نسوة غريبات زائرات صباحاتي البحرية
عناية جابرنسوة غريبات زائرات صباحاتي البحريةعلي كورنيش بيروت، يجمع الصباح المّشاءات المبكرات، المهرولات والراكضات. علي الرغم من تورطي بعشق مثل هذا، فانني اعيشه كمشهد ـ وهذا ما يؤلمني ـ كلوحة متقنة، فأروح أقراؤها في غاية الوضوح، من كونها تتكرر أبداً، وجزءاً من صباحي الشخصي.ليس للمشهد علي الكورنيش من اطار. انه مسرح مفتوح مع ذلك اتمكن من قراءته. خمس نساء علي الاغلب، يترددن الي صباحي هنا، في المعرفة المكتومة بيننا، التي تولدها العين، وتخرسها المدن: اعرف انك ترينني كل يوم ـ تقول احدانا للاخري في سرها ـ تبدئين نهارك برؤيتي، غير انه الحذق المديني القاسي، والمجافي لطبائع الناس، ما يضع رؤيتك لي في ارتباكها المقيم، وفي الخفر الابيض الجليدي، الذي يعصمنا عن تبادل حديث قصير، التعارف او القاء تحية، كمسعي بديهي في حالة اثنتين تلتقيان كل صباح .أبداً مشدوهة بالمشهد نفسه، ويقظة جدا. يشكل انتباهي للنسوة الخمس ـ نزيلات عيني الدائمات في صباحاتها، وقد تأتي آخريات، يصدف ان تأتي اخريات بالطبع، غير انني لا التفت الي طارئات علي المشهد الاساسي ـ كجزء مما تمثله اجسادهن في فضاء الكورنيش.المواظبة اليومية علي الجري لتلك السمينة بشعرها الاسود القصير، هي صورتها عن خلاص ما، عن نهاية سعيدة لاكداس الشحم علي بطنها واردافها وساقيها ورقبتها وصدرها. مواظبة امينة لم تشفع لها امانتها، تجري السيدة ما زالت، ومنذ ما يقرب سنة خلت، وامام عينيّ هاتين، فيما صحتها الي تحسن، فلا تحظي بتقريب الخرافة من الواقع، وعلي مسؤوليتي، لم تخسر حتي اللحظة كيلو غراما واحدا.تجري وتجري بصمت، بانصراف، او بطريقة اكثر دقة ـ وليست اقل مهانة ـ بتفنن في الجري، كأن تنتقل فجأة من الجانب الايمن للكورنيش بمحاذاة الشارع، الي الجانب الايسر، وتربت تربيتا خفيفا فيما تجري، علي السور الحديدي الذي يفصلنا عن البحر. باختصار، لا تكف عن الجري كما لو كانت سجنت في حياة سابقة، في قفص من دون ان تستطيع الوقوف فيه، او التمدد داخله.الصبيتان بـ التي شيرتات البيضاء دائماً، السروال الزهري للسمراء والآخر الاسود للبيضاء، تتقدمان الي الرصيف، تبدآنه دائما من حيث توقفا سيارتهما الغولف الصغيرة، قبالة اوتيل الريفييرا وتخوضان في هرولة فجائية لا تسبقها اية خطوات تمهد او تحّضر لحركة جسديهما اللذين يستغرقان فورا في عملية الهرولة، وتبدو هذه مضحكة للوهلة الاولي.تهرولان حتي تصلا الي قاعدة تمثال جمال عبد الناصر قبالة مسرح بيروت ثم تقفلان عائدتين لتبدآ من جديد. الصبيتان كأنما جاءتا لأمر وتنهيانه كما رسمتا له تماما. نهود فجة تحت التي شيرتات، وملامح شباب مضفر ولؤم ما.الاخيرة المتداعية الي الارض، الصهباء في استعراضها الذي تعافه رقة حال البحر فجراً، تحرص علي اقراطها الذهبية المشنشلة والمتوهجة. كما هي لا تترك لبشرتها ان تتنفس نسيمات طازجة كهذه، فأري انا المستاءة، الي طبقات الـ فون دي تان اللزج، وتحفر فيه اثلام عرق غزير، تسيل من اعلي صدغها تبلل كوافير الامس.الركض يؤلمني. لا يؤلمني تماما او يؤلم جسدي، بل يؤلم الركض روحي ويؤلم الصباح، والبحر. يؤلم التلاوين في وقتها المبكر، ويتقدم الركض علي الاشياء التي استفاقت للتو فيؤذيها، فلا يصح بعد ان اركض ـ اقول لنفسي ـ ان اعاقب الفجر بلهاثي. ادع لجسدي ان يتماهي، تماهيا شاملا مع كل ما يحيط بي، ولما يزل ما يحيط بي، يتثاءب: الهواء، الماء، اللون. اشعر ان التماهي هكذا، والمشي بخدر، يجعل من جسدي تعويذة مباركة، ويصالح المشهد.النسوة، زائرات صباحاتي البحرية، غريبات مع ذلك. ويسعهن كما في كل صباح، العودة الي مشاغلهن خارج مرمي عينيّ، من دون ان تتصدع صورتهن المائية. الوجهة الصباحية واحدة لكل منا، لكننا نفترق بعد ذلك مدفوعات بنداءات غامضة، في اتجاهات مختلفة.ابقي لوقت يقصر او يطول بعد رحيلهن عن الكورنيش. لا يهم كم ابقي، ما يهمني ان نظرتي الاخيرة الي الماء تكون لي وحدي. اري اليه وحدي، اري الي البحر البراق والمتلون واخبره شيئا حميما في كل مرة، ويحيرني هو كم باق علي حاله.يجسد البحر بمائه هذا الاستمرار الذي يصدمني كل صباح. ارتبك من ادراكي بأنني رغم عشقي الهائل له، لا استطيع تحريكه. ومهما ابتهلت، لا يتخلي البحر ابدا، عن نظامه الخاص.0