نسخة منقحة ومزيدة من الفساد الثقافي

حجم الخط
0

النسخة الـ27 من معرض الكتاب الدولي بدمشقدمشق ‘القدس العربي’ ـ من أنور بدر: افتتحت الدكتورة نجاح العطار نائبة رئيس الجمهورية العربية السورية لشؤون الثقافة النسخة السابعة والعشرين من معرض الكتاب الدولي بدمشق، مساء يوم الجمعة 8 أيلول/سبتمبر الراهن والذي يستمر حتى 18 منه، وذلك على أرض مدينة المعارض، بحضور وزراء الثقافة والإعلام والقليل من الجمهور، خاصة وأن كثيرين راهنوا في ظلّ ظروف الثورة الراهنة التي تعصف بالبلاد على إلغاء هذه الدورة من معرض الكتاب، خوفا من إمكانية التجمع الجماهيري، إذ سبق لسورية وألغت دوري كرة القدم والكثير من النشاطات الثقافية أيضا.

لذلك جاء الافتتاح بأقل درجة من البريق، وأكبر قدر من الملاحظات، بالقياس إلى الأعوام أو الدورات السابقة، حيث اعتدنا في كل عام أن نتوقف مع جملة من الملاحظات الإنتقادية في مستوى التنظيم والإدارة وصولا إلى الفعاليات الثقافية الموازية، لأن معرض الكتاب ليس مجرد ‘أوكزيون’ أو تصفيات لآخر الموسم الصيفي أو الشتوي، إنه صناعة ثقافية بكل ما للكلمة من معنى، صناعة تبدأ من اختيار النص وطباعته وتوزيعه، ولا تنتهي بفعل القراءة وإعادة إنتاج المحتوى المعرفي، لأن المعرض في أحد وجوهه يمثل علاقة تفاعلية أو تبادلية بين الكاتب والقارئ ومن خلفه المجتمع بكل تكويناته. كثافة الملاحظات هذا العام تتعلق بالتأكيد بالثورات التي تجري في سورية والمنطقة العربية عموما، والتي فرضت نفسها بقوة على هذه الدورة، فالدكتور علي العائدي مدير المعرض مدير مكتبة الأسد صرّح لوكالة أنباء الشعر: أن عدد دور النشر قد انخفض عن العام الماضي بسبب الأحداث التي تمر بها سورية، حيث كانت في العام الماضي قرابة 400 دار نشر. لكن الدكتور رياض عصمت اكتشف مع ذلك أهمية استمرارية هذا الفعل الثقافي حين قال: إن الثقافة بالنسبة إلينا مستمرة لأنها زاد الروح ومن خلالها نقدم معاني المحبة والتسامح، وهذا المعرض السابع والعشرون دليل ساطع على هذه الاستمرارية وهذا الصمود الثقافي العربي في وجه التحديات والعواصف.

لغة إنشائية قد تكون جميلة، لكنها بالتأكيد غير مجدية في مواجهة الأزمة، خاصة عندما يذهب الإعلام الرسمي وشبه الرسمي في سورية إلى الحديث عن نصف الكأس الممتلئ، إن بقي في الكأس ماء بعد ستة أشهر من الانتفاضة المستمرة، حيث ‘جاءت النسخة الـ27 من معرض دمشق الدولي للكتاب لتشكل حدثاً ثقافياً هو الأهم سورية هذا العام الذي جاء متزامناً مع الأحداث الاستثنائية المتداخلة والمتشابكة والتداعيات السياسية في أزمة تعيشها البلاد منذ آذار الماضي، ما جعل إقامة المعرض حدثاً لافتاً بحد ذاته وبصرف النظر عن حجم المشاركة والعناوين والضيوف والفعاليات المرافقة والتنظيم ليشكل معرض الكتاب هذا العام ‘مفاجأة’ لكثير من المهتمين والمراقبين والمحللين خارج سورية، وسط سؤال مفاده: كيف تستطيع الحكومة السورية تنظيم معرض دولي للكتاب بهذا الحجم فيما تعيشه’؟! كما كتبت صحيفة ‘الوطن’ الموالية متسائلة وكأنها تضمر سر اكتشاف أيهما الأقدم ‘الدجاجة أم البيضة’. لعبة الأرقام:

لجأ العائدي إلى العموميات والتقريب في تحديده عدد مشاركات الدورة السابقة ‘قرابة 400 دار نشر’ وهو مدير المعرض والذي يحتفظ بأرشيف رقمي دقيق يُغنيه عن ذلك التقريب غير المسوغ، وفي الأرقام التي لدينا أن مشاركات العام 2010 بلغت 416 دار نشر، فيما كانت في العام الأسبق 426 داراً للنشر، وكان ملفتا للانتباه أن كل الخطابات الرسمية لهذا العام اعتمدت إما صيغة: أكثر من 220 مشاركة، وبأفضل الحالات قرأنا صيغة قرابة 220 دار للنشر، وفي بعض الأحيان وصلت المبالغة حدود 250 دار نشر مشاركة، وهي الصيغ التي رددها الإعلام السوري، أو أنه ذهب للتعميم بأن مشاركات هذا العام انخفضت إلى ما يقارب النصف، لكن الرقم الذي استطعنا الحصول عليه يفيد أن مشاركات هذا العام لم تتعدى 135 دارا للنشر، وأن العائدي وغيره حاولوا اللعب على الخلط المتعمد بين دار النشر والجناح، فلو نحن اعتمدنا صيغة الأجنحة لو جدنا حقيقة وجود 220 جناحا في هذه الدورة، لكن هذه الأجنحة لا توازي عددها من دور النشر.

وفي هذه المعضلة نكتشف وجود مخالفة صريحة من قبل إدارة المعرض ومن قبل بعض المشاركين، مخالفة صريحة للبند الأول من بنود المشاركة في معرض دمشق للكتاب الدولي، حيث يلتزم الناشر بوضع إصداراته في جناحه حصراً. وها نحن نكتشف توزع بعض الإصدارات في أكثر من جناح، بل نقول ان ‘دار الحافظ’ على سبيل المثال لها تسعة أجنحة، وأغلب الكتب المعروضة في هذه الأجنحة مكررة.

وليست هذه المخالفة الوحيدة في سجل هذه الدورة، بل هناك مخالفة أخرى من قبل إدارة المعرض لشروطها الواضحة التي وضعتها هي بخصوص عدد العناوين، فلا يجوز لأي دار نشر أن تشارك في المعرض إن لم يكن لديها خمسون إصدارا كحد أدنى، وبينها عشرة عناوين جديدة أيضاً، وقد لاحظنا الكثير من دور النشر لم تحقق هذين الشرطين من إصداراتها كدار المأمون ودار اقرأ اللتين لم تشاركا سابقا في أي معرض للكتاب، وهنالك دور للنشر شاركت أيضا وليس لديها أي إصدار باسمها.

إضافة لمخالفات إدارة المعرض، لدينا مخالفات أيضا من قبل المشاركين، حيث ينص البند الأول من نظام المعرض على: يلتزم الناشر بوضع إصداراته في جناحه حصراً، بينما نكاد نجهل في بعض الأجنحة اسم الدار أو الناشر صاحب الجناح، لتنوع الإصدارات المعروضة لأكثر من ناشر في جناح واحد، كذلك ينص البند التاسع أنه: لا يحق للناشر أن يعهد لأي دار أو لأي شخص من خارج داره أن يشرف على جناحه أو إصداراته في المعرض، بينما نكتشف أن أغلب دور النشر العربية من مصر، لبنان، السعودية، والأردن قد عهدت إلى دور نشر محلية، مثال مكتبة الرشد ومكتبة جرير من العربية السعودية، ومكتبة الكتاب الجديد من الأردن، مع أن ذلك مخالف للقوانين وشروط المعرض، وقد حضر من مصر دارين للنشر فقط، ومن لبنان أكثر من ذلك بقليل، فيما تغيبت باقي الدور العارضة عن هذه الدورة، وفي ذلك مخالفة للبند العاشر من شروط المشاركة، ونصه: لا يحق لأي عارض التنازل كليا أو جزئيا لآخرين عن جناحه أو عن حصة منه مهما كانت الأسباب.

تمويه أم كذب:

قد يعتقد البعض أن في هذا العرض مبالغة، ولكن الحقائق التي يمكن لأي متابع لوسائل الإعلام في تغطيتها لافتتاح المعرض، سيكتشف في قراءة تلك المخالفات رغبة بالكذب أو التمويه على حقيقة المقاطعة التي مارستها أغلب دور النشر المحلية والعربية، رافضة كل التسهيلات المقدمة بهدف تشجيع المشاركة في هذه الدورة. كما وصل الأمر حدود الخطأ في عدد الدول المشاركة، إذ اقتصرت هذا العام على تسع دول عربية بينها سورية وخمس دول أجنبية فقط. بينما تنقل وسائل الإعلام عن أكثر من مسؤول وجود 17 دولة مشاركة، وربما يعود الأمر لضعف هؤلاء المسؤولين بالحساب، ليس أكثر.

وكما تلاحظون، استخدمنا تعبير ‘خطأ’ كي نهرب من عبارات الكذب والتمويه مبدئيا، بل سنهرب أكثر ونقول ان هذه التغطية تكاد تكون أكثر سريالية من أي متخيل، فعلى سبيل المثال، لدينا ناشر في سورية من أصل فلسطيني هو السيد سعيد برغوثي، صاحب دار نشر كنعان، وهو شخصية ثقافية تتمتع بحضور وعلاقات تجعله شخصية عامة ومعروفة، خاصة وأن ترخيصه كناشر في سورية قديم، وكان عضوا في المكتب التنفيذي لاتحاد الناشرين السوريين سابقا، ومع ذلك نفاجأ يوم الافتتاح وعلى الفضائية السورية، وربما فوجىء السيد البرغوثي أيضا، كيف تمّ الترحيب به كناشر فلسطيني حضر من فلسطين متجاوزا أسوار الاحتلال وحواجزه!!! وفي حديث على الهواء للسيد علي القيم معاون وزير الثقافة، يقول على إذاعة ‘شام اف ام’ ان المشاركة هذا العام كانت كبيرة، حيث بلغت 250 دارا للنشر، مع أنها لم تتعد حدود 135 داراً، كذلك يضيف القيم أن الحسومات كانت كبيرة ومفاجئة مع أنها لم تتعد حدود المتعارف عليه في الدورات السابقة، خاصة وأن الكثير منها يبقى حسومات وهمية، فيما يؤكد الدكتور علي العائدي من جانبه في حديث خاص لصحيفة ‘الوطن’ السورية أن إدارة المعرض لم تمنع سابقا أي كتاب علماني أو ثقافي، لكنها ستشدد هذا العام فقط على الكتب والروايات التي تمسّ أشخاصا بعينهم، هو الذي اقتنع أن رواية ‘وصايا الغبار’ للكاتب مازن عرفة تتناول شخصه الكريم، رغم نفي الكاتب لذلك وبالتالي أقصاه عن المشاركة في إدارة المعرض هذا العام.

هذه التصريحات التي تخرج بنا عن قضية التمويه والكذب تقودنا بالضرورة إلى قضية الرقابة والمنع، حيث أن ‘المياه تكذب الغطاس’ يا سيد علي العائدي، وسأكتفي بأسماء الكتب الممنوعة في المعرض لدار الساقي فقط، وأغلبها من الكتب المهمة كما سنلاحظ:- مرايا فرانكشتاين تأليف عباس بيضون.- إنقاذ العراق تأليف نمير أمين قيردار.- القاعدة في اليمن والسعودية تأليف بشير البكر.- أفضل الأعداء تأليف بسام أبو شريف وعوزي محنايمي.- مصر التي في خاطري تأليف دلال البزري.- الديمقراطية الثورية: كيف بُنيت أمريكا تأليف توماس جيفرسون، ترجمة منيرة سليمان ومحمد حمامصي.- القرآن والمتغيرات الاجتماعية والتاريخية تأليف محمد أبو القاسم حاج حمد.- أنباء القرآن تأليف سمير إبراهيم خليل حسن.- الدين خرافة أم علم؟ تأليف سمير إبراهيم خليل حسن.

بالطبع تشكل هذه القائمة وغيرها من قوائم الكتب الممنوعة لشركة المطبوعات اللبنانية أو دار الفارابي وسواهما في المعرض نموذجا لآليات الرقابة المعتمدة لدى إدارة المعرض.

الملاحظة الأهم برأينا تتعلق بغياب الهم الثقافي عن خارطة الدورة الحالية للمعرض، فالسيد العائدي وعدنا بالكثير من النشاطات الثقافية وحفلات توقيع الكتب، دون أن يقدم لنا أي برنامج حقيقي لهذه النشاطات الوهمية، بل هو وإدارته للمعرض لم يكلفوا أنفسهم عناء طباعة وتوزيع دليل لهذه النشاطات الثقافية كما درجت العادة، ونستطيع القول انه بغياب تلك النشاطات يتحول معرض الكتاب إلى مجرد أوكزيون لبيع الكتب برخصة، إن كانت الرخصة حقيقية، بل ربما يكون الأمر أقرب إلى سوق الهال الذي يمكن أن تباع فيه البضاعة بسعر الجملة، بعيدا عن أي فعالية ثقافية!. وأهمية هذه الملاحظة فيما تستتبعه من كونها مؤشرا على السوية الثقافية لمسؤولي الثقافة في بلدنا، كمسؤولين مطوبين لسنوات لا يحددها إلا الوفاة في بعض الأحيان، وإلا كيف يستمر العائدي في إدارة المعرض رغم الانتقاد الشديد الذي يوجه لإدارته منذ سنوات؟ وكيف يستمر رئيس اتحاد الكتاب العرب الحالي، ومن سبقه أيضا؟ أعتقد أن تلك الملاحظات تشكل مساحة من الفساد الثقافي الذي أقرت به السلطة السياسية في سورية، ضمن سلة الفساد العام الذي وعدت بإصلاحه، لكنه الوعد الذي طال حتى غدا منتميا إلى ذات السلة التي تنتظر الإصلاح، ومن هنا جاءت الدورة الراهنة لمعرض الكتاب حبلى بتلك الملاحظات التي تعودنا على بعضها سابقا، لكنها اليوم حبلى بما هو أكثر من ذلك، إنها الديماغوجيا التي اعتادت تزييف الوقائع، والحديث عن الانتصارات الوهمية والنجاحات الخّلبية. وأقصد ديماغوجيا أو فساد الإعلام الرسمي وشبه الرسمي في قراءته للوقائع وكيفية تقديمها، ففي الأعوام السابقة كان بعض الإعلام السوري وبعض الإعلاميين يمتلكون هوامش واضحة لرؤية ذلك الفساد الثقافي وانتقاده، بينما في ظل الأزمة الراهنة التي تعصف بنا أصبح أي انتقاد يُعادل الخيانة الوطنية، لأنه في المحصلة النهائية يصب في خدمة المتظاهرين وخدمة الحراك الثوري المستمر في الشارع.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية