اسماعيل القاسمي الحسني تابعت كما الملايين خطب السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله، والحقيقة أني أفعل ذلك منذ خمسة عشر عاما على الأقل، ليس المقام هنا لتبرير ذلك، وإنما للتأكيد له شخصيا لعلمي بأنه يكاد يكون استثناء من الزعماء العرب (كما أشار المفكر المرحوم عبد الوهاب المسيري) الذين يتابعون قراءة ودراسة ما تستعرضه الصحف العالمية ذات المصداقية والمهنية أو الأكثر انتشارا وشهرة في العالم، ولا حاجة للتذكير بأن ‘القدس العربي’ من أبرزها، قـــــلت لأثبت له ولمن وراءه من رجال الله، أنه محط عناية واهتمام ومتابعة الطبقات الاجتماعية الدنيا في أطراف الأمة، ولا يرقى إليه شك بأننا ننتظر مداخلاته أكثر بكثير من انتــــظارنا أو حتى التفاتنا إلى خطب قياداتنا السياسية التي لا تحظى بأدنى اهتمام يقاس باهتمامنا به، قد يسأل قارئ: وما أهـــمية رأي فلاح أو متابعته واستعراضه لوجهة نظره على تواضعها عبر صحيفة دولية؟ ما قيمة ذلك؟ الجواب ببساطة: إن عدو حزب الله يعرف قيمة ذلك جيـــدا، وليعلم بمقال موثـــق ومنشور، أن طبقة عريضة من المجتمـــع العربي على امتداده تؤمن يقينا بخط المقاومة، وتعتبر إسرائيل عدوا محتالا ومحتلا لأرضنا، وأن فلسطين ليست ملك منظمة التحرير فضــــلا عن محمـــود عباس والفياض وقريع وغيرهم، بل هي ملك لنا جميعا، وأن تراكم المعلومات التي تصنع الوعي الجمعي لا يمكن أبدا التنبؤ بلحظة تجسيدها، ومتـــى تفعل كتلتها لا يقاس بعام أو بضعة عقود من السنين، والعبرة أخيرا بالنتيجة، واحد مؤشراتها ما أشير إليه هنا، هل اهتمام الأمة بجميــــع أطيافها وطبقاتها بقضية فلسطين والمقاومة في حالة ازدياد وتضاعف أم العكس؟ الإجابة العلمية دليل قاطع وجازم ومؤشر قوي على من ستدور الدوائر وإلى أين سينتهي الأمر. وإذا أردتم تبسيط هذه النظرية أكثر أقول: إن كان بعض القراء بل وكثير من الكتاب والصحافيين لا يعتبرونني أو لا يصدقون بأنني مجرد فلاح من الريف الجزائري وهبه الله ملكة الكتابة، فالمعنيون بذات الأمر من العدو الإسرائيلي وكذلك الولايات المتحدة وغيرهم ممن لهم علاقة بالأمر يعلمون يقينا أنني كذلك، وما يستثيرهم أني وأمثــــالي بالآلاف باتوا يعرفون تفاصيل كثيرة عن عمق الصراع وأدواته في الشـــرق الأوسط وكذلك أهدافه، ومن المفارقات مثلا أن تجد منا من يعرف شخصيات سياسية لبنانية وفلسطينية وسورية وإيرانــــية بعيــــنها أكثر مما يعرف عن شخصيات وطنه بكثير، بل الأعجب في الأمر مثلا لا حصرا والأهم والأخطر على الإطلاق، أننا بتنا نفســـر أوضاع بلداننا وسياسات سلطاتها على ضوء الصراع – وليس المؤامرة – المتأصل بين هذه الأمة وأعدائها المحتلين لأراضيــــها، المستـــعبدين لجزء من شعوبها، ولعل أقرب دليل على ذلك زمنيا، قيام القناة الإسرائيلية العاشرة بعرض حلقة كاملة حول القدرات العسكرية الجزائرية 12/08، وصفقة طائرات الهيلوكبتر وغيرها، طبعا تناول هذا الموضوع من زاوية هل الجزائر طرف في الصراع؟
إذن حتى وإن تنكر سياسيونا لهذا الواقع فإنما به يعاملنا العدو، وعلى أسسه يبني خططه، ومتى اكتمل رسوخ هذا الوعي فينا وقيض الله له رجالا قادة (أعني الرجال الرجال لا أنصافهم أو أرباعهم) سيفهـــم حينئذ ما أقول اليوم ولعل غدا لناظره قريب.
باختصار شديد، كما جرت العادة لدينا نحن الفلاحين، نلتقي كل مساء نتداول أطراف الحديث حول المستجدات، هذه الليلة فرغنا من متابعة المؤتمر الصحافي للسيد، واستعرضت ما جاء قبله وردود الفعل لحظة فراغه، وشرع القوم في التساؤل حول رد الرئيس الأسبق أمين جميل، وآخرين استوقفهم تصريح لمقرب لسعد الحريري قدر قبل المؤتمر أن معلومات نصر الله كلام فارغ ولا تحمل جديدا ذا قيمة حتى قبل طرحها رجما بالغيب، وآخر لفت انتباهه قدرة جهاز مخابرات حزب الله التي فاقت التصور، وقطعا تحرج ما يسمى لدينا تجاوزا أجهزة مخابرات، لكن عمي ‘الطيب’ وهو رجل في عقده السابع، يعني واكب الثورة المجيدة عام 1954 ؛ عرف خلالها رجالا آمنوا بنصر الله، لم يكونوا كما رجال حزب الله اليوم، بل أكثر فقرا بكثير، حرموا من التعليم قهرا وكثير من الأشياء يصعب عدها، ولكن بذات عقيدة رجال حزب الله وذات العزم والإصرار والاستبسال؛ كما عرف في نفس الوقت من لا يصفهم إلا بالمخنثين – أعز الله أقداركم – طبعا من بني جلدتنا، ذلكم أنهم اتخذوا من المجاهدين حديث مسخرة وتهكم، أهؤلاء سيهزمون فرنسا والحلف الأطلسي؟ أبعد أن احتلت الجزائر لأزيد من قرن وولد لها أجيال هـــــا هنا، ورسخت لدى الشعب الفرنسي قناعــــــة بأن هذه الأرض أرضهم، يأتي هؤلاء الجهلة الرعاة الفقراء، ويــــهزمون آلتها العسكرية؟ هذه أضـــغاث أحــــلام، هذا هراء وجنون وسفه عقل، هذا ما يسمى باللاواقعية، المهم كثير من هذا الكلام الذي تسمعونه الـــيوم؛ سألنا عـــمي الطيب عن رأيه أو سبب صمته، فرد بإيجاز: إن الصراع هناك في الشرق الأوسط والممتد إلى كل أطراف الأمة، ليس قائما على: هل فلسطين من حقنا أم لا، بل هل يمكن هزيمة العدو أم لا، المشككون في قدرتنا على ذلك يلبسون موقفهم ألف لبـــــوس خشية انكشــاف سوءة جبنهم ليس إلا، تارة بلبــــاس الواقعية وأخرى بالسلام خيار استراتيجي، وغيــــرهما من القـــش البالي الذي لم يعد يصلح لشيء؛ ويصعب على السيد حسن نصر الله إقناعهم بالقدرة على الانتصار، ذلك أن حالهم كحال شاب ولى إلى أمه ذات يوم فزعا فارا من دجاجة كانت في فناء البيــــت، بحجــــة أنها ستأكله لأنه حبة شعير، أصيبت الأم بصدمة وحاولت إقناع ابنها بأنه رجل قوي البنية ويستحيل على الدجاجة أن تأكله، فرفض الفكرة أصلا وأغلق على نفسه باب غرفته، مما اضطر أهله لاستدعاء حكماء القرية، وبعد جهد مضني اقتنع الشاب بأنه إنسان ولــيس حبة شعير، فطلبوا منه الخروج من الغرفة وإن لقي الدجاجة يمكنه الإمساك بها دون أن تمسه بسوء، خرج إلى فناء البيت وما كاد يرى الدجاجة حتى ولى مدبرا مولولا، فلما سألوه أجاب: صحيح أنكم أقنعتمــــوني بأني رجــــل ولست حبة شعير، ولكن هل أقنـــعتم الدجاجة بذلك!
؟ من وقفوا ضد نصر الله من كتاب ومفكرين وغــــيرهم من قادة ســـياسيين، يطالبونه بإقناع العدو بأنهم ليسوا مجرد حبات شعير.. سحقا لهكذا منطق وعقول تدعي التفكير.. وكثّر الله من أمثال عمي الطيب…’ فلاح جزائري[email protected]