رشيد شريت 1 تونس أحداث سيدي هل من مزيد؟ يبدو انه على قناة الجزيرة القطرية أن تعيد النظر في تسمية الحصاد المغاربي، واستبداله بعنوان أكثر دقة وأقرب إلى الواقع، كالحصاد الاحتجاجي المغاربي، او النشرة الاحتجاجية المغاربية، أو صوت الشارع المغاربي… ومن جهة أخرى عليها أن تمدد من الحيز الزمني الضيق المخصص لها من نصف ساعة إلى ساعة كاملة. وربما إذا عمت الإضرابات وانتقلت إلى باقي الأقطار الأخرى الشقيقة، التي لا تختلف كثيرا من حيث مستوى الهشاشة الاقتصادية والارتفاع الصاروخي للأسعار عن الشقيقتين الجزائر وتونس، او أن تجعل نشرتين، واحدة عادية وتهتم بالتغطية اليومية العادية، ونشرة أخرى خاصة بالاحتجاج المغاربي، وحصيلة القتلى والجرحى والأسرى والمطاردات.. والحال أن قناة القطرية جد محظوظة، على اعتبار أنها تقريبا القناة العربية والدولية الوحيدة التي تهتم بالمنطقة المغاربية عن كثب، فرغم محاولات عدد من القنوات المنافسة مثل فرنس 24 والعربية والبي البي سي… إلا أن المشاهد يلمس البون الشاسع من حيث مستوى القرب والموقف، وشتان ما بين النائحة والثكلى. هذا بالإضافة إلى الهدايا الكبيرة التي تقدمها الدول المغاربية نفسها للقناة، ذلك لأن البعض من المسؤولين في الإعلام الرسمي بدول المغرب العربي ما يزالون يعانون من تبعات مرض خطير، وهو العيش خارج التاريخ. فعوض أن يبادروا إلى تغطية الحراك الاحتجاجي ووضع المواطن في الصورة، على اعتبار أن سياسة التعتيم الإعلامي أثبتت فشلها الذريع في عهد الشبكات الاجتماعية، ومواقع اليوتوب والفيسبوك، والبلوتوث والإعلام المواطن.. ناهيك عن الويكيليكس وما أدراك ما الويكيليكس. يبادرون إلى سياسة الكل على ما يرام ولا داعي للقلق!
بل إن محاولات الإصرار على اجتثاث القناة المزعجة من المغرب العربي، نوع من الدعاية المجانية لها بالمنطقة، من حيث لا يدري النظام الرسمي. آخذا بسيكولوجيا انه كل ما هو محظور مرغوب فيه. فسب ومطاردة القناة والتهجم عليها بمناسبة أو بدون مناسبة من شأنه ان يرفع من شعبية القناة في المنطقة لاسيما في ظل التوتر والاستياء العام الشعبي الناقم على الوضع. ثم إن ظاهرة الاحتجاج الاجتماعي نفسها ظاهرة كونية، تشترك فيها الدول الغنية الديمقراطية والدول العلمثالثية الكافرة بالديمقراطية ومشتقاتها المباشرة وغير المباشرة. مع فارق في المضمون والأبعاد. ففي الدول المتقدمة، الاحتجاج الاجتماعي يكون من أجل الحفاظ مع المستوى المعيشي وحالة الرفاه الاجتماعي العامة والمطالبة بالمزيد… بينما الاحتجاج في العالم المتخلف هو من أجل البقاء على وجه الأرض لا غير. ولولا ذلك ما احتج احد لأن المواطن العربي خصوصا أقيل واستقال عن طواعية من الشأن العام منذ زمان؟ وتكفي المقارنة مثلا بين الإضرابات التي شهدتها فرنسا عندما احتج العمال على رفع سن التقاعد إلى 62 سنة. وبين الإضرابات التي اندلعت في سيدي بوزيد ومات على إثرها الشاب محمد البوعزيزي تغمده الله تعالى في واسع رحماته موتته الثانية – الموتة الأولى كانت كمدا وحسرة- حرقا بسبب أنه لم يجد له عمل من أصله، بل حتى عندما قرر ان يمارس تجارة يسد بها رمقه، طاردته السلطة مما حدا به إلى الإقدام على حرق نفسه ومن أمام مبنى حكومي حتى يطمئن المسؤولين على أنه فعلا وجد الحل المناسب الذي لا حل بعده. والأهم من ذلك أن البوعزيزي كان مجرد القشة التي قصمت ما تبقى من ظهر البعير.2الجزائر وثورة السكر والزيت والمسكوت عنهولأنها العدوى التي انتقلت من سيدي بوزيد وتبحث لها عن المزيد، فقد كانت المحطة الموالية هي الجزائر، التي تعتبر محطة قديمة جديدة، فالاحتجاجات الشعبية أضحت في البلد مسألة روتينية. ولا يهم الموضوع سواء تعلق بالسكن كما في ديار الشمس بالعاصمة، او ارتفاع الأسعار كما حدث مؤخرا. بقدر ما يهم الخروج إلى الشارع والتعبير عن حالة السخط الشديد. والواقع أن ما حدث يكاد يعود بنا إلى تلك الأيام الخوالي من تشرين الاول/ أكتوبر 1988. وإن اختلفت من ناحية الشكل العام والإطار. ففي 1988 كان هناك مؤطرون للانتفاضة الشعبية، كما كان في قصر المرادية رجل يدعى الشاذلي بن جديد آمن بالديمقراطية واستثمر الحدث ليصبح الحلم حقيقة لكن يا فرحة ما تمت؟
الأحداث أعادت الجدل السياسي من جديد حول الاستياء العام للشباب الجزائري الغارق في البطالة وثقافة قوارب الموت، والذي يعكس حالة اليأس العام وضبابية الوجه والمصير، إنه جيل الباب المسدود والآفاق المغلقة… وما حدث كان كفيلا ببعث رسالات إلى من يهمهم الأمر بأن السيل بلغ الزبى، وبأن الشارع الجزائري هو سيد نفسه وبأن الأحزاب السياسية مجرد كلام على ورق، لا أمر ولا نهي ولا وجود لها من أساسه الا عندما يقترب موعد ملء البرلمان أو تجديد عهدة من عهد الرئيس وكفى!
ويبقى الأغرب في ما حدث هو موقف التلفزيون الجزائري او اليتيمة بتعبير أهل الجزائر، الذي ظل غائبا وشاردا على طول الخط، ولم يتحرك إلا بعد أن تربعت أخبار الاحتجاجات والمواجهات على شاشات القنوات الفضائية العربية والدولية، وعندما كسر حاجز الصمت يوم الخميس 6 كانون الثاني/ يناير الماضي وقفت القناة في تغطيتها المتأخرة كثيرا على جانب واحد ووحيد، وهو التركيز الشديد على حجم الخسائر المادية الكبيرة التي لحقت بالممتلكات العمومية والمؤسسات الخاصة، وتصوير ما حدث على أنه احتجاجات مخربين، من دون أن تعرج ولو على سبيل الذكر على الأسباب الحقيقية التي أخرجت الشباب الغاضب؟ مع اختيار تصريحات ثلة من المواطنين بعناية كبيرة، ونشر مواطن التنديد والاستنكار فقط. وإذا كان ما حدث من تدمير للممتلكات وإتلافها ونهبها.. مرفوض شرعا وعقلا ولا علاقة له بالمطالب الاجتماعية العادلة، فإنه في المقابل وجب القول بأنه الشكل الوحيد للتعبير بالجزائر وفي ظل قوانين تحرم وتجرم المسيرات والوقفات الاحتجاجية السليمة بكل أشكالها؟ هو الخروج الاحتجاجي الشعبي العفوي الفاقد لكل صيغة تنظيمية، مما سيؤدي حتما إلى تفلت أمني ومعه حالات التدمير والتكسير، فلو كانت هناك قوانين تسمح بأشكال الاحتجاج والتعبير السلمي وقبلها أحزاب سياسية وجمعيات ونقابات لها مصداقية من شأنها تأطير العملية الاحتجاجية لما حدث ما حدث؟ وإذا كنا ندين جملة وتفصيلا الطريقة الاحتجاجية التي تؤدي إلى تخريب وتدمير الممتلكات وحرقها ونهبها وبث الفوضى العارمة… فإننا ندين كذلك منع المواطن الجزائري خاصة والعربي عامة من التعبير الحضاري، وبالطرق السليمة المتعارف عليها إنسانيا، لذا فلا غرابة ان ينتقل الاحتجاج من الطريقة الحضارية ‘المحظورة’ إلى الفوضى العارمة التي لا تبقي ولا تذر، بل إن المتابع للأحداث ليلحظ التواري غير المبرر للمسؤولين طيلة الأيام الأولى من الاحتجاج، بل حتى اللجنة الوزارية المشتركة… لم تنقل اليتيمة صورا لانعقادها كما جرت العادة في تغطية الاجتماعات الوزارية السابقة. ولعل أكبر غائب متوار عن الأحداث كان الوزير الأول السيد احمد أويحيى صاحب الخطب العصماء الطويلة لاسيما تلك الملقاة تحت قبتي البرلمان بغرفتيه، المجلس الوطني الشعبي ومجلس الأمة. فهل أينعت عدد من رؤوس المسؤولين والوقت قد حان لقطافها؟ وقبل ذلك أين ممثلو الأمة ومزيلو الغمة؟ ولماذا لم تعقد جلسات طارئة للبرلمان الجزائري، ولاسيما أن حالة الفوضى كانت عارمة ونتج عنها سقوط قتلى وجرحى، أم أن القضية لا تستحق كل هذا التهويل الإعلامي؟ والأكيد من ذلك أن اليتيمة تعتبر السودان أقرب من أحياء العاصمة كباب الواد والقبة. لأنها كلفت نفسها إرسال طاقم تلفزيوني لتغطية الاستفتاء في جنوب السودان، في الوقت الذي أولى بها أن تكلف نفسها وضع المشاهد الجزائري بما يقع في عقر داره؟ ولا تتركه يترقب نشرات أخبار القنوات الأجنبية؟3 بين التلفزة المغربية وجارتها الجزائريةشعور متبادل؟
لم نكن نعلم سر هذا الاهتمام المفاجئ بالجارة الجزائر، الذي طفا على السطح من دون سابق إنذار أثناء أحداث الاحتجاجات الأخيرة بالجزائر، حيث كان الخبر وبلا منازع على رأس اهتمامات التلفزيون المغربي بقناتيه الأولى العتيقة والثانية اللحيقة – أي التي التحقت بالقطاع العام بعد ان أصابتها عين الحاسدين- من دون احتساب قناة ميدي 1 سات، التي لا يعرف الكثير من المغاربة محلها من الأعراب، بل إن بعضهم لا يعرف أنها مغربية من أصله؟ ولقد انتقلت درجة الاهتمام إلى وكالة الأنباء المغربية، التي والشهادة لله، لم تقصر في متابعة الوضع الجزائري بإفرادها لنشرات تتصدر الصفحة الدولية على موقع الوكالة المتواضع جدا جدا، وفي بعض الأحيان بأكثر من مقال مما يترجم الحرص المفاجئ والقلق الشديد على ما يحدث للأشقاء بالبوابة الشرقية. وهذا شعور نبيل وحس جوار كريم، إلا أن الأعجب من ذلك ان القناتين المغربيتين غضتا الطرف عن أحداث سيدي بوزيد بتونس، التي كانت بدون مبالغة حديث الإعلام الدولي. والله أعلم هل ذلك راجع إلى بعد المسافة ما بين الرباط وتونس أم إلى عدم إجادة المشاهد المغربي للهجة التونسية؟ أو التطير من انتقال العدوى لا قدر الله؟
أما أخبار الاستفتاء بجنوب السودان ومسلسل تشظي السودان، الذي يعد أبرز حدث دولي في مطلع السنة الجديدة، فغائب ومغيب تماما من على نشرات الأخبار؟ مما يطرح سؤال المهنية في متابعة الحدث الدولي والعربي خصوصا؟ وعلى العموم فقد تكفل السيد خنفر بالواجب وزيادة بإرساله أسطولا عرمرم من الطواقم الصحافية والتقنية لتمشيط السودان شمالا وجنوبا، بل إن الاستفتاء سمح لنا بالاطمئنان على كل من حسن الراشدي ومحمد البقالي، الصحافيين المغربيين بمكتب قناة الجزيرة بالرباط سابقا قبل أن ترمي الرباط يمين الطلاق على الجزيرة.
والحال أن العلاقة بين التلفزة الجزائرية وجارتها المغربية حالة فريدة في علم الإعلام، فلا يمكن أن يؤتى على ذكر المغرب في اليتيمة إلا في سياق واحد ووحيد، وهو المحتل والغاصب والمنتهك لحقوق الإنسان، وما إلى ذلك من القاموس القدحي اليومي. أما عدا هذا فلا وجود لذكر الشقيق المغربي إلا في مناسبتين اثنتين لا ثالث لها، وهما عيدا الفطر والأضحى عندما تتلى رسائل التهنئة والتبريك المتبادلة بين الجانبين! وطبعا التلفزيون المغربي لا يفوت مثل ما جرى من أحداث الاحتجاجات والفوضى الشعبية العارمة ليبعث برسالة إلى التلفزيون الجزائري بأنه شعور متبادل؟
إعلامي وكاتب من المغرب[email protected]