بغداد-“القدس العربي”: من المتعارف عليه في المشهد العراقي، أن القوى الشيعية، صاحبة النفوذ الأقوى في سلطة البلاد بعد عام 2003 تحرص مع كل عملية تشكيل حكومة جديدة بقيادتها، على إبراز خلافاتها وصراعاتها على المراكز الحساسة وخاصة رئيس الحكومة، ولكنها في كل مرة تستجيب لـ”نصائح” الحليف الشرقي في اختيار الشخصية المناسبة، وذلك ضمن سيناريو متفق عليه لإقناع الشارع الشيعي بوجود نوع من الاستقلالية في اتخاذها القرارات الاستراتيجية.
وبالطبع لا يعني ذلك عدم وجود صراعات متعددة بين أقطاب التحالف الشيعي، سواء على زعامة الشارع الشيعي (المهم في الانتخابات) أو التنازع على الاستحواذ على أكبر عدد من المناصب الحكومية التي تدر ذهبا لا ينتهي على الأحزاب، إلا أنه في النهاية لا بد من تدخل الحليف الجار الذي يعطي “النصائح والتوجيهات” التي يلتزم بها الجميع.
وضمن هذا السياق جاءت زيارة الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني، وهو المسؤول الأمني الأعلى في بلاده، إلى بغداد، تاركا بلده يخوض في أزمة تفشي الكورونا، ليعقد سلسلة اجتماعات فردية ومشتركة، مع القادة الشيعة والمسؤولين الحكوميين، من أجل بلورة الاتفاق على الشخصية المناسبة لرئاسة الحكومة المقبلة وفق متطلبات المرحلة. ومع ان شمخاني التقى مع معظم المسؤولين الحكوميين والقادة الشيعة في العراق، إلا أن اهتمام الإعلام الإيراني ركز كثيرا على لقاء شمخاني مع رئيس المخابرات مصطفى الكاظمي، أبرز المرشحين لمنصب رئيس الحكومة الذي يبدو أن إيران تمنحه ثقتها لأداء الدور المطلوب.
ويصف المراقبون شمخاني بأنه البديل في إدارة ملف العراق، عن قائد فيلق القدس قاسم سليماني، الذي قتلته غارة أمريكية قرب مطار بغداد، وأن زيارته ونصائحه للقوى السياسية، في هذا التوقيت، أراد منها توجيه رسائل بعضها للعراقيين بأن تظاهراتهم وغضبهم من العملية السياسية الفاشلة، لن يغير من قواعد اللعبة السياسية، مع رسائل إلى الأمريكان باستمرارية الدور الإيراني الفاعل في العراق، رغم غياب سليماني. والحقيقة أن دور إيران في جمع القوى الشيعية العراقية ليس سرا، بل أن المسؤولين الإيرانيين وبعض حلفائها من القادة الشيعية، يتعمدون الإعلان عنه في كل مناسبة، ومنها ما صرح به مؤخرا محمد الغبان وزير الداخلية الأسبق، من أن “قائد فيلق القدس سليماني، كان يقود جمع البيت الشيعي المنقسم على نفسه الآن”.
وبعيدا عن اعتقاد بعض المراقبين، بأن انهيار أسعار النفط وانخفاض موارد البلاد، قد يلجم اندفاع بعض الأحزاب للاستحواذ على منصب رئيس الحكومة، وذلك نظرا إلى أن هذا المنصب سيكون عبئا كبيرا على أي شخصية أو حزب، بسبب التحديات الجسيمة التي سيواجهها، سواء في إجراء انتخابات مبكرة أو مواجهة آثار انخفاض أسعار النفط أو أزمة كورونا، أو ارضاء الشارع الغاضب، أو مواجهة خطر عودة “داعش” إلا أن مراقبين آخرين يرون أن منصب رئيس الحكومة يستحق الصراع من أجله، كونه الأهم والأكثر قدرة على جلب المنافع والامتيازات للأحزاب في كل الظروف والأزمات.
وفيما تتواصل لعبة أحزاب السلطة في اختيار خليفة عادل عبد المهدي المقال شعبيا، فإن العراقيين يتابعون بقلق هذه الأيام، المخاطر المتعددة التي تحيط بالمشهد العراقي، سواء في كارثة الانخفاض الهائل في أسعار النفط، شريان الحياة في العراق، أو في الدخول في فراغ دستوري متعمد، أو مؤشرات اللجوء إلى الأسلوب الأمني بتشجيع من قوى خارجية لفض الحراك الشعبي الذي دخل شهره الخامس على التوالي من دون تحقيق نتائج ملموسة للشعب، إضافة إلى تزايد أخبار عودة النشاطات الإرهابية لتنظيم “داعش” في مناطق متعددة من العراق وفشل المحاولات الأمنية في انهائها، ناهيك عن احتمالات تصعيد عسكري متوقع بين القوات الأمريكية والميليشيات، التي كررت قصف قاعدة التاجي شمال بغداد قبل أيام، وسقط فيه قتلى وجرحى من التحالف الدولي، الذي رد عليها بشن غارات جوية في منطقة البوكمال على الحدود العراقية السورية، استهدفت مقرات الميليشيات الشيعية الموالية لإيران، وأدت إلى مقتل وجرح العشرات منهم، وسط تأكيد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، إن “الهجوم على قاعدة معسكر التاجي لن يتم التسامح معه، ويجب محاسبة المسؤولين عنه”.
ولا يختلف العراقيون على أن البلاد مقبلة على سلسلة كوارث، أولها مالية واقتصادية إذا استمر تدهور أسعار النفط، مع وصول العجز في ميزانية العراق والديون إلى مستويات قياسية خطيرة غير مسبوقة، بالتزامن مع أزمة تفشي فيروس كورونا وعجز السلطات عن إغلاق الحدود مع إيران التي تمثل بؤرة خطيرة لانتشار المرض، بالتزامن مع اصرار الحراك الشعبي على رفض الأسماء المرشحة من الأحزاب لرئاسة الحكومة رغم تصاعد حملات اغتيالات وملاحقة الناشطين وقمع التظاهرات. ولذا يمكن تلمس حال القلق والذعر التي تخيم على العراقيين حاليا، ليس بسبب آثار كارثة انخفاض أسعار النفط ومخاوف انتشار كورونا فقط، بل لأنهم مقتنعون بأن الشعب هو من سيدفع ثمن هذه الكوارث، ولأنهم، وحسب تجارب أكثر من 15 عاما، لا يثقون بالسياسات الفاشلة لأحزاب السلطة في التعامل مع الأزمات، وسط تفشي الفساد وتضخيم الجهاز الإداري بعناصر الأحزاب التي تنهب رواتبهم وامتيازاتهم نحو ثلثي موارد البلاد، ناهيك عن ترك أبواب العراق مفتوحة للصراع الإيراني الأمريكي وما يترتب عليه من مخاطر اندلاع صراع عسكري بين الولايات المتحدة وحلفاء إيران.