‘نصف قرن من الكفاح’ للطاهر الزبيري: أضواء على فترة جزائرية حالكة

حجم الخط
0

باريس ـ من الطيب ولد العروسي: أسالت ولا زالت تسيل ثورة التحرير الجزائرية الكثير من المداد والتساؤلات والحيرة، وها نحن أمام مذكرات العقيد الطاهر الزبيري الصادرة حديثا في الجزائر عن منشورات جريدة ‘الشروق’ وهي بعنوان ‘نصف قرن من الكفاح’ والتي يتطرق فيها بشكل أساسي إلى حكم بومدين، أحد أركان جماعة ‘وجدة’، التي خططت لكي يكون بومدين وزيرا للدفاع في حكومة الرئيس الجزائري الأول أحمد بن بلة، والذي دام حكمه ما يقارب الثلاث سنوات، والذي أطاح به بومدين بمساعدة بعض الزعماء التاريخيين وعلى رأسهم الطاهر الزبيري الذي كان حينذاك رائدا في الجيش، وبالتالي قريبا من بومدين.

يرى الزبيري بأن بن بلة تفرد بالحكم وكان يأخذ الكثير من القرارات دون أن يرجع إلى الحكومة أو إلى مستشاريه، مما جعل بومدين والمقربين منه ينزعجون من هذه التصرفات، فأخذوا يخططون للإطاحة به، رغم أن الرئيس كان جد محبوبا جماهيريا من قبل الشعب الجزائري والعربي، وكان قد عرف بمواقفه الشجاعة على مستوى العالم وانضمامه إلى المعسكر الاشتراكي، لكن تصريفه لشؤون الحكم لم تكن لترضي الجميع آنذاك ولهذا خطط الانقلابيون، للإطاحة به، وبما أن الطاهر الزبيري كان أحد منفذي هذه الخطة فقد شرح في كتابه حيثيات وتحضيرات هذا الانقلاب، بدءا من تبديل حرس الرئيس بحراس من الأكاديمية العسكرية، مما سهل على الانقلابيين النجاح في مهمتهم، خاصة وأن تواجد الرئيس في بيته لحظة تنفيذ الانقلاب قد سهل عليهم العملية، ومن جانبه لم يبد الرئيس أي استغراب وظل هادئا وكأنه كان يتوقع ما حدث من قبل الانقلابيين، فقام بشجاعته المعهودة لينفّذ ما طلب منه وتم الزج به في السجن إلى أن جاء الشاذلي بن جديد وأصدر عفوا جمهوريا عنه.. تم هذا الانقلاب بعد أن تذمر بن بلة من ألاعيب ودسائس بومدين، وكان ينوي إقالة جميع الضباط والسياسيين الذين قدموا استقالاتهم في المؤتمر الأول لجبهة التحرير الوطني، وأراد أن يتم الإعلان عن ذلك في الإذاعة ليلة انعقاد المؤتمر الآفرو ـ آسيوي الذي سيحضره عدد كبير من زعماء ورؤساء إفريقيا وآسيا مما سيجعل بومدين وجماعته مكبلين لا يستطيعون القيام بأي ردة فعل في ظل هذا الظرف.

وعندما عرف بومدين بهذه الخطة لم يهدأ له بال وقام بانقلابه معلنا عن ‘القضاء’ على الحكم الفردي، ومصارحة الشعب الجزائري بالكثير من المسائل التي أدت به للقيام بالانقلاب، لكن الأيام لم تكن ‘حلوة’ مع العقيد الزبيري، لأنه اكتشف بعد عدة أشهر من نظام بومدين أن حكمه الفردي واستيلاءه على الكثير من الحقائب الوزارية، هذا بالإضافة إلى الرئاسة والممارسات التي كان يتبعها بومدين نفسه تركته فعلا يتساءل بل ويندم على ما قام به، لأنه اكتشف أن حكم بومدين كان أقسى من حكم بن بلة.

الجدير بالذكر أن الطاهر الزبيري كان ثوريا معروفا، لجأ إلى الجبال وهو شاب صغير، وكان من ضمن الذين حكم عليهم بالسجن صحبة مصطفى بن بولعيد أحد القادة التاريخيين الكبار لثورة التحرير الجزائرية، كما أوضح الطاهر الزبيري ذلك في كتابه، حيث أكد على أن معرفته بالشهيد مصطفى بن بولعيد تعود إلى سجن الكدية ‘ في قسنطينة’، وأنهم قد دبروا معا الهروب منه سنة 1955 إبان فترة الاستعمار الفرنسي للبلاد.

انظم الزبيري إلى جماعة وجدة، وبالتالي يعتبر شاهدا أساسيا للثورة الجزائرية، ثم الاستقلال حيث ساهم في حكومة بن بلة وحكومة بومدين بعد الانقلاب، غير أنه مع هذا الأخير يكتشف الكثير من العملاء الموجودين في الحكم، ، بحيث واجهته قضيتهم لأنه يؤكد بأن عدد هؤلاء العملاء كان 300 حركي (مرتزق) هددوا مباشرة بعد وقف إطلاق النار بالصعود إلى الجبال خوفا من تصفية الشعب الجزائري لهم بسبب وقوفهم إلى جاني الجيش الاستعماري على حساب قضية شعبهم ووطنهم، ولم يكن الزبيري متفقا مع بومدين على منحهم أية مناصب حساسة في الحكم، بل كان يلح على أن تسند تلك المناصب إلى أولئك المجاهدين الذين ضحوا بالغالي والنفيس من أجل استقلال الجزائر.

أعلن الزبيري لبومدين رفضه بشدة حوالى 200 من ضباط فرنسا في مناصب ومسؤوليات في الجيش الوطني الشعبي’، وكان بومدين المسؤول الأول عن البلاد ووزيرا للدفاع.

، فكل هذه الأمور جعلت الزبيري يدين هذه الممارسات ويعتبرها انحرافا عن مبادئ الثورة، وقد رفض ذلك وأعلنه صراحة، لأن تبجيل ‘ضباط فرنسا’ على حساب ضباط جيش التحرير، ‘أمر غير مقبول وغير مبرر’، وأن هؤلاء الضباط كانوا ‘يتقززون من كلمة مجاهد’ بحيث أكد الزبيري أن الأولوية ينبغي أن تكون لأبناء الشعب ولمن كان سباقا في العمل لصالح الثورة، وعندما لم يأبه بومدين بوجهة نظر الزبيري تلك، وتجاوز في تسييره مؤسسات الثورة، يقول الزبيري: ‘ ‘رفضت أن يكون ذلك على حساب المناضلين وأبناء الثورة الحقيقيين’. ، مما دفع به هو الآخر للتخطيط سنة 1967 للانقلاب على بومدين، غير أنه فشل في انقلابه وتم قمع الذين قاموا به بشكل شرس من قبل بومدين والمحيطين به، مما حدا بالزبيري مرة أخرى بالعودة للجبال والقرى، وهذه المرة لكي ينجو بنفسه، وهو يصف هذه المرحلة بالقاسية والصعبة إذ اضطر مرة أخرى على ‘اقتسام خبز الضعفاء ومحنة الفقراء’، فيتكلم عن هذه المرحلة التي كاد في عدة مرات أن يقبض عليه فيها، لأنه كان مطلوبا كي يزج به في السجن، أو أن يواجه نفس مصير القائد شعباني الذي حكم عليه بالإعدام لأنه رفض قرارات بومدين وأصحابه.

فر الزبيري إلى تونس، حيث وجد ترحابا كبيرا، واستقبله القائد السبسي الذي كان وزيرا في حكومة بورقيبة، والوزير الأول الحالي، ويشير الزبيري إلى أن قائد السبسي قد أكرمه واهتم بأوضاعه، لكن تونس لم تمنحه أوراق إقامة، مما جعله يعيش متنقلا بين المغرب وتونس وفرنسا وألمانيا وسويسرا، وأنه كان يتابع ما يجري في الجزائر ويتأسف كثيرا إلى ما وصلت إليه الأوضاع فيها، لكن كما نعرف توفي بومدين بعد مرض عضال أودى به.

هكذا وبعد انعقاد مؤتمر الحزب الذي انتخب الشاذلي بن جديد أمينا عاما له، أرسل الكاتب إليه رسالة عبر الرائد أسليمان، ورسالة أخرى عبر العقيد عبد الله بلهوشات الذي كان مقربا من الرئيس الجديد، كما يقول في رسالته ‘ أكدت على أنني سأدخل الجزائر في الفاتح من تشرين الثاني/نوفمبر 1979 وإن أرادوا اعتقالي فليفعلوا’ وأكد فيها أيضا قائلا للشاذلي ‘أنت تعرف قضيتي جيدا وقد تركتك تنظم المؤتمر وتصبح رئيسا للدولة ولكني في أول نوفمبر سأدخل إلى الجزائر’.. وبعد شهر من وفاة بومدين أطلق سراح جماعة الزبيري المحكوم عليهم بالإعدام بعفو رئاسي من الشاذلي بن جديد. يقول الزبيري ‘وكما أرسل لي مصطفى بن لوصيف الذي عيّن أمينا عاما لوزارة الدفاع وسهري العياشي حواسنية بعدم دخولي الجزائر في الفاتح من تشرين الثاني/نوفمبر (عيد الثورة)، وكان هدف الشاذلي من وراء ذلك أن يهدئ الوضع، وفي شهر كانون الاول/ديسمبر 1979 أصدر الشاذلي بن جديد عفوا رئاسيا عن العقيد الزبيري، وعن بن بله وأصبح من حقه العودة إلى الجزائر، ويشير الزبيري إلى ذلك قائلا: ‘بعد 13 سنة قضيتها ضائعا في المنفى وحكم غيابي بالإعدام يلاحقني، وعندما سمع ( السيد) مقلاتي وجماعته باعتزامي دخول الجزائر وجهوا دعوات للناس لاستقبالي في المطار، لكن الهادي لخذيري وزير الداخلية آنذاك والعقيد بلهوشات رفضا هذا الأمر وأرادوا أن يتم دخولي إلى الجزائر في هدوء وذلك بإيعاز من الشاذلي’. ثم يواصل قائلا: ‘ووضعت قدمي على أرضية مطار الجزائر الدولي، وكان في استقبالي كل من الهادي لخذيري وقنيفذ وعبد الحميد سعايدي وعبد المجيد بوزيد، ثم زارني في البيت الذي استأجرته أسرتي بعد طردها من مقر إقامتي منذ 1970 بعد خروجي إلى المنفى، وعودتي إلى الوطن كان هناك عدد كبير من الأصدقاء والرفاق والمسؤولين وإطارات في الدولة قاموا بتهنئتي بالعودة سالما إلى أرض الوطن ‘الجدير بالذكر أن المؤلف تطرق إلى مسائل خطيرة عاشتها الجزائر بالتزامن مع الأحداث في العالم العربي والقارة السمراء، إذ تمّ إبعاد الكثير من الرجال المهمين والذين لعبوا دورا مهما في حركة التحرر في القارة. ولكن تظل’الإطاحة ببن بلة أمرا غير مفهوم رغم الحجج التي قدمها الكاتب، فالكثير من الشخصيات التاريخية تم إبعادها عن الجزائر مثل محمد بوضياف، آيت أحمد، محمد خيضر، وبقيت الساحة خالية من أولئك الزعماء التاريخيين، وأصبحت الفرصة سانحة لجماعة أخرى لم يكن أغلب أعضائها معروفين خلال حرب التحرير الجزائرية. هذا بالإضافة إلى أن النظام الجديد استعان بالكثير من ضباط فرنسا، كما راح بومدين يتّخذ القرارات الفردية أو مع شلة صغيرة حوله، ولم يكن يدعو لاجتماعات مجلس الثورة، وقد تمت الإشارة إلى ذلك كواحدة من الأسباب التي جعلت الزبيري يقوم بالانقلاب على بومدين ولكنه فشل. وهكذا أضيفت تراجيديا أخرى في وجه الشعب الجزائري جعلته يعيش تحت وطأة نتائج وخيبات كل هذه الحسابات الشخصية، وحب السلطة وتخلف الوطن كنتيجة لكل هذه المفارقات العجيبة، والمأساة كانت بتعرض الجزائر إلى حرب أهلية بعد انتخابات نجح فيها من نجح وفشل من فشل، حتى جاء الأمين زروال، الذي لم يمكث كثيرا، لأنه لم يتحمل تجاوزات بعض المسؤولين، كما أكد الزبيري على ذلك، ثم ثم عاد بوتفليقة إلى سدة الحكم ومنح للطاهر الزبيري موقعا في مجلس الشيوخ.

يعتبر هذا الكتاب شهادة تساهم في كشف الكثير من خبايا تلك المرحلة التي عانت منها الجزائر الأمّرين، وهي تضيء بعض الجوانب في الحياة السياسية الجزائرية. غير أن وجهة النظر هذه أثارت كثيرا من ردود الفعل، من قبل بعض الشخصيات التي تطرق إليها الكاتب، التي تتراوح بين القبول والنقد. لكن الكاتب يبدو لنا أنه تأسف على مساهمته في الإطاحة في حكم بن بلة، لأن التبريريات التي صاغها لم تكن تكفي لتبرير ذلك الحدث الضخم الذي أدخل الجزائر في متاهة لم تعاف منها حتى الآن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية