موقعية المرأة في المجتمع الجبلي الريفي ترصدها الكاتبة حنين الصايغ في روايتها «ميثاق النساء» الصادرة حديثا عن دار الآداب. وهي تفعل ذلك من خلال بطلة الرواية وراويتها أمل بو نمر، في تنقّلها بين أطوار الخطبة والزواج والحمل والولادة والطلاق، وتموضعها بين سلطتي الأب والزوج، وترجّحها بين ما تريده وتحلم به، من جهة، وما يُفرَض عليها من الهيئة الاجتماعية، من جهة ثانية، ما يستدعي أن تخوض صراعا مزدوجا، خارجياّ وداخلياّ، تكون له نتائجه وتداعياته عليها وعلى المحيطين بها.
الجامعة الأمريكية
في هذا السياق، تحلم الطالبة المتفوّقة أمل بو نمر، ابنة الخامسة عشرة، بمتابعة الدراسة والدخول إلى الجامعة الأمريكية، وهو حلم مشروع في كلّ المقاييس. فتصطدم بممانعة الأب في البداية لأسباب اجتماعية» عندنا ممنوع على البنات أن يدخلن الجامعات ويذهبن إلى المدن»، ومالية «ما في مصاري. من وين بجيب؟!». وحين يتقدّم لخطبتها سالم التاجر الثري، ابن الخامسة والعشرين، تشترط عليه أن يسمح لها بمتابعة دراستها الجامعية للموافقة على الارتباط به، ما يجعل من الزواج صفقة بين الطرفين بمعزل عن وجود الحب أو عدمه، حتى إذا ما حان موعد الوفاء بالجانب المتعلّق به من الصفقة، وهو التاجر المحنّك، يلجأ إلى المماطلة والتسويف، فتقوم بالتسجيل في الجامعة الأمريكية دون علمه. وإذ يحين موعد التحاقها بالجامعة، يشترط عليها إنجاب طفل للموافقة على ذلك «لن تلتحقي بأي مكان قبل أن أحصل على طفل»، ما يشكّل صفقة ثانية تضاف إلى الأولى. وحين يقسرها على التلقيح الاصطناعي للإنجاب تشعر باستباحة جسدها ومصادرة حقها في التصرّف به، حتى إذا ما فشلت العملية، وأراد أن تعيد الكرّة تربط موافقتها على الأمر بالسماح لها بالالتحاق بالجامعة، ما يشكّل صفقة ثالثة بين الطرفين.
فجوة عاطفية ومعرفية
إزاء هذا النوع من العلاقة الزوجية القائمة على الصفقات، وتلبية رغبات الزوج الجنسية والإنجابية دون الأخذ بعين الاعتبار رغبات الزوجة وحقّها في التصرّف بجسدها، تقوم فجوة عاطفية ومعرفية بين الزوجين، ويقتصر المشترَك بينهما على العيش معا والتواصل الجسدي بتوقيت الزوج، ما يجعل الزوجة تنطوي على نفسها في البيت، وتعتزل العالم الخارجي وتُصاب بالاكتئاب، حتى إذا ما التحقت بالجامعة، يشكّل التحاقها الخطوة الأولى في مسافة الألف ميل نحو الشفاء. ويزيد الطين بلّة حين تحمل الزوجة على كره منها، وتنجب طفلتها رحمة، ما يطرح الاصطدام بين القيام بواجباتها الزوجية والأمومية، من جهة، والقيام بواجباتها الجامعية، من جهة ثانية، وهو اصطدام تكون له تردّداته، على المدى الطويل، ولعل أقواها الطلاق بين الزوجين. وهكذا، تدفع أمل ثمن حريتها وطموحها، ويدفع سالم ثمن أنانيّته وذكوريّته، وتدفع رحمة ثمن الحصرم الذي أكله الوالدان.
