زهرة مرعي
دخل اللبنانيون منذ أكثر من شهر في حملة إعلانية إعلامية كبيرة جداً دعماً لتصنيف أحد معالمهم السياحية الرائعة جداً من ضمن عجائب الدنيا السبع، إنها مغارة جعيتا. من حيث المضمون وما تختزنه المغارة بداخلها من مشاهد ومناظر لا نملك حيالها سوى القول ‘يا الله وسبحان الخالق’، فهي تستحق وبجدارة. ندخلها ونخرج منها وفي بالنا محاولات لقراءة مشهد هنا وتجسيد أخر هناك، فالمكان ينطق بالحكايات والمنحوتات التي تسلب الألباب.
بكليتهم تجند اللبنانيون تصويتاً للمغارة، استنفروا المقيمين منهم والمغتربين. نزلوا إلى ساحة الإعلام الأكثر تأثيراً في أيامنا. كانوا جميعهم على شاشة التلفزيون بدءاً من رئيس الجمهورية، كما لم يتركوا فرصة متاحة عبر مواقع التواصل الإجتماعي. فجهود وزارة السياحة كانت واضحة وبقوة. على الشاشات كان نواب الأمة الذين يستميتون خلال الإقتراع الديمقراطي للحصول على صوت إنتخابي يقولون وبالفم الملآن ‘ما تصوتولي صوتوا لجعيتا’. كذلك كان الممثلون، ومقدمي البرامج التلفزيونية، ولم تغب عن الحملة ملكات الجمال اللبناني. وجميعهم يردد ‘ما تصوتولي صوتوا لجعيتا’. تعددت وسائل الدعوة للتصويت لجعيتا في مختلف السبل والوسائل الإعلانية والإعلامية المتاحة. إلى هنا بقيت الأمور ضمن حدودها في استخدام الإبداع التواصلي اللبناني دعماً للفوز. وعندما ظهر الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في حوار سياسي على قناة المنار مع الإعلامية بتول ايوب، ودخل الحوار في الموضوعات الوطنية الآنية حتى اختلفت المعادلة. دعا السيد للتصويت لمغارة جعيتا مصنفاً الأمر من ضمن الواجبات الوطنية، ومن ضمن الإحترام والتقدير للخلق الرباني الذي أنعم علينا بهذا المعلم السياحي الطبيعي. ولأن الصراع اللبناني الصهيوني له طابعه العسكري، والثقافي كذلك بدأت معركة من نوع آخر أضيفت إلى المعارك السابقة منها السطو الصهيوني على الألحان اللبنانية، والسطو على صحن الحمص وصحن التبولة والفلافل كذلك. ولهذا وقف بنيامين نتانياهو في الكنسيت الصهيوني داعياً للتصويت للبحر الميت كواحد من عجائب الدنيا السبع، ليس حباً بالبحر الميت، بل نكاية بالسيد الذي وسّع نشاطه بما لا يرضي رئيس حكومة العدو ووصل إلى القطاع السياحي. ونتانياهو يدرك كم هو كلام السيد مطاع، بل هو حتى يتحول لتكليف شرعي.
مغارة جعيتا دخلت إلى البرامج الفكاهية جميعها على الشاشات اللبنانية كمشجع على التصويت ومنها برنامج شي NN على قناة الجديد. أقطاب هذا البرنامج بدوا مرتاحين للصراع القائم مع العدو حالياً. فهم استندوا إلى دراسات تقول بأن البحر الميت سيجف خلال العشر سنوات المقبلة، وعندها ‘بيصير أكبر مملحة في العالم’ بحسب أبو طلال. لكن البرنامج بقي متوجساً من رصد حكومة العدو مبلغ ثلاثة ملايين دولار للتصويت للبحر الميت.
أما في حال نجاح مغارة جعيتا بنيل حظوة الدخول إلى ميدان عجائب الدنيا السبع فسيكون لهذا الأمر ضريبة فادحة. فالفنان الكوميدي طوني أبو جودة قرر في لوحة إعلانية تلفزيونية وأمام الملأ بأنه سيقبل بقرة ‘BOUCHE A BOUCHE’. يا رب أعطنا الفوز بهذا اللقب لنرى نذر طوني أبو جودة محققاً، وكذلك على شاشة التلفزيون. فوعد الحر دين، كما يقول المثل.
غيمة بالساءهو عنوان لفيلم وثائقي أخرجته ساندرا ماضي وعرضته قناة الجزيرة لساعة من الزمن ضمن برنامجها المسمى ‘وجهة نظر’. هو وثائقي مشغول على وقع معاناة 27 ألف نازح فلسطيني من مخيم نهر البارد إلى جواره، إثر المعارك التي خاضها الجيش اللبناني مع فتح الإسلام وعلى مدى أشهر في ربيع سنة 2007. حينها تحول المخيم إلى كتلة من الركام، وتحول سكانه إلى حالة لجوء ثانية بعد نكبة 1948. شكّل هذا الوثائقي صرخة إنسانية مرّة لسوء الأوضاع التي يعيشها اللاجئون الجدد في البيوت الجاهزة. وصرخة إنسانية أكثر مرارة لكون السلطات اللبنانية المتمثلة بالجيش اللبناني تعامل أهل هذا المخيم وكأنهم جميعهم فتح الإسلام. في حين أن أفراد هذا التنظيم متوارون أو لم يعد لهم وجود بعد إخراجهم من نهر البارد. يقول المواطن الفلسطيني بكل وضوح وحرية: إذا ربحت كلبناني في هذه المعركة، أكون قد ربحت كفلسطيني، لأني لم أكن مع فتح الإسلام. ولو كنت تراني في موقفك ومعك لكنت تسّرِع عملية البناء’. وبقدر ما يشكو الفلسطيني من تلك الإهانات التي يلقاها من السلطات اللبنانية أثناء محاولته الحصول على تصريح لدخول المخيم، يشكو كذلك من اللجان الشعبية الفلسطينية. فهي تتوانى في الدفاع عن الحق الإنساني الطبيعي للاجئ الفلسطيني في مخيم نهر البارد. كذلك تفعل وفود السلطة الوطنية الفلسطينية حين تزور لبنان وكانت الزيارة الأخيرة لرئيسها محمود عباس.
يحكي الفلسطينيون ويستفيضون حول معاناتهم وحياتهم التي لا تشبه حياة البشر في ‘البراكسات’. يشكون البطئ في إعادة الإعمار. حتى ممثل الأونروا الذي كان جزءاً من هذا الوثائقي قال: لقد فقد المخيم الإهتمام الذي يستحقه. دول الخليج لم تلتزم بكامل مساهمتها بإعادة الإعمار، بإستثناء السعودية التي وفت بدفع 25 مليون دولار.
المعاناة دفعت سكان ‘البراكسات’ للتجلّي في وصف الحال البائس واليائس: ‘نحنا غيمة بالسما بلحظة بيجيها تيار جارف وبتسقط’! هذه قمة اليأس. في المقابل يتساءل مواطن آخر: هل صحيح نحن في بلد ديمقراطي أم هي أحلام؟ لم يترك هذا الوثائقي أمراً من معاناة فلسطينيي نهر البارد والقهر الذي يغرقون به. هي أسئلة ووقائع. من الأسئلة الجوهرية: إلى متى سأبقى أعامل كفلسطيني من زاوية أمنية وليس إنسانية؟ ومن الوقائع تلك السيدة التي أفصحت عن مكنوناتها مخاطبة المخرجة مباشرة: قالوا لنا يا ساندرا البراكسات لا تصلح للسكن أكثر من سنتين، بعدها تصبح ضارة على الصحة. نحن نسكن فيها منذ أربع سنوات. ومن الوقائع الصالحة للتندر في عصرنا قالتها إمرأة أخرى: نحن نعيش مع الجرذان. رفيقتي قرط الجرذ يدها.
الإعمار في مخيم نهر البارد يسير ببطئ، السكان يعترضون على طريقة البناء التي تفتقد للشروط الإنسانية. الفلسطيني في لبنان متروك من سلطته. والسلطة اللبنانية تعامله كمتهم حتى يثبت العكس. الغضب داخل هذا الإنسان يكبر. لكن التعبير عنه محدود بحدود لا تتعدى أطر أماكن النزوح الجديدة ولا من يسمع. وهكذا ينتهي هذا الوثائقي بمشاهد النزوح من مخيم نهر البارد. فالنزوح قدر على الفلسطيني. وساندرا ماضي تمكنت من إلتقاط نبض الناس، أتاحت لهم التعبير. نقلت معاناتهم لكل من رأى وتابع هذا الوثائقي. نجحت في ضبط صورتها وتوجيهها إلى ما هو فاقع جداً في معاناة بشر ينامون ويحلمون بأن يصبح الصباح على واقع إنساني لهم ولأطفالهم. لكن بينهم وبين الحلم مسافة تقف عند حاجز الأمن الذي لا يعرف سوى القبضة الحديدية، وعند حاجز السياسة التي لا ترى في ‘كومة’ البشر تلك أولوية. فالربيع العربي ليس بمتناولهم. العلم الفلسطيني في ملعب اسبانيمن ضمن نشرة الأخبار على قناة الجديد وصلنا خبر تكمن أهميته في صورته أكثر منها في سياقه ككلمة. ففي مباراة لكرة القدم بين فريق اسباني وأخر إسرائيلي نزل متحمسون أسبان إلى أرض الملعب حاملين العلم الفلسطيني يركضون ويهللون. وإذا بالأمن الإسباني يطبق عليهم ويعمل جاهداً لإبعادهم عن أرض الملعب. وكان لافتاً أن إخراجهم من الملعب تمّ وهم يخفون شخصياتهم، فيما كانت وسيلة التخفي هي العلم الفلسطيني بحد ذاته، فتمتعنا به طويلاً مع جمهور كان يصفق ترحيباً.
ليست المرة الأولى التي يظهر فيها العلم الفلسطيني في ملعب أوروبي. لقد تكاثر ظهوره مؤخراً، وليس بالضرورة أن يكون رافعه فلسطيني أو عربي الهوية ـ وهذا ما يحصل عادة ـ بل هم مواطنون أوروبيون يؤمنون بعدالة قضيتنا، وبأن الصهاينة سلبونا أرضنا. بل إضافة لذلك صارت الأندية الرياضية الأوروبية وخاصة في كرة القدم مصنفة بين يهودية الهوى وأوروبية، وتحول العلم الفلسطيني إلى وسيلة ‘زكزكة’ لمشاعر من هم صهاينة ومؤيدين للكيان المغتصب.
إنها الصورة المعبرة التي تغني عن ألف خطاب قد يصنفه البعض بالمهم، في حين يكون خاوياً وتافهاً. فكلام السياسيين العرب بحق فلسطين بما فيهم الساسة الفلسطينيون صار من دون وقع ونكهة، لأنه فقد بوصلته. وصمتهم أبلغ من كلامهم.
صحافية من لبنان[email protected]