كمال الشناوي فتى الشاشة الأول في سينما الأبيض والأسودالقاهرة ـ ‘القدس العربي ـ من كمال القاضي: في منتصف الأربعينيات ونهاية الخمسينيات كان كمال الشناوي هو فتى الشاشة الأول يراهن عليه المنتجون في شباك التذاكر، حيث تحقق أفلامه أعلى الإيرادات، ولأنه يتميز بالخفة والمرح وشيء من الكوميديا فقد استحوذ على معظم البطولات، إذ لم يكن هذا النمط من الأداء سائدا في تلك الفترة. فالتمثيل أخذ طابع الوعظ والخطابة يعتمد على توصيل رسائل اجتماعية وأخلاقية مباشرة كما كان واضحا في أداء حسين صدقي ويوسف وهبي كأبرز خطباء السينما ووعاظها، حين جاء الفتى الوسيم وعرف طريقه الى النجومية بعد اكتشافه في بعض الأفلام الكبرى التي قام فيها بأدوار ثانوية مثل دور جعفر في فيلم أمير الانتقام مع أنور وجدي بدأت نوعية أخرى من البطولات تظهر على الشاشة مع تغيير جذري في السيناريو والإخراج والتمثيل.
وبرغم وجاهة الشناوي وهدوءه ورومانسيته إلا أن قدراته الفنية التي لا تقف عند حدود المظهر الخارجي والانطباع أهلته للقيام بأدوار الشر فجسد شخصية العشيق المتآمر في كثير من الأفلام مع نجوم كانت تنطبق عليهم مواصفات الدهاء والمكر مثل استيفان روستي وصلاح نظمي وزوزو ماضي واستطاع الاكتشاف الجديد أن يضارعهم ويتفوق عليهم أحيانا، وظلت هذه السمة غالبة علي أدواره فترة طويلة من بداية مشواره الفني إلى أن أعيد اكتشافه مرة أخرى بطريقة تناسب صفاته وملكاته الأساسية فغدا البطل المعتمد في جميع الأفلام العاطفية وشكل ثنائي متميز مع الفنانة شادية وصارا حبيبان يشار اليهما كرمزان للرومانسية وقصص الحب الغرامية الملتهبة.
ولكي لا يكون البناء الدرامي مبنياً على خط واحد وقاصرا على دور البطل والبطلة فقط تفتق ذهن كتاب السيناريو الى إدخال عنصر الكوميديا بالفيلم الرومانسي فاصبحت الفرصة ملائمة لمشاركة أبطال الكوميديا كطرف في التوليفة السينمائية فظهر بفعل هذا الدمج إسماعيل يس وعبدالسلام النابلسي وزينات صديقي ومارس منيب وحسن فايق وشكوكو وأحمد الحداد كعناصر داعمة ومنشطة، وقد تم توظيف هذا التشكيل في أفلام عديدة من أهمها فيلم ‘حماتي ملاك’ الأعلى إيرادات في هذا الوقت.
ولنجاح هذه النوعية من الأفلام الخفيفة انخرط كمال الشناوي في هذا الاتجاه مع تنوع بسيط في الشخصيات، بدأ في تقديم الشاب الثري المنفلت الذي يغري الفتيات ويوقعهن في شباكه ليتمكن من باتزازهن باسم الحب، تكرر هذا اللون كثيرا قبل أن ينتقل الفنان الى مرحلة مختلفة ويعاود الظهور كبطل نموذجي يمثل فتى الأحلام لجيل كامل من البنات الشابات في سن المراهقة وما بعد المراهقة ولعل من الأدوار العلامات في السينما المصرية دورة في فيلم ‘الأستاذة فاطمة’ مع الفنانة القديرة فاتن حمامة، حيث جسد دور محامي ينافس حبيبته وخطيبته المحامية أيضا على الزبائن من أصحاب القضايا، تميز هذا الفيلم على وجه التحديد ببعدين هامين بعدا رومانسياً إنسانيا تولى التعبير عنه البطل والبطلة، وبعدا آخر كوميديا جسده شكلا ومضمونا الفنانين عبدالفتاح القصري وسعيد أبو بكر ورياض القصبجي، لذا كان النجاح حليفا حتميا بفضل المجهود الشاق لكل من شاركوا في الفيلم الذي يعد من أهم كلاسيكيات السينما المصرية، وقبل أن نعبر مرحلة الشباب في حياة النجم الراحل الكبير كمال الشناوي لابد ان نذكر فيلمه الأبرز مع شريكة حياته الفنية شادية ألا وهو ‘المرأة المجهولة’ صاحب الرصيد الاوفر من الجوائز والرحلات المكوكية الى مهرجانات العالم لكونه من الأعمال الفارقة التي جسدت مأساة امرأة راحت ضحية لظروف اجتماعية قهرية ففقدت كل شيء وصارت حطاما بعد ان كانت آية من الجمال والحيوية، كمال الشناوي ايضا لعب دور المجرم القاتل ببراعة منقطعة النظير واستطاع أن يجسد المراحل السنية للشخصية بشكل مقنع بعيدا عن المزايدة والمبالغة والافتعال، وقد كان فيلم المرأة المجهولة نقلة نوعية في أداء النجمان والبطلان، الشناوي وشادية.
بعد انقضاء مرحلة الشباب وتغيير نوعية الأدوار بحكم الزمن والسن لم تتجاوز السينما فنانها القدير وأبرز نجومها بل وضعته في المكانة اللائقة به كقامة كبرى وتاريخ مشرف إذ عهدت إليه ببطولات تناسب المرحلة العمرية فجسد مثلا دور خالد صفوان في فيلم ‘الكرنك’ بمنتهى البراعة وأرخ به لمرحلة فنية مختلفة من حياته، كما قدم دور الأب الصارم في فيلم عن حرب اكتوبر لعبت فيه دور ابنته الفنانة نجلاء فتحي مع محمود يسن وسمير صبري، وظل بارزا على الساحة الفنية تحيطه الأضواء كعهدة في سن الشباب، وعندما تقدم به العمر نسبيا قدم دراما تليفزيونية في مسلسل ‘هند والدكتور نعمان’، ثم عاود الظهور مجددا في السينما بأفلام كانت أقل حظاً منها فيلم ‘عزبة الصفيح’ مع نادية الجندي وفيلماً آخر بعنوان ‘طأطأ وريكا وكاظم بيه’ مع جالا فهمي والراحل نجاح الموجي، وايضا فيلم ‘الصاغة’ و’العجوز والبلطجي’، وأتصور أن كل هذه الأفلام كانت تنويعا على ما قدمه كمال الشناوي نفسه في المراحل المبكرة من حياته كأنه إعادة انتاج لما سبق مع فوارق طفيفة في القصة وطريقة التناول واسلوب الإخراج حيث كان الغرض المستهدف هو استثمار نجوميته فقط لا غير لتنشيط التوزيع الخارجي ليس إلا ولم يكن باستطاعة الفنان القدير أن يرفض طالما وجد الحد الأدنى من الجودة في المستوى الفني لأنه كان يعي تماما قوانين السوق وما تفرضه المرحلة العمرية لكل فنان وأن الاعتراض والتمسك بالقيمة الكلية لا يعني سوى الانزواء وهجرة الشاشة بغير رجعة، من هنا كانت تنازلاته النسبية محسوبة بدقة وخاضعة لهذه الاعتبارات، مرت سنوات ظل خلالها كمال الشناوي يتراوح في اختياراته بين نوعيات مرت سنوات ظل خلالها كمال الشناوي يتراوح في اختياراته بين نوعيات مقبولة وجيدة حتى جاء فيلم ‘الإرهاب والكباب’ وأسند إليه دور وزير الداخلية فأحدث ضجة لأهمية القضية التي كان يعالجها وارتباط الدور بمنصب حساس وشخصية كادت وقتها تعد الآمر الناهي في البلاد، انتعش الفنان من ردود الأفعال الايجابية تجاه الدور وما حصل عليه من جوائز وشهادات تقدير وشعر بأن زمانه عاد مرة أخرى وأن الحياة ابتسمت له من جديد وبالفعل تأكد ظنه وتوالت عليه الأدوار ولكنها لم تكن في المستوى الذي ينشده، غير أن معظمها كان تليفزيونيا، وقد تعامل مع الأمر الواقع وركز نشاطه في المرحلة الأخيرة على التليفزيون ليحتفظ بمكانه في بؤرة الضوء ولكن في السنوات القريبة الماضية داهمه المرض ونالت منه الشيخوخة فلم يقوى على الحركة وكان آخر ظهور له في حفل افتتاح المهرجان القومي للسينما الروائية منذ فترة طويلة، حيث تم تكريمه فجاء الى دار الأوبرا ودخل قاعة المسرح الكبير جالساً على كرسي متحرك.
اختفى فتى الشاشة والممثل القدير وحجبت عنه الاضواء فبات يطل على جمهوره عبر شاشات الفضائيات من خلال أفلامه القديمة وسيظل بطل دائما فنراه ونعايشه كما لو كان حياً، فهكذا الفنان يعيش طويلا والتسعون عاما التي عاشها كمال الشناوي بيننا وأفنى منها 70 عاما في بلاتوهات السينما واستديوهات التليفزيون وقاعات الفن التشكيلي، حيث هوايته ومهنته الأولى كانت الرسم، كل هذه السنوات لن تضيع هباء.