ناحوم برنياع
تقع مقاعد الصحافيين في مجلس النواب الامريكي فوق منصة الخطباء. لا يمكن رؤية وجه الخطيب من هناك بل وسط رأسه فقط، لكننا نرى وجوه سامعيه من اعضاء مجلس النواب. كانت حماستهم لسماع خطبة نتنياهو صادقة غامرة.
شعرت بالفخر بصفتي اسرائيليا. فالهتاف بُذل لرئيس حكومتي ولدولتي. من المفرح جدا ان نتأكد من أن منتَخبي القوة العظمى الأقوى في العالم يؤيدون دولة اسرائيل على هذا النحو. انتصر نتنياهو: فقد هزم الرئيس اوباما في المواجهة على خطوط 1967، وهزم السوداويين الذين حذروا من مجابهة مع الادارة، بل انه هزم التقديرات التي صدرت عنه هو نفسه عشية الزيارة.
نصر عظيم ونصر تاريخي، وضربة قاضية في استطلاعات الرأي. آنذاك تذكرت ايام غولدا مئير الطيبة. فعندما كانت غولدا مئير رئيسة حكومة، سيطر الجيش الاسرائيلي على مساحة أكبر من مساحة دولة اسرائيل بأربعة أضعاف، من القنيطرة الى القنطرة، ومن قناة السويس الى ظاهر دمشق، كانت الحياة طيبة. فقد قطع مئات آلاف العمال الفلسطينيين الخط الاخضر كل يوم، وعملوا في كل عمل صعب، ونظفوا غرف بيوت الدرج وغسلوا الأطباق في المطاعم. كانوا شفافين لا يُرون. واستوطن المستوطنون. وحظي ألوية الجيش الاسرائيلي بقدر كبير من التقدير. فملأت اسماؤهم أعمدة النمائم الصحفية. وأعلن وزير الدفاع موشيه ديان أن شرم الشيخ أهم من السلام ووافقه على ذلك أكثر الجمهور. ورفضت غولدا مئير مبادرات سياسية باحتقار.
أحبها الامريكيون: فقد أحبوا الفصل الامريكي في شبيبتها وأحبوا انكليزيتها وخطابتها وفخرها اليهودي. كانت ذات شعبية كبيرة جدا بحيث اختار آندي فورهول ان يرسم صورتها الى جانب صورة مارلين مونرو.
الى أن نشبت حرب يوم الغفران. أضاعت غولدا احتمال منع حرب بسبب صلف زائد هو صلف المنتصرين. لم تكن تلك خطيئة نتنياهو في واشنطن. فلم ينتظره السلام هناك، لان الاتفاق يحتاج الى اثنين والتقدير الواعي للطرفين يدل على ان أبو مازن مثل نتنياهو غير مستعد لأن يدفع الآن التكاليف المطلوبة.
لكن خيار التوصل في وقت ما، بوساطة امريكية، الى حل الدولتين كان موجودا. لكن نتائج رحلة نتنياهو الى واشنطن تقضي على هذا الخيار.
خدم باتريك موينيهان الراحل الذي كان سفير الولايات المتحدة في الامم المتحدة وممثل ولاية نيويورك في مجلس الشيوخ الامريكي، خدم في البداية حياته المهنية في البيت الابيض، وكتب استعراضا مفصلا متشائما جدا لوضع السود في الأحياء الفقيرة، ولخصه بتوصية الى الرئيس أن يدع الوضع كما هو. دعا الى سياسة اقترحها هي ‘الاهمال الايجابي’. هذا ما يقترحه الآن أفضل الخبراء على اوباما: أُترك الاسرائيليين والفلسطينيين على حالهم. فكل ما ستفعله لن يفضي الى اتفاق وسيضر بك سياسيا. بل ليقفوا في مواجهة مصيرهم حتى نهاية الزمان.
بدأ اوباما يسلك هذا السلوك في واقع الأمر. فهو لا يسارع الى تعيين مبعوث الى الشرق الاوسط، ولا يرسل وزيرة خارجيته الى المنطقة، ويدع النظام الجديد في مصر يُجند نفسه لخدمة حماس. فما الذي يجعله يُدخل رأسا سليما في فراش مريض؟
ينتقل النشاط من مكاتب الساسة الى الشارع والى الميدان. لست أعلم ماذا سيحدث في الشهور القريبة، فلست نبيا، ولكن لا يُحتاج الى قدرة تنبؤ لادراك انه لا يوجد فراغ. في الجانب الاسرائيلي سيملأ المستوطنون والقسم اليميني من الائتلاف الفراغ الذي نشأ، فقد أبعد نتنياهو عنهم الشرطي الامريكي. وفي الجانب الفلسطيني سيتم ملء الفراغ بحملة سلب اسرائيل شرعية وجودها. سيتم ذلك في مؤسسات دولية، وفي حكومات وأحرام جامعية في العالم وعلى أسوار الحدود. ستكون تلك حملة دعائية قبيحة مُغضبة وربما فتاكة ايضا.
عادت غولدا مئير عشية حرب يوم الغفران من زيارة الى الخارج. فقد كانت تعظ رئيس حكومة النمسا اليهودي برونو كرياسكي، واشتكت من انه لم يعطها حتى كأس ماء. كان الجمهور الاسرائيلي معها بقلبه كله، وبعد ذلك نشبت الحرب.
يديعوت 30/5/2011