إن مرور خمسين سنة على رحيل السيدة أم كلثوم يعد رقما مهما، يساوي تقريبا عدد سنواتها الفنية، التي ظهرت فيها منذ منتصف العشرينيات إلى رحيلها في منتصف السبعينيات من القرن الماضي. وهذا يثير تساؤلاتنا اليوم: ماذا تمثّل هذه السنوات الخمسون في الحالة الكلثومية والحالة الموسيقية المشرقية عموما؟ وهل ما أحدثته أم كلثوم خلال الخمسين سنة من حياتها الفنية، من تغيير في الموسيقى العربية، استمر بعد وفاتها حتى اليوم؟ وإلى أي مدى إن استمر؟ إذا قسمنا تاريخ الموسيقى والتسجيل في المشرق وعلاقته بما يمكن تسميته بالسنوات الكلثومية، نرى قوسًا زمنيًا متصلًا: نحو نصف قرن بين اختراع الغرامافون وبدايات تسجيل أم كلثوم لاسطواناتها في مطلع العشرينيات، ثم نحو خمسين سنة من عطائها المنتظم حتى رحيلها في 3 فبراير 1975، ثم ما يقارب خمسين سنة تالية حتى اليوم. تتوسط أم كلثوم هذا القوس بوصفها نقطة انعطاف كبرى في تشكل السمع المشرقي، من تعاظم اثر التسجيل واندماجه باللحن إلى مراحل النضج التي بلغتها التجربة مع ملحنيها وشركائها.
أخذت أم كلثوم زمام الفن من جيل الرواد الذين سبقوها إلى الاسطوانة والاذاعة، من ادوار يوسف المنيلاوي وقصائد الشيخ ابي العلا محمد إلى طقاطيق عبده الحامولي التي ظلت حية في الذاكرة الادائية. وسجلت اولى اسطواناتها في منتصف العشرينيات بين طقاطيق وادوار، بعضها مما تلقتّه على يد ابي العلا محمد، وبعضها من البدايات التي نظمها محمد يونس القاضي ولحنها محمد القصبجي رفيق دربها المبكر. وبداية من منتصف العشرينيات نهاية في منتصف السبعينيات، خمسون سنة يمكن تقسيمها إلى خمسة أجزاء، فكل عشر سنوات كانت تمثّل حقبة كلثومية مختلفة من النضج والتغير والتطور، فالعشرة الأولى اتسمت أكثر بالإعادة وجر سمات الأغنية الشرقية الأولى بجيلها الأول، من التركيز على الأداء والاستعراض بالصوت، والثانية من منتصف الثلاثينيات إلى منتصف الأربعينيات فقد مثّلت بداية مرحلة النضج الكلثومي بعد استقرار الموسيقى العربية على قواعدها. فكان صوت أم كلثوم وأداءها في أوج نشاطه مع توجيه مساحاته ضمن إطارات لحنية وموسيقية محددة إلى حد ما. والمرحلة الثالثة تبرز فيها أم كلثوم كأيقونة أكثر، خصوصا بعد نيشان الكمال، ومركزها كفنانة وسيدة أولى للفن في الشرق، فمن هذه المرحلة وما بعدها لم يعد لها منافس تقريبا.
أما المرحلة الرابعة فقد تمثّلت بالجديد وظهور الألحان الثابتة، وانتهاء عصر الطقاطيق، وثبات اللون الكلثومي، وصحة توصيف الحالة الكلثومية، إلى نهاية عصر الرواد، وانتقالا للمرحلة الخامسة الأخيرة التي كتبت في بدايتها أشهر الألحان التي انتشرت سريعا، ومرحلة حفلات المجهود الحربي، ورحلات أم كلثوم الواسعة حول البلدان إلى نهاية هذه الرحلة الطويلة، وظهور ألحان لم تكتمل في نهايتها، فقط لتدلل على أن هذه الحالة الكلثومية التي استمرت خمسة عقود، كان لديها المزيد لولا فرصة العمر الضيقة. الخمسون سنة هذه لم تكن بتلك البساطة أو التجريد المذكور، بل كانت ملاحم فنية طويلة، مليئة بالتطورات والانتقالات، بحيث يمكننا أن ننسب، بكل ثقة، فضل تطوّر موسيقى الشرق خلال القرن العشرين واستقرارها إلى حالة أم كلثوم. فبرحيلها، لم يفق الفن في الشرق من صدمته سريعا، بل طالت فترة الركود، وتكررت محاولات إحياء تلك الحالة من جديد. فمنذ السنوات الأولى بعد رحيلها في عام 1975، انتقلت بعض أعمالها غير المكتملة إلى فنانين حالفهم الحظ في تبنّي هذه المحاولات الجادَّة لاستمرار إرثها الفني، مثل وردة التي أدّت أغنية أوقاتي بتحلو، والتي اختارها سيد مكاوي لتكون امتدادا لأم كلثوم من خلالها. وربما يمكننا أيضا اعتبار ميادة الحناوي وسعاد محمد من أبرز من حاولوا التواصل مع الحالة الكلثومية في تلك السنوات، فور رحيل سيدتها، باعتبارهما الصوتين اللذين اختارهما رياض السنباطي بعد رحيل أم كلثوم، وهو ناسج أبرز خيوط الحالة الكلثومية خلال تاريخها.
من الاصوات التي ورثت مدرستها الى تمثيل الظاهرة بمجملها، ظل حضور ام كلثوم الرمزي قويا. واقول هنا استمرارا لا تضخيما: هذه الايقونية تبلورت في حياتها منذ مرحلتها الفنية الثالثة، ثم اضفى الرحيل عليها هالة اوسع. التف حولها كتاب وباحثون، وصدرت مذكرات واعمال اذاعية وتلفزيونية وسينمائية تمس سيرتها ونتاجها، وراح مؤرخون وموثقون وهواة يجمعون تسجيلاتها ويصنفونها ويحللونها في ارشيفات متنوعة. انتشر هذا الحضور شرقًا وغربا حتى غدا مرجعا شائعا للتعريف بموسيقى المشرق، ووجد طريقه الى الاوساط الاكاديمية. ففي مدارس الموسيقى العربية داخل المنطقة وخارجها تحضر مقاطع كلثومية متعددة في المناهج والورش، من مقدمات اوركسترالية الى كوبليهات لحنية وغنائية. بهذه الكثافة تجاوزت الظاهرة الكلثومية كونها ترفيها آنيا الى ما يشبه معيارا عمليا يسترشد به في الفهم والاداء.
ولم يقتصر هذا الاتصال على شخص ام كلثوم وحدها، بل امتد الى من عملوا معها من شعراء وملحنين وموسيقيين، والى جمهورها كذلك. اقيمت حفلات مخصصة لاعمالهم، ونشأت منتديات ترعى ذاكرتهم، فعرف القارئ والسامع اسماء العازفين وملامحهم، وتعمقت متابعة التفاصيل لدى شرائح من محبي هذا المزاج الكلثومي. وهكذا تحولت الذاكرة من جماعية عامة الى علاقات شخصية فردية. وحتى سنة 2025، التي تعد عام ام كلثوم بمناسبة مرور نصف قرن على الرحيل، ما زال هذا الاثر يفيض في الفضاء العربي ويغذي الذائقة الموسيقية المشرقية ويجددهـا عبر اشكال متعددة من التلقي والتعليم والاداء.
كاتب يمني