ايلي افيدارفي خطاب القاه أمس، الاول منذ شهرين، حاول الرئيس السوري بشار الاسد استعراض التحكم والسيطرة على ما يجري في بلاده. غير أن لغة جسده بثت بالذات التشوش والخوف، وشهدت على نحو افضل من أي جملة قالها على فقدان التوازن الذي ألمّ بالحكم في دمشق. الناطقون بلسان النظام السوري وصفوا خطاب الاسد في جامعة دمشق بـ ‘التاريخي’. فقد سعى الاسد الى تحقيق هدوء ومصالحة، ولكن مشكوك فيه أن يكون طلبه سيُلـَبـّى. فالمواطن السوري، رأى زعيما خائفا، مشوشا، عديم الحضور، وبالاساس ـ من لا يؤمن بالنص الذي يخرج عن فمه، والذي كتبه على ما يبدو أحد مستشاريه. بعد أسابيع من المظاهرات ومئات القتلى يعرف مواطنو سورية ان الوعود الاكثر قطعا للرئيس مكتوبة على الجليد، ولا ينبغي تعليق آمال كبار عليها. هم أيضا، كما من المعقول الافتراض انتبهوا اكثر من كل شيء آخر الى لغة الجسد لرئيسهم في اثناء الخطاب، والى الاقوال التي قالها دون أن يقولها، الاقوال التي بين السطور. عرض الاسد مظهرا خارجيا زائفا حول اشراك الجمهور في الاصلاحات السلطوية، ولكنه لم يعرض سوى معاضل زائفة وجملا فارغة من المضمون بل واحيانا سخيفة: ‘علينا أن نقرر ما الذي نختاره’، قال الاسد، ‘القائد أم خطة العمل. علينا ان نفحص ما هي المعاني الناشئة عن قانون الانتخابات القائم. هل ينبغي الانتظار ثلاثة اشهر قبل التغيير أم نجري قبل ذلك الانتخابات للبرلمان والبرلمان الجديد هو الذي يقود خطوة الاصلاحات؟ (…) هل علينا أن نلغي المادة الثامنة من الدستور أم نلغي الدستور بأكمله؟’. بتعبير آخر، أوضح الرئيس بان ليس في نيته تنفيذ تغييرات سريعة كما يطالب المتظاهرون. وهكذا فقد جسد كم هي زعامته منقطعة عن الواقع: وكأن مئات الاف السوريين اصطدموا بالجيش وعرضوا حياتهم للخطر كي يتساوموا على بنود فرعية في الدستور.
كان مشوقا سماع الاجزاء التي ركز فيها الرئيس على الاقتصاد السوري، والاضرار التي قد تلحق به. كان في ذلك اعترافا في أن الاضطرابات نجحت في شل الدولة. فقد اعترف الرئيس بالضرر الجسيم الذي الحقه به تيار اللاجئين الذين فروا الى تركيا وكشفوا للعالم اعماله الفظيعة. وكما كتب من على هذه الصفحات في الماضي كانت هذه هي الضربة الاشد لصورة الاسد، الذي حاول أن يعرض نفسه منذ زمن غير بعيد كحاكم حديث، بل وغربي. ليس مفاجئا ان المقطع الذي دعا فيه الرئيس المواطنين للعودة الى بلادهم حظي بالتصفيق الاكثر عصفا. هذا الخطاب لم يشبه خطاباته العلنية السابقة للرئيس في الـ 11 سنة من حكمه. فقد أبقى في البيت الغرور وخفة الرأي؛ وحتى هو، المنقطع عن الواقع والمغترب عنه فهم حجم التهديد عليه. غير أن الحضور والثقة بالنفس لا يمكن اكتسابهما بين ليلة وضحاها، وهما غابا تماما عن الخطاب. واكثر من كل شيء، بدا الرئيس السوري فارغا: فارغا من الحضور، من فهم الواقع، من قدرة التسامي، وعمليا، فارغا من كل ميزة تجعل الانسان زعيما في لحظة الازمة. باختياره القاء الخطاب أراد الاسد أن يثبت انه يقود خطى الاحداث في بلاده. وفي هذا فقد فشل. فور الخطاب اجريت مقابلة مع ‘الجزيرة’ لممثل لجان تنسيق الاضطرابات في سورية وقال ان رد الشعب السوري سيكون الخروج الى الشوارع. ورد الممثل ردا باتا المحاولة غير الناجحة لبشار لانهاء الازمة. هذا ليس مفاجئا. كل مواطن رأى الخطاب فهم ان ايام حكم الرئيس محدودة. ولا يمكن بدوننا. اسرائيل غابت عن الخطاب، اصبحنا غير ذي صلة في الاضطرابات في سورية، والكراهية لاسرائيل لم تعد تشكل نسغا. الجماهير الذين خرجوا الى الشوارع للتظاهر، ارادوا ان يفككوا النخبة الحاكمة، ان ينزعوا السيطرة الايرانية وان يحسنوا أوضاعهم الاقتصادية. اما نحن فلم نعد شخصية في هذه القصة، وهذا ما ينبغي ان نرحب به. ‘ كاتب ‘الهوة: ماذا يفصل حقا بيننا وبين العالم العربي؟’معاريف 21/6/2011