذ المؤسسة العسكرية فيها الاجراءات الاحتياطية اللازمة لانقاذ ما يمكن انقاذه، وتبدأ في تعزيز وجودها ميدانيا لتأمين المنشآت العامة في مختلف مدن البلاد.
نزول الجيش الى الشوارع قرار حكيم لان مصر تنتظر مظاهرتين ضخمتين، الاولى تنظمها حركة الاخوان المسلمين يوم الجمعة، والثانية حركة تمرد المعارضة يوم الاحد.
الفريق اول عبد الفتاح السيسي وجه انذارا شديد اللهجة للنخبة السياسية في مصر بان امامها خمسة ايام لتسوية خلافاتها وانهاء حالة الشلل التي تعيشها البلاد، واكد ان الجيش المصري لن يسمح بانهيار الدولة ومؤسساتها وسيقف الى جانب الشعب المصري وحماية مصالحه وامنه الوطني والقومي.
النخبة السياسية المصرية فشلت في الارتقاء الى مستوى المسؤولية، وانتهاز فرصة هذا الانذار للدخول في حوار جدي حقيقي للوصول الى اتفاق يحقق التعايش ويقود البلاد الى بر الامان.
البلاد تعيش ازمات طاحنة: ازمة في الوقود واخرى في الكهرباء، وثالثة في انعدام الامن، ورابعة في البطالة والتأزم الاقتصادي، وكل هذه الازمات تتفاقم بينما الاحزاب السياسية تتناحر فيما بينها وتتقاتل.
الشعب المصري الذي فجر ثورة غير مسبوقة اطاحت بنظام ديكتاتوري عميق الجذور في الفساد ونهب المال العام وجد نفسه امام نخبة سياسية غير ناضجة تكره بعضها البعض اكثر مما تكره النظام السابق، بل ان بعضها لم يتردد في التحالف مع الحزب الوطني الحاكم الذي كان يتزعمه الرئيس مبارك نكاية بحركة الاخوان المسلمين التي تريد جبهة الانقاذ المعارضة اطاحة رئيسها محمد مرسي.
ارسال المدرعات لحماية المنشآت العامة والمدينة الاعلامية في السادس من اكتوبر على وجه الخصوص، دليل واضح على انعدام الثقة بقدرة المؤسسة الامنية على حفط الامن، والسيطرة على اعمال الشغب والصدامات التي يمكن ان تتفجر بسبب حالة الاحتقان في الشارع المصري نتيجة التحريض المتبادل بين الجانبين.
المؤسسة العسكرية المصرية اظهرت قدرا كبيرا من ضبط النفس والمسؤولية في الوقت نفسه عندما تدخلت لاقناع الرئيس حسني مبارك بمغادرة السلطة حقنا للدماء، وتصرفت بمسؤولية اكبر عندما سلمت الحكم للمدنيين، لكن هذه المؤسسة تعرضت للاهانات والشتائم في المقابل، وقادتها ما زالوا يشعرون بمرارة عميقة وهم يتذكرون الهتافات التي كانت تطالب باسقاط حكم العسكر.
الجيش المصري قد لا يكرر خطأه السابق هذه المرة، واذا قرر استلام الحكم، وهذا بات مرجحا، للحيلولة دون حدوث فوضى وفراغ سياسي ودستوري، فانه لن يسلم الحكم بسهولة.