نصيب لغتنا المحكيّة من الشعر:

الفجرْ هَاهُو على الأعتابْ
عاملْ غارهْ
عيونه سهارى أو للمشنقهْ
لليل هذا نهارهْ
……………..
بيروتْ آخرْ سطورٍ الهَمْ
هذا عَفن المُوتى
أو هذا عَذاب النيل طولِ سْكوتهْ
بلقاسم اليعقوبي: ‘ليّام فرّاقه’
جمع وتقديم محمّد الهادي فريجة
قد يستغرب البعض أن يكتب واحد مثلي يدرّس لغة الضاد منذ أكثر من أربعين عاما، ويكتب بها؛ عن شعر مكتوب بالمحكيّة التونسيّة، يتذوّقه ويقدّره. وهذا موقف قد يكون له ما يسوّغه. ولكنّ الأمر ليس بهذه البساطة، فالشعر هو الشعر؛ سواء أَكتبَ بالفصحى أو بالمحكيّة. أقول هذا مع أنّي أحببت شعرا كثيرا مكتوبا بالمحكيّة المصريّة خاصّة، والشاميّة واللبنانيّة، وتعرّفت إلى شعراء كبارمثل عبد الرحمان الأبنودي وسيّد حجاب وجوزيف حرب. بل إنّ شاعرا يحبّه اليساريّون هو مظفّر النواب في قصائده بالفصحى، يظلّ أحد شعراء المحكيّة العراقيّة بامتياز. وأظنّ أنّي لا أفشي سرّا إذا قلت إنّي أجرّب هذا النوع من الكتابة، ولكنّي أحتفظ به لنفسي؛ ما عدا بعض ‘قصائد’ كنت أطلعت عليها في السنوات القليلة الماضية، صديقنا الموسيقار المعروف سمير العقربي؛وقد لحّن إحداها لزياد غرسة.
لأقل إنّي لم أحبّ الشعر المكتوب بالمحكيّة التونسية، فأنا أجده أكثره ينمّ عن خيال كسيح فاتر وانٍ؛ وأقول إنّ المحكيّة التونسيّة وهي ‘لغتنا الأمّ’ خارج الأفضية المغلقة.. التي تموّل المعيش واليوميّ من أنشطتنا.. التي نحلم بها.. ونحبّ بها.. ونكره بها (مع أنّي شخصيّا لا أكره أحدا،فقد عوّدت نفسي على الحبّ، فإن تعذّر فعلى الاحتقار لا على الكراهيّة). هذه العاميّة أو المحكيّة التونسيّة، لم يُقيّضْ لها شاعر مثل بيرم التونسي، يجلو غوامضها، ويكشف أسرارها، حفرا وتنقيبا ويجعل منها خميرة أو عجينة مستقطرة من الحياة؛حتى نكتب بها ونغنّي بها.
وعلى ما في كلامي من قسوة أو بعض قسوة، فأنا أقدّر ما كتبه ويكتبه شاعر قدير مثل آدم فتحي يقدّم الكثير لا للشعر التونسي فحسب، وإنّما للإغنية التونسيّة أيضا. بل أجد ما يكتبه امتدادا لشعر الراحل بلقاسم اليعقوبي المكتوب بالمحكية التونسيّة.
لا أظنّ أنّ هناك من ينازع في أنّ كثيرا أو قليلا من شعر بلقاسم اليعقوبي وموضوعاته مستمدّ إلى حدّ كبير من البيئة الاجتماعية، ولكنّ تأثير البيئة في تقديرنا، لا يبلغ من شعره أبعد من هذا المدى، ولا نخاله يصلح لتفسير هذا الشعر.فهو خاضع لمنطق الكتابة عنده،محكوم بتطوّرها الدّاخلي الخاصّ. ولنا فيه ملاحظات نسوقها دون توسّع.
وأوّلها ‘واقعيّة’ هذا الشعر الذي استمعت إلى كثير منه في حياة الشاعر.
الحقّ نحن لانرى في المعجم العاميّ دليلا على أنّ لغة ‘أقلّ سموّا’ لا يمكن أن تكون- مصدرا من مصادرالشّعر. فبميسور الشاعر أن يسائل الكلام العاديّ وأن يستنبط منه فكرة أو صورة على نحو ما كان يفعل بلقاسم اليعقوبي(وهو يترسّم خطى نجم)، وأن يسعى وهو يستخدم هذه الكلمات ‘كلمات القبيلة’ وكلمات معظم النّاس، إلى أن يسلّط عليها ضوءا جديدا من أو أن يجعلها تغتسل في ماء جديد. وقد يلوح في هذا خلط غير يسير بين ظاهرة شعريّة أو مذهب أدبي حديث ‘الواقعيّة’ ومقولات ومفاهيم تتعلّق بأسايب الأداء الشّعري ووظائفه ومعانيه ودلالاته. وربّما يتأكّد هذا الخلط في حديث أيّ منّاعن كلمات مخصوصة في هذا الشعر يعدّها مجلى لـ ‘واقعيّته’. وهذه مقارنة لا تستقيم إذ هي تسلخ الكلمة من سياقها الشّعري، ولا تتنبّه إلى أنّ دلالتها محكومة ب ‘مقام التّلفّظ’أو ‘مقام القول’. ونقصد بهذا أنّها محصّلة كلّ المؤشّرات التي تجعل من الخطاب فعلا لغويّا تؤدّيه ذات فرد تعيد استخدام اللّغة المشتركة، إذ الكلمة ليست مأخوذة مباشرة بلا وسيط، وإنّما تتداولها الأيدي وتلوكهاالألسنة قبل أن تنتظم في النّصّ، فتضفي على الخطاب قيمة مثلما يمكن أن تسلبه إيّاها.
فالقول ب ‘لغة شعريّة’ خاصّة،إنّما يرجع إلى نظريّة الشّعر عند العرب (العمود الشّعريّ) التي وضعت استئناسا بنصّين أثيرين عند العرب هما الشّعر القديم والقرآن نموذجا اللّغة المثال، أو ‘اللّغة العليا’ في هذه النّظريّة. الأمرالذي يفسّر، في جانب منه، تقسيم الكلمات إلى شعريّة وغير شعريّة..
وهي ‘قسمة ضيزى’ قد يصعب أن نفهمها حقّ الفهم ما لم نربطها بسياقها التّاريخي وبوضع عامّ جرى عليه الشّّعر والنّقد مثلما جرت عليه العربيّة نفسها. وأمّا انتزاعها من سياقها أو تحويلها إلى قاعدة مرسلة، نسلّطها لا العربيّة فحسب وإنّما على محكيّتنا التونسيّة أيضا؛ فقد لا يكون له من معنى سوى القول بلغة شعريّة مطلقة وبأنّ الشّعر يدور على مطلق لغويّ.
إنّ أكثر قصائد بلقاسم اليعقوبي، لاتجري على التّقاليد الشّعريّة المتّبعة في الوصف والتّشبيه والاستعارة عند شعراء المحكيّة التونسيّة الذين نعرفهم؛حيث لا فضل للشّاعر إلاّ في إعادة صياغة صزر مبذولة والتّحيّل لها، استجابة لبواعث القصيدة وانصياعا لتقاليدها وخصائصها الفنّية. وهي التي كانت تلزم الشّاعر أن يقدّ كلامه على مقتضى الحال والعرف الشّعريّ معا.
أمّا في ‘ليّام فرّاقة’ لبلقاسم اليعقوبي، فليس من حقّنا أن نتكلّف مثل هذا البحث في ‘ واقعيّة’ الشاعر، استئناسا بألفاظ بعينها هي من المشترك بين الفصحى والعاميّة أوهي من العربيّة المولّدة؛ ونتّخذ من ذيوعها على ألسنة العوامّ، دليلا على واقعيّة الشّاعر. وما نخال ذلك إلاّ ممّا يذود عنه طبع الشّعر،كما كتبنا في سياق غير هذا. لكن ربّما أمكن، في سياق التّلقّي، أن نتكلّم على ‘واقعيّة’، ما أخذنا بالاعتبار المتلقّي الذي لا يتقبّل الإيهام إلاّ إذا انطوى على مطابقة الواقع، أو أمكن تصوّره وإدراكه.
وعليه يكون من التّمحّل بمكان أن نتكلّم على واقعيّة في هذا الشعر خارج الشعر، وكأنّ من وظيفة المعجم الشّعريّ أن يستحضر الشيء الغائب، إلى حيّز الإدراك، أوأنّ الكلمة تنهض بوظيفتها بصورة أكمل، كلّما كانت مستعملة متداولة، أوأقرب إلى لغة المعيش واليوميّ.
إنّ مقتربا كهذا لا يعدو أكثر من إخضاع الشعر، لوهم الواقعيّة، ويغفل عن أنّ العلامة اللّغويّة تحتفظ بالأبعاد الثّلاثة حيث المدلول يختلف عن المشار إليه؛ لأنّه ينطوي على قدر كبير من التّجريد مهما ارتبط بالإشارة إلى أشياء مادّية.
لا يستلهم بلقاسم اليعقوبي، كما كان يفعل كبار شعراء الفصحى قديما وحديثا، الكلام المألوف فحسب، وإنّما الشّعبيّ أيضا؛ أي ذاك الذي يتمثّل بوضوح مستوى أدنى من اللّغة المحكيّة. وأكثر من ذلك فإ نّ عناصر الكلام المألوف يمكن أن تجري في الكلام الشّعبي وليس العكس . و’الشّعبي’ على ما يبدو، أقلّ صحّة وضبطا من ‘المألوف’ إذ يجري عادة على ألسنة العوّام الذين لم يرزقوا حظّا وافرا من المعرفة.
وقد نسلّم ها هنا بالتّفسير الذي يقدّمه المعاصرون ، فالعوّام ‘ يأنفون من التّعبير عن المشاعر النّزيهة [المترفّعة] ومن إظهارها إذ يرون فيها علامة أنوثة وصبيانيّة، ويتّقون انفعالهم بانواع من العنف والفحش يعتاضون بها عن شعور بالضّعفô والميزة الأسمى [لديهم] هي أن تكون فظا؛ على نحو ما نلاحظ اليوم في كثير أو قليل من بني قومنا، بسطت ‘الثورة’ ألسنتهم بالسوء في كلّ من يعارضهم أو هو ليس على مذهبهم.
وقد يتّخذ هذا الكلام الشّعبي الشّائع بين النّاس وسيلة للنّيل من الآخر (الحاكم أو المستغِلّ) والغضّ من شأنه وإذاعة مثالبه. وقد يرد اللّفظ منه عامّا فضفاضا. ولكنّ اللّفظ ‘الوضيع’ يجري منه في الأغلب، مجرى ‘بديل انفعاليّ’ ذي ميزة شفهيّة.
وهذه إشارة قد تصلح لتعليل ‘التّهجين’ اللّغوي عند الشاعر وبخاصّة في الموضوعات السياسيّة المحكومة بانفعال المخاطب.فكلّما كان انفعاله أشدّ، ابتعد عن التّركيب النّحويّ ‘الكتابيّ’ وعن مصطلحه، وتمخّضت التّعبيريّة لديه باستجلاب الشّفهيّ الذي يحلّ محلّ التّنظيم الكتابيّ المحكم. وقد يبلغ الانفعال درجة قصوى يعجز التّخاطب الكتابيّ عن أدائها، فيترجّح الخطاب في الشّفهيّ على قاعدة نوع من التّرخيم أو الحذ ف قد يكون نحويّا وقد يكون ‘موسيقيّا’ وذلك بتأخير ‘النّبر’؛ مثلما يترجّح على قاعدة من التّداخل أو التّراكب اللّغويّ.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية