نص من سيرة: صباح جديد يا فلسطين

حجم الخط
0

د.

عبدالله عيسى لكأن صباحاتي في مخيم ببيلا الذي لم تعترف به بعد منظمات الأمم المتحدة، كما أذكر، كانت مطرودة من رحمة الطفولة. لا شيء هنا يوحي بأنك أشبه بالملاك كطفل، وكأن الرب هجر سماء المخيم. لا بابا نويل يزورنا بهداياه حتى في أحلامنا ولا آباء يهبُون، من قلة حيلتهم، فرح الجديد من الملابس إلا في الفصح والأضحى: النقيفة لعبتنا الوحيدة، وفي الصبا بارودة الفِتّيش. نغوص في بساتين الغوطة لنعثر على غصين أشبه بشارة النصر، نقتلعه من أّمّه لنعقده من رأسيه على مطاطة في وسطها قطعة جلد نجعلها مستقرا للحجارة لنصطاد بها العصافير التي تقيل على الأشجار الوارفة أو ترقص في السماء، أو نقنص بها الضفادع لنخلع عنها أفخاذها، ثم نقيم وليمتنا المشتهاة بعد تعب مطاردة الأرزاق في السماء وعلى الأرض. ولأن المخيم النحيل هذا ببيوته ورزقه كان مسورا بنهرين: شق العجوز على يساره والبهدلية على يساره، ومحروسا من جهتيه بغوطتي دمشق الغناءتين كما كانتا، فقد كان رزقنا في كل وقت وفيرا. ننتبذ مكانا قصيا، شاعريا بالضرورة هربا من رائحة الأحزان والإنكسارات والفقر الموطوء بها المخيم، فالشمس ينبغي أن تكون قد استعدت للانسلال بأشعتها من بين أوراق الأشجار ومن مرايا النهر، ليكون لذؤابات النار التي نوقدها لشواء الطيبات من رزق اصطدناه أن ترسم ملامحنا باسمرار محروق، حول مائدة أعدت بالطيبات من فاكهة الغوطة وخضارها (لم نكن نسميها مسروقة، فقد كان ملاكو البساتين حيمين بنا، أو هكذا هُيّىء لنا أو شئنا: بأن للفلسطيني أن يأكل في البستان ما أراد دون أن يأخذ منه لبيته). لكن ّ الناطور اليلداني ‘أبا عدنان’ كثيرا ما كان يفسد علينا موائدنا العامرة ومساءاتنا الشاعرية، فيطاردنا على حصانه والسوط في يمناه يجرّح الهواء وظهورنا حتى ندخل المخيم مدخل صدق. وفي كل مرّة، حتى ونحن نتسنّد على ظلالنا أوّل الليل، وبطوننا متخمة بالطيبات من الرزق، وجوانحنا الطفلية بقصص اخترعناها فصدّقناها وبخيالات توهمناها فآمنا بها، كان آباؤنا ينتظرون عودتنا بالعصي ّوالأحذية، أو بالحنين والبكاء الأخّاذين، لكنهم كانوا دائما يحتضنوننا وقوفا كأسوار عكا. وإذ نهرب من وجع صدورهم اللاهثة خلفنا كانت بالدعاء، يطلقون وراءنا اللعنات الطيبات: ‘الله يأخذكم. قلقنا عليكم’. وكنا نعرف ما يؤجّج قلقهم ويعجّل بآخرتهم. أمر يتعدى أن يغرق أحدنا في جوف النهر، أو أن تُسمّم أفعى دمه، أو أن يقع تحت رحمة سوط الناطور اليلداني، أو أن يشوّه حافرُ حمار وجهه أو يبقر بطنه.. وكثيرا ما كانوا يخيفوننا بسرد قصص، لم تكن تعيقنا عن عاداتنا اليومية، عن سارقي الأطفال لبيعهم أو بيع أعضائهم، فصرنا نمارس مشاغلنا اليومية جماعات، ونحمل سكاكين ‘الكبّاس’ تحت قمصاننا. وأمعنّا في الصبا بتهديدهم بما يجعل فرائصهم وأعضاءهم وأعمارهم ترتعد من خوف غلاب، لنحوز من آبائنا على ما نريد: الهرب للمنظمات في لبنان. ظلّت النقيفة لعبتنا في الصبا، لكننا أضفنا إلى مهامها نَقْفَ من أطلقنا عليهم أعداء فلسطين. وفلسطين هي نحن كلنا:

العصابة كما سمّونا: من عشيرة الأكراد: أنا وطعمة الشتيوي و أولاد سعدة اليونس محمد وأحمد، ومن عشيرة المغاربة: موسى (أخ لأخي الذي مات قبل ولادتي بالرضاعة) وأخوه محمود وابن عمّهما حمودة، ومن عشيرة الغوارنة: أولاد أسما: موسى ومحمود ومحمد، وكذا محمد بن خزنة.. ومن معنا.

وأعداء فلسطين كلهم. هكذا قررنا: من اعتدى على حرمة المخيم وأهله نقفناه.

ملاك أراض ظلم إحدى نساء المخيم اللواتي يُعشّبن (أي يقلعن النبتة البرية من حقلنبات المحصول حتى لا تقاسمها الماء) فلم يعطها أجرا أو شتمها على رؤوس الأشهاد نقفناه. ومثل هذه الحوادث نادرة كأيام الفرح في المخيم. أو أستاذ عاقب ظلما أحدنا، بضرب أصابعه عشرا بالعصا، أو بالوقوف على قدم واحدة ووجهه إلى الجدار فيما ذراعاه ملفوفتان حول رأسه نقفناه. وكان جل أساتذتنا في مدرسة ببيلاالإبتدائية أو ثانوية الثورة من الفلسطينيين، وكانوا يقسون علينا حرصا علينا لنصير أشطر من سوانا وزلفى لفلسطين، لكن منهم من أدرجناه في قائمة أعداء فلسطين ونقفناه.

لكنّ ما أسميناهم ‘زعران يلدا’ أكثر من وقع في مرمى نقفنا. كانوا يأتون آناء الليل وأطراف النهار يطوفون حول المخيم، فيفسدون الفضاء بأصوات موتوسكلاتهم، والهواء إذ تنعفه بالتراب على الدروب الترابية فيُعفِّر رئاتنا وعيوننا.

لكنهم كانوا يمتحنون غيظنا حين كانوا يطوفون حول عائلات المخيم في المساءات، الخارجة من رطوبة بيوت الطين وقلة حيلتها من الشمس والهواء إلى طزاجة البساتين في الجهة الغربية للمخيم، وكانت أوصالنا وأقدامنا ترتجف من الغيرة على نسائنا، وكان حسد دفين يجتر ّ أرواحنا فقد كانوا يتبخترون على موتوسكلاتهم كفرسان هبطوا من الفضاء. كنا نتوارى خلف الأشجار أو فوق غصونها على طرفي الطريق المؤدي من بلدتهم إلى المخيم وفي جيوبنا حصى سمينة منتقاة بعناية، فيما نقيفة كلّ منا في يديه كأنها قطعة منها. كان لطعمة قلب حجر وجسد ثور. ويصرخ فاتحا فمه فيكشّر عن سنّين إثنين لا ثالث لهما: ‘إنت العقل، ونحن العضلات. خطّط وعلينا التنفيذ’. ويردد من معنا وراءه.

وكنتُ أضع خططا لا طاقة للجن ّ الأزرق بكشفها. ولأن طعمة أسرعنا كان يقبع في المقدمة، أول الدرب من ناحية بلدة الزعران، فيما ننتشر في مكامننا حسب خطة مسبقة نرسمها على الورق أولا ونعاينها على المكان مع استقراء كافة الإحتمالات والتداعيات. وكان طعمة يدس لسانه بين سنيه ويطلق صفيرا، ما أن يصل إلينا حتى نكتم في بطوننا ضحكا غلابا كي لا يكشف عنا في مخابئنا، وحين كنا نسأله في كل مرة بعد عودتنا إلى المخيم عن هذا الصوت الغريب كان يجيب، وبه لكنة عنجهية طاغية: ‘صوت البلطيق يا جهلة’، ولم يكن لنا أن نكذبّه، فلم نكن قط قد رأينا البلطيق هذا أوسمعنا صوته. وكان يُسِرّ لكل ٍّ منّا متفاخرا أنه طيرٌ له منقارٌ أشبه بمنقار النسر وجناحان كبيران كالنعامة وقدمان أطول من قدمي مالك الحزين وعينان كعيني الكوبرا. وحين كشفت ُأمرَطائره هذا الذي توهّمه فصدقته إلى حين، أخفض جناحيه وصوته أمامي، وقال: ‘الله يستر على أختك. أسترْ علي ّ’. ولم أفضحه إلى حين.

وما أن يدب ّ على شحمتي أذن كل منا صوت بلطيق طعمة حتى نبدأ بالنقف بالترتيبولكل ّ منا فريسته. وكانت الفرائس كثيرا ما تتعثر على موتوسكلاتها فترتطم بالأرض مبخوعة على نفسها، وأحيانا كان يطلق ‘كامل اليلداني’ النار في الأرجاء بحثا عن إخافتنا لنترك مكامننا. لكننا نتيبس فيها، حتى ينسحبوا خائبين. وكان كامل هذا يتبختر على موتوسكل الهوندا ببزة الشرطة العسكرية، وبه كِبر وكأن الأرض تهتز ّ تحته. فيزيد من غيظنا، وكنا نخصه بالنقف أكثر من غيره. لكن موقعة النقيفة الكبرى تمت في جمعة ‘الخلاص من شرهم’ كما أطلق عليها أهلالمخيم. وقد كنّا وقتها قد اخترعنا ‘بارودة الفِتّيش’ لعبة في الصبا.

نُنجّرُ (أي نمتهن النجارة إلى حين) لوحا خشبيا على هيئة جسد البارودة دون أن نحفر كوّة للزناد، فلنا اختراعنا الخاص، ثم نثبّت ُ عليها، من مقدمتها، أسطوانة حديدية، ندس ّ في مؤخرتها الفِتّيشة، فيما نثبّت ُ في مؤخرة اللوح الخشبي سيخا من حديد، نربط نهايته بمطاطة فيما رأسه يصل مؤخرة الفتيشة في جوف الأسطوانة.

وحين نصوّب، مسدّدين بعين واحدة على الهدف، نشد ّ المطاطة والسيخ معها بينأصبعَي السبابة والإبهام، وإذ نطلقها يخترق السيخ جوف الفِتّيشة فتصعق ُ بصوت ٍيُرعب، لكنها لا تمس ّ أحدا بضُرٍّ إلا عن قرب ٍ شديد. وبقينا نفخر باختراعنا هذا حتى طرّش الفتيش وجه طعمة، ولولا سِترُ الله لابيضت ْ عيناه من عمى.. جئنا، من كل فج، وكل ٌّ بارودته في يمينه.

طوقنا ساحة المخيم من جهته الشرقية مقابل بيت ‘أبي مخزوقة’. هكذا خططنا بعناية. في وقت تكون فيه أقدام الدبيكة في عرس أحمد وناس تزلزل الأرض، وأنفاس أبوالعبد الوهيبي تجرح الهواء وهي ترف بألحانها من زميرته فترق ّ لها الأنفس، فيما ميجنة وعلى دلعونة قاسم بن خزنة ترعش ايادي العاشقين المتشابكة في حلقة الدبكة وتلطّف الأرواح الموطوءة بما لا يطاق من كروب اللجوء وآثام الفقر وقلة الحيلة. ‘أدبك عليها تنجلي’ غمغم طعمة، ودار حول جسده دابكا مرتين. وإذ رأى منا ما رأى، قال ‘يالله نطخطخ عليهم، خليهم يحلّوا عن سمانا، وندبك’. وسدّد بارودته من خلف على كامل اليلداني. ورُجت ْبنا الأرض من خوف.

وهمس محمود الشاذلي ‘طق عقله. يموت إذا ما دبك اليوم’. ونهره موسى الغوراني نهرَ عزيز مقتدر هاشّا المسافة بينهما. وبكفين هائجتين شدّ طعمة البارودة إلى كتفه العريضة، وغمزني بعينه اليسرى التي أغمضها على احمرارها الغاضب، وكأنما ليسدّد بعينه الأخرى على جسد الرجل المائل قليلا على الموتوسكل مصطهجا لمنظر أجساد صبايا المخيم وهي تقفز إلى علٍ فتعلو بهن نهودهن وتهبط كأمواج بحر هائج. وسدّد طعمة، وهدّد، وأوعد وأزبد. وما أن حرّر السيخ من بين أصابعه الغليظة، فمسّ عَجُزَ الفتّيشة حتى أطلق صرخة زلزلت الأرض ومن عليها: ‘أنا انعميت، ياالله’. وبأعين ٍ نازّة ٍ بدمع مفاجئ خائف، وأياد أخذتها الرعشات ُ الغلابات سددنا على رجال ٍ نفروا في الجهات على موتوسكلاتهم هاربين، مفسدين الهواء بأصوات ودخان موتوراتهم، ناعفين خلفهم التراب.

وأمطرمقفاهم من استطاع سبيلا من أهل المخيم بحجارة من سجيل. وكأنما أغشي عليهم، فصاروا سكارى وما هم بسكارى، تسمروا في وقفتهم، لوهلة طالت، كأوتاد ٍ خيام ٍ دُقت ْ عميقا في الأرض، فيما انهمكنا، نحن العصابة، خشية أن ينزل علينا سخطهم، باختطاف جسد طعمة بعيدا.. لكنهم انهالوا علينا بالشتائم واللعنات، ولم يرأفوا إلى حين بحال طعمة. وفيما رقّت لوجهه المحروق قلوبهم، صرخت ْ الحاجة حدواشة وبصاقها يطرش الفضاء الذي ضاق علينا: ‘الله يلعن خلقتك يا طعمة، خرّبت الدبكة’. (من مذكرات لم تنشر بعد)*كاتب فلسطيني مقيم في موسكو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية