الرباط ـ “القدس العربي”:فوزية البيض واحدة من المثقفات المغربيات اللواتي يتمتعن بطاقة عمل لافتة ودرجة عالية من الفضول العلمي، ويشمل مسارها الأكاديمي العديد من مجالات المعرفة.
بهذه الكلمات، دبّج الباحث عز الدين الهاشمي الإدريسي كلماته على ظهر غلاف كتاب “مشتل المسرح الجامعي في المغرب” الصادر باللغة الفرنسية للدكتورة فوزية البيض التي تعدّ من أوائل المتخصصين أكاديميا في النقد الفني، حيث كانت خريجة الدفعة الأولى في كلية الآداب بالرباط حيث حازت دبلوم الدراسات المعمقة في الآداب والجماليات. كما انخرطت في عالم الصحافة الثقافية من خلال مقالاتها في العديد من المنابر الإعلامية، وأنجزت أبحاثا في الأنثربولوجيا الثقافية، توجت بحصولها على دكتوراه الدولة، بالإضافة إلى شغفها بالإبداع، حيث نشرت عدة دواوين: منديل آذار، ألوان التذكر، كلمات منحوتة، والعمل الأخير مجموعة قصائد تحاور منحوتات الفنان التشكيلي عبد السلام أزدم، ونشرت سنة 2017 دراسة حول المسرح المغربي باللغة الفرنسية بعنوان: المسرح والهوية: جمالية التسامي والحلول.
الدكتور حسن الصميلي الذي يعدّ مؤسسا لمهرجان المسرح الجامعي في الدار البيضاء حينما كان عميدا لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، كتب تمهيدا لكتاب “مشتل المسرح الجامعي في المغرب”، أشار فيه إلى أن هذا الكتاب يجيب على مجموعة من الأسئلة المتعلقة بطبيعة المسرح الجامعي وخصوصياته ومكانته في الحقل المسرحي وأبعاده المستقبلية.

ويقول الصميلي أيضا: المسرح الجامعي، مثله في ذلك مثل مسرح الهواة، غير منشغل بردود فعل الجمهور، أكثر من انشغاله باحتياجاته الخاصة للبحث والتجريب والإبداع. ويضيف: لا نملك أدوات لقياس أثر المسرح الجامعي في الحركة المسرحية المغربية عامة أو في تطور التلقي لدى الجمهور، ولكن حينما نأخذ بعين الاعتبار الأجيال التي تشغل الساحة الفني، إن على مستوى المسرح أو السينما أو التلفزيون، منذ ثلاثين سنة ونيف، سندرك أهمية هذا الأثر.
ويشير إلى تقاطع المسرح الجامعي مع المسرح المدرسي على المستوى البيداغوجي والسيكولوجي، إذ يتيح لممارسيه تدريبا عمليا على تنمية حس العمل الجماعي، وحس الانتماء إلى المجموعة والفريق، وحس الإبداع والارتجال، وخاصية التحدث أمام الجمهور. ومن ثم، فرهان المستقبل ـ بحسب الصميلي ـ هو القدرة على إدماج المسرح وباقي الفنون في المناهج الدراسية والجامعية. ويعدّ ذلك من الاقتراحات الأساسية المبتكرة في الإصلاح المرتقب للنظام التعليمي في المغرب، لأنها ستساهم في تنمية البعد الترفيهي للتعليم وجاذبيته.
دواعي اختيار هذا الموضوع، كما توضح المؤلفة، تتمثل في أنه لم ينل حقه من الاهتمام على مستوى البحث الأكاديمي، على الرغم من أن الممارسة المسرحية الجامعية حققت تطورا لافتا خلال السنين الأخيرة، وملأت فراغا كبيرا في الحقل الثقافي المغربي، وشكلت مصدر ديناميكية مسرحية على شكل مهرجانات في رحاب الجامعات المغربية.
وتعترف الباحثة بأن هذا العمل الميداني مكّنها من إثراء تجربتها واستثمار معارفها، والتعرف عن كثب على المشاكل التي تعوق ازدهار الثقافة المغربية عموما والفن المسرحي خصوصا. واستعرضت بعضا من المشكلات التي اعترضتها هي شخصيا أثناء إنجاز هذا البحث غير المطروق من قبل تقريبا، والتي تتعلق تحديدا بالمواد المرجعية الضرورية، من قبيل الملفات الصحافية وبرامج المهرجانات وملفاتها ومطوياتها والأشرطة السمعية البصرية وغيرها… مما استدعى الاتصال المباشر بمؤسسي مهرجانات المسرح الجامعي وغيرهم من الفاعلين.
