نشيد الكرسي
حسن طلبنشيد الكرسيهل تذكُرُ قصتَنَا يا موْلانا ؟! إن كنتَ نسِيتَ القصةَ.. ذكَّرْناكْ: لمَّا وُلِّيتَ ـ بمحضِ مصادفةٍ عمياءَ ـ سكَتْنا.. وقبِلناكْ قلنا: لا بأسَ.. عسي خلَفٌُ خيُْرٌُ من سَلفٍ ! وخطبتَ .. ففي البدءِ تكلمْتَ بلا صلفٍ فأتَيْنا وسَمِعناكْ قلت لنا:لن تجدوني منفردًا بالأمرِ.. ولن أبقَي فوق الكرسيَّ .. مدي العُمرِ .. لكيْ لا أحجُبَ غيْرِيوسيكفيكُمْ خيري شرَّي ووَعدتَ.. فصدَّقْناكْ ولبسْتَ مُسُوحَ العفَّةِ .. أبديْتَ الزهدَ .. كأنًّك من أهلِ الصُّفَّةِ ! أعلنْتَ طهارةَ أيدِيكَ .. فشجَّعناكْ ورفعتَ شعارَ الحريةِ والعدلِ .. فأيدْناكْ قلتَ: ستمضِي بالقافلةِ الميمونةِ .. نحو غدٍ رغَدٍ وطلبْتَ الصبرَ إلي أمدٍ فتبعناكَ علي أملٍ وركبْنا ـ رغمَ الخوفِ ـ قِطارَكْ حتي لما انحرفَ قِطارُ الشؤمِ .. أفَقْنا .. ورأيناكْ فإذا بكَ قد أبدَلْتَ طريقَك .. بل ـ بمرورِ الوقتِ ـ عكسْتَ مسارَكْ !وتطرَّفتَ .. إلي أن أشرفْتَ بنا اليومَ علي مهْلَكَةٍ ! وسألنا .. فوجدناكَ هناكْ كنتَ تُعِدُّ بليْلٍ لتُحيلَ الجُهوريةَ – عند السَّحَرِ ـ إلي مملكةٍ ! فهتَفْنا : لا وُفـّقتَ .. ولا بلغَتْ آصالُكَ أسحارَكْ ! ونظرنا .. وتأمَّلناكْ فبدَوْتَ كأنَّك شخصٌ آخَرُ .. غيْرُ مبارَكْلم نعرفْ : هل أنتَ بنفسِكَ .. ألقيْتَ قناعَكَ عنكَ ؟! وهل بيديْكَ نزَعتَ خِمارَكْ ! أم هلْ مسَخَ حقيقَتَكَ : الشَّئُ القُدسِيُّ .. الجالسُ فوق مصائِرِنا ونُسمَّيهِ : المجلوسَ عليْه ـــ الكرسيَّ! فَشكَّلَكَ .. وصاغَ وجودَكَ .. منذُ قعَدْتَ عليْهِ ؟! أم أنَّ قعودَكَ أنساكَ وعودَكَ !أم خانَ مكانُكَ – فوق الكرسيَّ – زمانَكَ : أصبح قُدَّامُكَ : خلفَكَ .. فوقُكَ: تحتَكَ .. ويمينُكَ صار يسارَكْ! لا .. لم نتَجنَّ عليكَ .. ولكنْ : أنتَ بنفسِكَ لوَّثتَ يدْيكَ .. ولطـّخْتَ إِزارَكْ ما أغربَكَ .. وأغربَ أطوارَكْ! بل ما أعْجبَ ما يفعَلُهُ هذا الشيءُ الغيبِيُّ .. الكامنُ في القُرصِ الجلديَّ .. أو الخشبيَّ .. لمن يعطيهِ مَقعْدةً لجلوسِ الدَّهرِ مؤبَّدةً ! فكأنَّ هنالِكَ – بين الكرسيَّ وبين الإنسانِ ـ مُعاهدةً يتوحَّدُ فيها الطَّرفَانِ بحِلْفِ دمٍ فيدورانِ معًا في حالِ وُجودٍ .. أو عدمٍ ! فإذا الكرسيُّ أخَلَّ بهذا العهدِ .. أو انفصَلَ .. كما ينفصلُ عن الذَّاتِ الموضوعُ .. بكَي الطاغيةُ المخلوعُ .. كما يبكي الطفلُ .. إذا انْتُزِعَ من المهْدِ .. وأصبحَ كالفهدِ .. أو الأَسدِ الورْدِ .. وقد خلَّعْتَ مخالبَهُ.. ونزعْتَ نُيوبَهْ ! يا لَلأْعجوبَهْ ! من أيْنَ يجيءُ الإشفاقُ علي الطَّاغيةِ ؟! وأيُّ دموعٍ مسكوبَهْ قد تَنحدِرُ علي خدَّيْكَ .. ولا تدرِي ! فتسِيلُ .. وتجرِي تفعلُ فيكَ .. فَتُنسيكَ جرائمَهُ وذُنوبَهْ ! يا لَلقَدَرِ السَّاخرِ .. يا لَلأْبطالِ المنكوبَهْ ! ما أَبْأسَ حالَ الديكتاتورِ .. بدونِ الكرسيَّ .. إذا لم يبْقَ أمامكَ منْهُ سوي هذا الوجهِ الكالحِ .. والنفسِ المكرُوبَهْ ! يا لَبشاعَةِ ما يصنعُهُ الكرسيُّ بنا ! ولحُسْنِ الحظَ .. أنا لم أعرفْ إلا كرسيَّ المقْهَي..والمترو.. و الحلاقِ .. حَوالَيْ خمسِينَ مُؤخِّرةًللكرسيَّ الواحدِ منها- في المتوسَّطِ – يوميًّا ! ولذلك ـ والحْمدُ لربَّ العزَّةِ ـ لم يألفْنِي كرسيُُّ ٌ قطُّ .. ولم آلَفْ كرسيًّا ! هو عندي : شيءٌ كالأشياءِ مُجرَّدُ أُلعوبَهْ ! هو كالمِلعَقةِ .. وكالشَّوْكةِ والسَّكَِّينةِ في المطعمِ .. ما كانتْ بالمغنَمِ قطُّ .. ولا بالمَغْرمِ .. كيفَ إذن يلتصِقُ الكرسيُّ بصاحبِهِ ؟! فإذا وقفَ .. فبالكرسيَّ .. وإن سارَ .. يسِيرُ بهِ ! وإذا ـ بَيْن النَّاسِ ـ تكلَّمَ .. أحسَسْتَ بكرسيًّ فخمٍ يتكلَّمُ ! يَنْهَي .. يأمرُ .. يزْجُرُ لكن لا يضعُفُ .. لا يضحَكُ .. لا يتألَّمُ .. لا يشكو شيئا أبدًا .. لا يَتذمَّرُ ! كرسيًّ رمْزِيًّ ضخمٍ .. لسْتَ تَراهُ ولكن الإنسانَ الجالِسَ .. أصبحَ من أَسْراهُ .. فهل هو مرآة لمؤخَّرةِ المرْءِ .. لهذا فهو يُنافحُ عنْهُ .. ويدرَأُ كلَّ الدَّرْءِ ؟! أمِ العيْبُ – تُري ـ في أنَّ حضارتَنا قد دَأبتْ بدلاً من أنْسَنةِ الكرسيَّعلي (كرْسنَةِ) الإنسانِ ؟! فأمسَتْ تُوسِعُهُ تشِييئًا .. وتُموْضِعُهُ تُلِقي بهِ في التَّيهِ .. وتَنْفِيهِ ..علي صُورَتِها تُبدعُهُ ! ذاكَ هو الإنسانُ الآنَ .. وتلكَ طبيعتُهُ : ها هُوَ أصْبحَ : قَدْ صَنعتْهُ صَنيعَتُهُ ! منذُ انْتزَعتْ ـ وهْيَ المخلوقةُ ـ عرشَ الخالقِ..واختَرعَتْ طِرْزَ الحيوانِ الجالسِ .. ثمَّ أحلَّتْهُ محَلَّ الحيوانِ النَّاطقِ .. فانطبعتْ بالكرسيَّ دسِيعَتُهُ: ارتفعَتْ قَنْزعَتاهُ .. اتَّسعَتْ جحْفلتاهُ .. تَدلَّتْ أَربَعُهُ ! ما أبشْعَ ما يصنَعُهُ الكرسيُّ بنا ! ما أبشعَ ما يصنَعهُ ! شاعر من مصر، وهذه القصيدة ضمن ديوان سيصدر قريبا بعنوان عاش النشيد عن دار المحروسة بالقاهرة.0