صورة سلبية
بناء على هذه الوقائع، يتبيّن لنا أن الصورة التي ترسمها الصايغ للأب والزوج، هي صورة سلبية بامتياز. فالأب لا يسمح لابنته بمتابعة الدراسة الجامعية، ولا يتورّع عن تعنيف ابنته الأخرى نيرمين، ويوافق على زواج أمل في سن مبكّرة، لاعتبارات مختلفة، يختلط فيها الديني بالاجتماعي. والزوج يماطل في تنفيذ وعوده، يضيق ذرعا بطموح زوجته، يشعر بالنقص إزاءها، يرغمها على التلقيح الاصطناعي، لا يسمح لها بمراجعة طبيب نفسي، ويريدها مجرّد أداة للمتعة وآلة للإنجاب. والمفارق أنّ أمل، الانطوائية، المقلّة في الكلام وذات الصوت المنخفض التي تعوّدت الصمت منذ الصغر إيثارا للسلامة، واعتادت أن تبتلع صوتها حين ينبغي أن ترفعه، استطاعت أن تتحمّل هذه الضغوط، وأن تواجه الأب بالقول: «أنت لم تشعرني يوما بأنك والدي يا أبي…»، وأن تتصدّى للزوج بالقول: «أنا لست جاريتك يا سالم، أنا شريكتك، ولي حياة تخصّني»، وأن تحافظ على حلمها، وأن تبذل الغالي والنفيس دون تحقيقه، فتخرج من شرنقتها، وتعثر على سعادتها في نهاية المطاف. فأين كانت تدّخر هذه القوّة؟
اتجاه معاكس
في المقابل، تتّجه شقيقتها الكبرى، في الاتجاه المعاكس، فنرمين الجميلة، القوية، «صاحبة الشخصية الفذّة والصوت المرتفع والنبرة الواثقة والوقفة الشامخة»، تتحدّى الأب بنظراتها حين يضربها، ترفض عشرات العرسان الذين تقدّموا لها، تُصرّ على الارتباط بجاد، الشاب اللبناني الأصل الأمريكي الجنسية، ويكون لها ما تريد، تلعن الضِّيَع والعقليات الرجعية والسلطة الأبوية، وتسافر وتعمل وتنجح في عملها. غير أنها، حين تكتشف، بعد خمسة عشر عاما من الزواج، أنّ والد جاد يمارس شعائر دينية مختلفة عن شعائرها، تستنتج أن جاد ليس من دينها، فتشعر بالخديعة والذنب، وتُصاب بانهيار عصبي، وتستيقظ فيها هواجس دينية قديمة، فتقوم بإجهاض حملها، والانفصال عن زوجها، والعودة إلى قريتها، والتوبة عمّا تعتبره ذنبا ارتكبته، وتلتزم مسلكا دينياّ صارما، ولا تقيم أي اعتبار لرقي جاد وحبّه لها وتضحيته في سبيلها. والمفارق، هنا، أن نيرمين القوية ذات الآفاق الواسعة تعود طوعا إلى ما اعتبرته أمل شرنقة حاربت في سبيل الخروج منها. وبالمقارنة بين الأختين، نجد أنّ الصغرى الهادئة الانطوائية الصامتة تمارس التحدّي وتنجح في الخروج من شرنقتها إلى العالم الأوسع، وأنّ الكبرى القوية الواثقة المنفتحة على التجارب الناجحة تنكص على عقبيها وتتخلّى عن العالم وتعود إلى شرنقتها بملء اختيارها. وفي الحالتين، تختار كلٌّ من الأختين خيارها، وتقوم بتحقيقه، ما يدفعنا إلى الاستنتاج أن المرأة في العالم المرجعي الذي تحيل إليه الرواية لم تكن مظلومة ومحاصرة، كما حاولت أن توحي به الكاتبة، بل كانت حرّة، تواجه وتعترض، تختار وتنفّذ، وتتحمّل مسؤولية خيارها.
صورة الرجل
من جهة ثانية، إنّ الصورة السلبية التي ترسمها الكاتبة للرجل، الأب والزوج، في هذا العالم المرجعي، تنسفها وقائع روائية كثيرة في المتن الروائي؛ فإذا كانت صورة الزوج تنطوي على قدر كبير من السلبية، فإنّه لم يُعْدَم صفات إيجابية متفرّقة تجعل الإغضاء عنها ينطوي على شيء من الظلم. أمّا الظلم الأكبر فيلحق بالصورة المرسومة للأب التي تُبرز السلبيات القليلة على حساب الإيجابيات الكثيرة التي تشي وتصرّح بها الوقائع المروية؛ فالأب الشيخ علي لا يُكره أياّ من بناته على الزواج، يفخر بابنته نيرمين ويكتب فيها الشعر، يقرأ كتابات أمل ويقتبس منها، يحترم رغبتها في الانفصال ويفتح لها بيته وقلبه، ويصرّح بأنه لم يعد يريد شيئا في هذه الحياة سوى أن تكون بناته بخير. وهذه الوقائع تنسف القسوة التي تُحاول الكاتبة إلصاقها بالأب، وتنجلي عن أبٍ حنون، محبٍّ لبناته، حريص على تأمين مستقبلهن في الحياة.
وعودٌ على بدء، «ميثاق النساء» رواية جميلة، تترجّح بين الوقائع والذكريات، تراعي الخطية الزمنية في تعاقب الوحدات السردية، وتكسرها ضمن الوحدة الواحدة. وهي مكتوبة بلغة سردية أنيقة، ترقى إلى الشعر في بعض مستوياتها، ما يجعل قراءتها محفوفة بكثير من المؤانسة والإمتاع.
كاتب لبناني