من أهم الأسئلة الإشكالية التي واجهت الباحثة: هل هناك فعلا مسرح جامعي في المغربي، حتى يُخصَّص له كتاب بكامله؟ هل يتعلق الأمر بمسرح جامعي في المغرب؟ أم بمسرح جامعي مغربي؟ هل المسرح الجامعي ظاهرة جديدة في المغرب؟ هل هو الذي أخذ مشعل مسرح الهواة؟
للإجابة على هذه الأسئلة وغيرها، استهلت الباحثة الكتاب بإلقاء نظرة تاريخية على الممارسات المسرحية في المغرب التي كان الطلبة يشاركون فيها. ثم بحثت في العلاقة التي تربط بين المسرح كتَجَلٍّ لنصّ أدبي وكممارسة ركحية مع الجامعة كمؤسسة للمعرفة والتربية والتكوين، مما استدعى أيضا استقصاء مراحل التكوين المسرحي في الورشات التي انبجست منها فكرة تنظيم المهرجانات.
وتوضح المؤلفة الدكتورة فوزية البيض أن كتابها هذا لا يقوم على إصدار أحكام قيمة، ولا على القيام بمقارنات بين التظاهرات المسرحية، بقدر ما يهدف إلى تسليط الضوء على تجليات الممارسة المسرحية في الجامعة المغربية، واستخراج العناصر الأساسية والجوهرية الكفيلة بتحقيق ممارسة مسرحية تتسم بقدر أعلى من التنظيم والهيكلة والدراسة في المستقبل.
يبحث الفصل الأول من الكتاب الإرهاصات الأولى لتكوّن المسرح الجامعي في المغرب، وتذكّر المؤلفة، في هذا الصدد، بالتمييز بين المسرح بمفهومه الغربي وبين الفرجة المسرحية المرتبطة بثقافات الشعوب وحضاراتها؛ فتشير إلى تقليد “سلطان الطلبة” الذي أسسه السلطان العلوي المغربي مولاي رشيد، ورسخه لفائدة طلبة جامعة القرويين بمدينة فاس، وهو ما اعتبرته الباحثة أول مهرجان مسرحي ينظم من طرف جماعة من الطلبة في تاريخ المغرب، واستمر من القرن السابع عشر إلى غاية 1969.
النواة في فاس
ثم تثير المؤلفة مسألة احتكاك المغاربة بالمسرح وفق المفهوم الغربي، خلال الزيارات الأولى لفرق مسرحية عربية إلى المغرب ابتداء من عشرينيات القرن العشرين. وبذلك، انغرست النبتة الأولى للمسرح الحديث في ثانوية “مولاي إدريس” بفاس سنة 1923، قبل أن تنتقل إلى مدن مغربية أخرى. وخلال الستينيات، قام الفنان المسرحي الراحل فريد بنمبارك باقتباس وإخراج مسرحيتين عالميتين هما: “بنادق الأم كرار” لبرتولد بريخت و”نزهة في الحديقة” لفرناندو أربال، وأوكل مهمة التمثيل لعدد من الطلبة الجامعيين. ومن ثم، عُدَّ أول فنان مغربي فكَّر في إدخال المسرح إلى الجامعة. لكن هذه المبادرة ظلت محصورة في الزمان والمكان، إذ لم يُكتب لها الاستمرار لأسباب سياسية مرتبطة بأحداث شهدها المغرب أواسط الستينيات. ومع مطلع عقد السبعينيات، ظهر المسرح من جديد في الجامعة المغربية، وتحديدا في جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، حيث أتيح للطلبة اكتشاف المسرح كبُعد اجتماعي وثقافي وفني، بفضل جهود أساتذة حرصوا على إدراج هذه المادة في المقرر السنوي للجامعة، ولكنه بقي منحصرا في المجال النظري فقط.
وبالموازاة مع ذلك، بدأت تترسخ أنشطة أخرى أكثر إبداعية وتطبيقا في الثانويات والجمعيات ودور الشباب، انبثق عنها مسرح الهواة، أحد الركائز الأساسية للنشاط المسرحي في المغرب.
ومع انتشار الجامعات، شهد عقد الثمانينيات ميلاد ورشات في كلية عين الشق ثم في كلية بنمسيك بمدينة الدار البيضاء، ودخلت هذه الكلية الأخيرة، بمبادرة من عميدها آنذاك الأستاذ حسن الصميلي، تجربة فريدة ومبتكرة في المغرب وإفريقيا، تتعلق بتأسيس مهرجان دولي للمسرح الجامعي، مما ساهم في إنجاز إشعاع ثقافي عالمي على امتداد 11 دورة، أي من تموز/يوليو 1987 إلى أيلول/سبتمبر 1998.
انفتحت جامعات مغربية أخرى على التوجه نفسه، من ضمنها ـ مثلا ـ جامعة مولاي إسماعيل في مكناس وجامعة ابن زهر في أكادير، وهي مبادرات ـ رغم قلة الإمكانيات التي رصدت لها ـ تندرج ضمن المساهمة في النشاط الثقافي والفني، علما بأن ظهير 1975 الذي ينظم الجامعات يشدد على أن الجامعة مدعوة إلى تحقيق إشعاع ثقافي.
وبعيدا عن قضايا تأريخ المسرح المغربي وهويته وهيكلته، تلاحظ الباحثة فوزية البيض أن الشاب المغربي، سواء كان تلميذا أو طالبا في الثانوية أو الجامعة، يشارك دائما في النشاط الثقافي والفني والمسرحي تحديدا، سواء كمتعلم لقواعد وتاريخ الفن المسرحي، أو كباحث وكاتب ومكوّن، أو كمخرج، لا سيما بالنظر إلى أن المسرح والفضاء المدرسي والجامعي يشتركان معا في الانفتاح على الحوار ومعرفة الذات والآخر.
وتتوالى صفحات الكتاب مفصّلة القول في عدد من المحاور من بينها: التنشيط المسرحي من خلال الورشات، الخشبة أو المدرسة الأخرى للطالب الممثل، الفرق بين ممارسة المسرح في الجامعة وممارسته في المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي وفي الورشات؛ لتخلص المؤلفة إلى القول إن للمعهد كمركز مهني مهّمة مختلفة عن مهمة الجامعة. ومن ثم، فهذه الأخيرة ليست أبدا في موقع التنافس مع المعهد. بالعكس، فهي يمكن أن تكون ميدانا ملائما أو مختبرا لخريجي المعهد المذكور، من أجل تجريب وتنفيذ مشاريعهم. مع الإشارة أيضا إلى أن عددا كبيرا منهم يشرفون على فرق تطورت تجاربها خلال دورات مهرجانات المسرح الجامعي.
توثيق التراكم
وتخصص الباحثة الفصل الثاني من كتابها لريبيرتوار مهرجانات المسرح الجامعي: مهرجان الدار البيضاء إلى حدود الدورة الحادية عشرة، ومهرجان مكناس في دورتيه المؤسستين، ومهرجان أكادير إلى حدود الدورة الرابعة عشرة، وهو تراكم جسّد قاعدة عملية لتجاوز المستوى النظري. وتقدّم الباحثة البيانات المتعلقة بكل دورة من دورات المهرجانات المذكورة، اعتمادا على الملفات الصحافية، لتردفها بملاحظات وخلاصات، من بينها أن الممارسة المسرحية الجامعية تعترضها عدة إشكالات معقدة، كعدم كفاية البنيات التحتية، وعدم ديمومة التمويل القار، وقلة النصوص المسرحية، وغياب النقد المسرحي، وعدم وجود جمهور وفيّ وقار، وارتباط بعض التظاهرات المسرحية بأشخاص بعينهم، إذ تغيب بغيابهم، لعدم وجود نوع من الاستقلالية في التنظيم، وعدم الوصول إلى نوع من “المَأْسَسَة” (أي التنظيم في إطار مؤسسة).
للإشارة، فالكتاب معزز بأرقام وإحصائيات حول مهرجانات المسرح الجامعي الثلاثة التي تشكل متن الدراسة، ويختتم بجرد لأسماء الكتاب العالميين والعرب والمغاربة الذين تعامل معهم المخرجون خلال الدورات المدروسة. في مقدمة الكتاب العالميين نجد صمويل بيكيت ثم موليير فشكسبير وغيرهم، وفي مقدمة الكتاب العرب نجد نجيب محفوظ ثم سعد الله ونوس فعبد القادر علولة. أما الكتاب المغاربة فيوجد على رأس اللائحة أحمد الطيب العلج، فالطاهر بن جلون ثم محمد الكغاط.
أخيرا، بما أن المؤلفة عنونت كتابها بمشتل المسرح الجامعي، أي إنها تحدثت عن البدايات الأولى قبل أن يشتد عوده ويبلغ رشده، آمل أن تواصل جهدها التوثيقي والتحليلي الهام بإصدار آخر يرصد الدورات اللاحقة لمهرجان الدار البيضاء وأغادير، وتعطي المهرجانات الأخرى نصيبها أيضا من الاهتمام المستحق كمهرجان فاس وطنجة ومهرجان المعاهد المسرحية العالمية في الرباط وغيرها.