نصب و احتيال تذكاري!

حجم الخط
0

نصب و احتيال تذكاري!

سهيل كيواننصب و احتيال تذكاري!فجأة وقف رئيس البلدية وطلب الصمت من الأعضاء ثم تحدث بصوت فيه مسحة من حزن بأنه حان الوقت لإقامة نصب تذكاري لشهداء بلدتنا الإثني عشر! التوقيت غريب، فميزانية البلدية فارغة تماما ومدينة بعشرات ملايين الشواقل، والمستخدمون يتلقون الوعود بدلا من الرواتب، وهم بدورهم يقدمون الشتائم والشكاوي بدلا من الخدمات، وبعضهم صار يعبّر عن جوعه بحرية تامة، وصار أحدهم يحمد الله كثيرا أنه مر اليوم دون طارق من الدائنين يبهدله في عقر داره!الرئيس الذي أصيب بنوبة وطنية شديدة قال أنه لم يعد يحتمل هذا التقصير، بل وصار يشعر بالعار يلاحقه إذا لم ينجز مشروع (النصب) في فترة رئاسته التي قد تكون الأخيرة بسبب الديمقراطية الزائفة، بل أنه تعقد وصار يشعر بالخجل ويجهده العرَق عندما يزور بلدا يأخذه رئيسها لوضع إكليل زهورعلي نصب شهدائها! ولهذا ضرب الرئيس يده الناعمة علي الطاولة الملساء وقال..لن أسمح بأن يكون أي شهيد في العالم مكرماً وعزيزا أكثر من شهدائنا! ثم بدأ بانتقاد نفسه! هل الولائم والمآدب التي أقمناها علي حساب البلدية لكلاب آخر الزمان أهم من هذا المشروع؟ وهل الملايين التي أهدرناها علي رشوة لاعبين وحكام في كرة القدم بموافقة بعضكم أهم من الشهداء؟ أم الأموال التي دفعناها هباء لشراء حواسيب منتهية الصلاحية للمدارس؟ اسمحوا لي أن انتقدكم لأنكم تصمتون وأنتم ترون الأخطاء! والصامت عن الحق شيطان أخرس! اقتنصت لحظة الرحمة هذه وتساءلت- لكن من أين المال للنصب وأكثر من مئة مستخدم لم يحصلوا علي رواتبهم منذ أشهر! فرد الرئيس- رجاء..لا تعلموني الإنسانية! فرواتب المستخدمين أمر مقدس! و(مرة أخري) ضرب الطاولة صائحا..المستخدمون ليسوا ملائكة إنهم بشر بحاجة للطعام والشراب! وأبناؤهم مثل أبنائنا لهم احتياجاتهم وطلباتهم، وأخرج منديلا من جيبه، ومسح عينيه في إشارة الي أنه ربما قد يعن له أن يبكي! وبلمحة سريعة فهم أنه هكذا سيزيدها وقد يخرّب كل مسرحيته، فعدّل مشاعره وقال…يجب فصل الأمور عن بعضها البعض! هناك متبرعون من صندوق خارج البلاد للنصب التذكاري فهل نرفض ونضيّع الفرصة؟اشتبكت الاقتراحات أين سيكون موقع النصب؟ في وسط البلدة..علي مدخلها الشرقي أم الغربي، أم حيث أعدم عدد منهم في ساحة العين عام النكبة؟الوقت ضيق، قال الرئيس، ولا مجال الآن للمهاترات والمزايدات والقومجية الفارغة، ولهذا فإنني أوكلت تخطيط النصب لمهندس البلدية! حينئذ قمنا قومة رجل واحد- ما علاقة المهندس بالتخطيط لنصب تذكاري! ..نحن بحاجة لفنان تشكيلي..! المهندس فاشل، واشتري شهادته من سوق إحدي الجامعات الوهمية من إحدي دول الاتحاد السوفييتي الفارط! في الحي الذي أشرف فيه علي مد شبكة الصرف الصحي تنقلب المياه العادمة عكسيا! بسببه توجد عشرات الشكاوي ضد البلدية! علي كل حال يوجد عدد من الفنانين المستعدين منذ سنوات للعمل تطوعا شرط توفير المواد الأولية لهم! رد الرئيس مستنكرا- لا تقولوا لي تطوع! في هذا الزمن (ما في بلاش إلا العمي والطراش)! والرخيص يكلف غاليا! حاولنا معرفة مقدار المبلغ الذي سيصل من المتبرعين الكرام دون جدوي، فقد خلط الدولار باليورو بالإسترليني بالشيكل والدفعة الأولي بالثانية حتي خرجنا بنتائج مختلفة تتراوح بين العشرة آلاف حتي الخمسين ألفاً من العملات المختلفة! مضت أسابيع ونحن ننتظر لقاءه! لكن في كل مرة كانت لديه حجة لتأجيل لقائنا، وفاة صديق قديم..ومن لا قديم له فلا جديد له، وداع معتمرين.. تقبل الله منهم ومنا، وعكات صحية مفاجئة..وكلنا بشر، بضعة أيام نقاهة..وهذا حق فلماذا الحسد! اجتماعات مع مسؤولين لحل أزمة رواتب المستخدمين..وهذا واجب مقدس! تصاعد دخان مفاجئ من محرك سيارته.. قضاء وقدر! السعي في صلحات بين فرق كرة القدم المتناحرة.. أصلحوا بين أخويكم ! والأهم حنينه المفاجئ للأرض والتراب والشمس.. وكلنا من تراب والي التراب نعود! كنت عائدا من العمل عندما رأيت علي مدخل البلدة جرافة البلدية تنقل صخرة ضخمة ما زال تراب السّفح القريب طريا عليها، وبالضبط علي دوّار البلدة ألقت الجرافة بالصخرة، وحينئذ بدأت الشكوك تساورني، لا… لن أسمح له هذه المرة بالنصب! في اليوم التالي رأيت أحد عمال الصيانة بيده مشحذ كهربائي ويضرب حزوزا متوازية علي الصخرة! سألته عما يفعل! فقال..أوصاني الرئيس بأن أخط علي هذه الصخرة إثني عشر خطا، وحذرني من الخطأ بالعدد! هرعت فارعا دارعا باحثا عن الرئيس، ولكنه كان مسافرا في مهمة غامضة الي العاصمة، ولم أره إلا بعد أسبوع..وهو يقص شريط الكشف عن النصب…… حوله عدد من المصفقين ومصوّر وبعض الأهالي الذين نظروا إليه بحب وعطف، وقد قرر بعضهم أن يغفر له كل تجاوزاته السابقة… بدأت أهمهم وأدنو منه..وما أن انتبه لوجودي حتي أشار إلي وقال…أدعو أخي الأستاذ الكاتب الشريف الفاضل عضو البلدية وصاحب الفكرة الأول أن يلقي كلمته في هذه المناسبة التاريخية…كاتب من فلسطينQMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية