نظارات بيكيت ومسرحة القصيدة: نظرة شعرية تتواطأ مع رؤية عبثية للعالم
منير بولعيش نظارات بيكيت ومسرحة القصيدة: نظرة شعرية تتواطأ مع رؤية عبثية للعالمعن منشورات اتحاد كتاب المغرب 2006 م، صدر للشاعر جمال بودومة ديوانه الثاني (نظارات بيكيت)، وجمال بودومة الشاعر الذي درس المسرح لكنه احترف الشعر يؤكد بهذا الديوان أنه حالة شعرية وفنية فريدة في المشهد الشعري المغربي. نظارات بيكيت ومسرحة القصيدةأعتقد أن أول ما يدعو إلي التوقف عند ديوان جمال بودومة هو العنوان: نظارات بيكيت، ربما يكون اختيار اسم واحد من فرسان المسرح العالمي، منطقيا نظرا للتكوين المسرحي للشاعر، لكن لماذا اختيار نظارات بيكيت (كعتبة فوق نصية) علي وجه الخصوص، الأمر قد يكون محيرا وقد يدخلنا في سراديب لن نصل معها إلا إلي أفق من ضباب، ومع هذا لا بأس من متعة وشرف المحاولة رغم أن الطريق ليس مفروشا بالضوء، فعناوين جمال بودومة لدواوينه (نسترجع هنا عنوان ديوانه الأول الديناصورات تشتم ستيفن سبيلبرغ ) لها مقدرة التفلت والتموقع خلف تخمينات وتأويلات متعددة، الأمر الذي أفضي بي في الأخير إلي ثلاثة افتراضات مختلفة.وكانت أولي الاستنتاجات التي استطعت الخروج بها، تري أن هذا العنوان هو تعبير عن رؤية مسرحية بيكيتية (نسبة لبيكيت) للوجود وذلك عبر الشعر. الاستنتاج التالي خلصت معه إلي أن الشاعر يحاول بتمترسه من خلف نظارات بيكيت أن يموقع تجربته في زاوية نظر معينة تخول له أن يري فقط ما/ من يريد. أما الإستنتاج الأخير فهو أن اختيار العنوان، جاء بشكل عبثي وذلك اتساقا مع الجو العام الذي يطغي علي مجمل نصوص هذا الديوان. هذا بالنسبة للعنوان، أما فيما يتعلق بتقسيمات النصوص وترتيبها، فالملاحظ أيضا أن جمال بودومة قد ظل وفيا لميولاته المسرحية، فجاء الديوان حريصا علي التوصيفات الأرسطية للمسرح:1ــ تعالي نرتب فصل الشتاء / بداية2ــ نظارات بيكيت / عقدة3ــ قصائد نثر صغيرة / نهاية كان هذا إذن، أقرب ما يكون بنظرة سريعة علي الشكل الخارجي للديوان أما فيما يخص الجانب الأساسي، أقصد قصائد الديوان وما تمنحه من تأويلات واقتراحات للقراءة والتناول النقدي فهذا ما سأحاول التطرق إليه فيما سيأتي. أين أنا؟!أول ما يشد الإنتباه في ديوان (نظارات بيكيت) هو توسله الثر، برموز وإشارات فنية وأسطورية مختلفة من شتي العصور ومن مختلف الاتجاهات: (هاملت، رامبو، كافكا، بودلير، أوديب، دون جوان، فان كوخ، جاك بريل، سيزان، ابن زيدون، ولادة، إلزا، أراغون، غودو، ماغريت، اعتماد، آدم، حواء، قيس، ليلي….) وهكذا، لكن الأكيد أن توظيف واستحضار هذه الرموز الفنية والأسطورية بين ثنايا هذا الديوان، لم يأت بشكل عرضي / زخرفي فارغ من أي دلالة، بل ارتكز أساسا علي توظيف هذه الأسماء جماليا وذلك ببعث الروح فيها ومساءلتها كما يبدو جليا ـ مثلا ـ في قصيدة (محاكمة): جان أرتير رامبوفرانز كافكافريدريك نتشهفانسان فان غوغجاك بريلاعترفوا:من منكم وضع الكرة الأرضيةفي جيبه ثم جريفي اتجاه الغروب؟ويأتي استحضار هذه الأسماء في صيغ ومواقف مختلفة، تتوزع بين ضمير المخاطب كما لاحظنا في النموذج السابق، وضمير الغائب (مثلا بيتهوفن في قصيدة البرد) وبضمير المتكلم أيضا، مثلما يظهر ذلك ــ علي سبيل المثال لا الحصر ــ في قصيدة قيس/ ليلي، وحتي تلك القصائد التي وردت (افتراضا) علي لسان أراغون:إلزاسامحيني كان يكفي أن أحبكلكنني كأي جلف شردتك بين القصائد والجرائد والعواصم…………..أنا لا أستحق عينيكأنا لا أستحق عينيك !!كان هذا إذن ملمحا مهما من الملامح التي تتمظهر في ديوان (نظارات بيكيت)، الديوان الذي قد يخرج القارئ منه وتحت تأثير طقوس الفوضي والتيهان واللا مألوف والعبث والمفارقات الصادمة والقدرة الفذة علي الوصول بالانزياح إلي منتهاه، قد يخرج القارئ منه متسائلا: أين أنا؟ !لكن… ومن خلال مصاحبة عميقة للنصوص، نكتشف أن الشاعر حمّل نصوصه أيضا ورغم هذا الزخم من الطرافة والسخرية والعبث، الكثير من الأسئلة الوجودية العميقة، لذا عملت أثناء استقصائي للأكواد والشفرات التي تشتغل في العمق والمتسترة بين قصائد هذا الديوان، علي رصد ثلاث تيمات بدت لي مركزية وهي:ــ تيمة الغروب ــ تيمة الأبديةــ تيمة الطفولةالمشي نحو الغروببشكل مستفز للقارئ ترد كلمة (الغروب) في ثنايا قصائد (نظارات بيكيت)، لدرجة إدراجها وبشكل محوري في تسع حالات، شخصيا تحيلني كلمة الغروب إلي أكثر من مرادف محتمل لها، كالفناء والنهاية والعدم والموت…و من هنا نستطيع إذن أن نستخلص تلك النظرة السوداوية التي قد يكون جمال بودومة يراقب بها العالم: من سيمنع الأرض من سقوط عموديجهة الغروبالغروب الذي قد يكون ــ ربما ــ نتيجة لغياب أصوات ونماذج بشرية خارجة عن السرب كان لها مقدرة منحنا كل الفرح، وربما يكون أيضا لسقوط آخر فراشة، يتحول غيابها إلي ذريعة:كي تضع الكرة الأرضيةفي جيبكثم تجريفي اتجاه الغروبينكلون بالأبدية فوق الرصيف:معانقة المطلق والتوحد مع أسراره، كان مطمح الكثير من المتصوفة والعرفانيين وحتي الشعــراء، لكن وفي هذا السياق تأتي المقاربة الجمالية والوجــــدانية للشاعر جمال بــودومة لموضـــوعة (الأبدي) مشحونة بعــــلاقة جدلية، علاقة رفض وقبول، إثبات ونفي، ففي الوقت الذي نجد فيه الشاعر يصرخ: (سأنسف سجادات الأبدية) نجده عندما تضيق به البسيطة ويتعبه الحزن يتوق إليها ويرغب في التماهي معها:أحمل أحزانيفي حقيبة جلد أركب دراجة في اتجاه الأبديةو تبقي قصيدة (رحلة الكنز) خير أنموذج لهذا السفر الأزرق في اتجاه الأبد، قصيدة تتقاطع ولو من بعيد مع الكثير من النصوص، ككتابات المتصوفة ورسالة الغفران للمعري وحتي جدارية محمود درويش، يقول الشاعر: الكواكب قربي تمسح خطومها. الملائكة يلعبون الكرة. الأنبياء يقتسمون الخسارات. وأنا أفتش عن ذهب الأرواح. لا تكترث بعقارب الساعةالكتابة عن الطفولة هي بالـتأكيد ركض وسط حقل من الألغام، وبكتابة استرجاعية تعبق بسحر التوهج النوستالجي، وتتحرك عكس الوقت، يعود الشاعر جمال بودومة، إلي مرابع الصبا ومضارب الطفولة، باحثا عن زمنه الضائع يتفقد منبعه البكر ورحمه الأول: لا تكترث بعقارب الساعةالتي تلدغوتدور في الاتجاه المعاكسالوقت في رأسيوفي ملامحنا القديمةتركنا جنب النهر شقاواتنا الخضراءتركنا أدغالا مرتبة بعنايةوشجيرات تفاح وقحة يعود الشاعر كي يتقصي عوالمه المفتقدة ويسأل عن حياة كاملة إسمها: الطفولة، يستجلي ملامحه القديمة، يحصي خساراته ويقف وجها لوجه قرب من كانه طفولتئذ:ربما تلزمني أنهار صغيرة و حيوانات من ورقلكي أذهب للطفولة ديوان (نظارات بيكيت) هو نظرة معينة للوجود، نظـــرة تتواطأ ولا شك مع رؤيــــــة بيكيت العبثية للعالم والتي كونها المسرحي الكبير بعد نهاية الحـــــرب العالمية الثانية، وهي المرحلــــــة التي ستسمي فيما بعد وعلي يد (إيهاب حسن) بالطور المابعد حداثــــــي، والذي ما زلنا لحد الآن نعيش حلقة من سلســــــلته الممهورة بطغيـــــان الذاتيـــة والاحتفاء بالغياب والتشظي والغروب…كاتب من المغرب0