في كل خطوة إلى الأمام يقبع خطر، وفي كل توقف والتفاتة هناك خطر، ولا سبيل للعودة الى الوراء ففي كل شيء خطر في خطر.
يعيش الشعب السوري هذه الأيام بكل فئاته وشرائحه وانتماءاته السياسية حالة من الترقب والحيرة، بات الكل يشعر بأن القرار المتحكم بمصيره ليس سورياً، إنما يخضع لمقاييس الدول العظمى وتراضيها على تقاسم المصالح، في وطن لم تعد لأصحابه أية قدرة على اتخاذ القرارات، أو اي حق في تقرير المصير، فبعد حلحلة العقد في الملف النووي الإيراني يظهر لنا جلياً مدى اعتماد الغرب والأمريكان على طهران في تثبيت شكل متوازن ومستقر نسبياً في الشرق الأوسط، وهنا تتقاطع مصالح الروس والأمريكان على حساب المنطقة، لتبدأ ملامح قرارات دولية جديدة بخصوص سوريا خاصة، والشرق الأوسط عامة بالظهور إلى العلن بعد أن بقيت خجولة مترددة لثلاث سنوات مضت.
أما اسرائيل التي تعتبر حجر الزاوية في تثبيت الواقع المشتت للعرب من جهة، والعصا القوية التي تهدد أي تمرد قد يعبث بمصالح القوى العظمى، فقد بدأت تصرّح على ألسنة مسؤوليها أنها تبحث عن شريك جديد غير الولايات الأمريكية المتحدة، كردة فعل على التقارب الأمريكي الروسي الإيراني، وهي التي تعتبر أكثر المستفيدين مما يجري في سوريا من دمار وقتل وزوال لحال الدولة الأقوى إقليمياً.
وفي وسط كل هذه الجعجعة ترى النظام في سوريا يقف ببلاهة قلّ نظيرها إزاء التحولات الدولية والإقليمية، مستمراً بترسيخ همجيته في تدمير المدن السورية والقضاء على شعبه وجيشه في آن معاً، مستخدماً قوى ظلامية متطرفة تعمل في خدمته وتحتسب على فصائل الثورة، ومستفيداً من ميليشيات حزب الله لقتل من نادوا بالحرية والكرامة، متمسكاً بكرسيّه على عرش (مزرعة ورثها عن أبيه) باستماتة.
وبخصوص المعارضة المنقسمة على نفسها بقلّة بصيرة، فمازالت ترقص على كل نغم تسمعه، من دون التفكير لحظة واحدة على أي مقام يُعزف، فهم تارة يريدون التفاوض مع النظام في جنيف 2 وتارة يقبلون بشروط، وتارات يتمنعون متشدقين بأسباب هزيلة لا تكاد تقنع أحداً، متناسين معاناة الشعب السوري من الموت اليومي في الداخل، والموت البطيء في مخيمات اللجوء والقهر والتشرد وكل أسباب الهلاك، عداك عن الانفلاش والترهل في’صفها الأول، متمثلاً بقيادة الائتلاف السوري، فوق كل ذلك تجد الكثير من الحالمين الذين يدأبون على توزيع بطاقات التفاؤل من دون كلل أو ملل، جالسين وراء شاشات حواسيبهم مكتفين بهذا الشكل النضالي الافتراضي ولا يسعون لامتلاك أي ذهنية سياسية قد تساعد في تجميع الأصوات الوطنية في الداخل والخارج، ولا يتركز عملهم إلا على إظهار أسمائهم والتغني بتاريخهم القريب، ذاهبين هم أيضاً بالإنسان السوري إلى’ما وراء حدود الواقع وفصله عن حقيقة الخسارة الفادحة التي يتعرض لها وطناً ومواطناً.
من هذه المشكلة المعقدة العصيّة على التفسير والتحليل بالنسبة للإنسان السوري، ورغم تزاحم التحليلات والرؤى والسيناريوهات على الوصول إلى قراءة صحيحة للواقع الحالي والمستقبلي، لم يعد بيد المواطن إلا الانتظار واحتمال الموت والصبر على تصرفات القوى الفاعلة على الأرض، سواء النظامية أو الميليشيوية، وهذا بحد ذاته موت’معلن لكل نفس حر، أو حتى أمل في إقامة الدولة المنشودة.
في النهاية أقول هل هناك من سبب للاكتئاب الذي يتحدثون عنه في دراسة استرالية عن مواطني الشرق الأوسط ..؟
‘ صحافي فلسطيني ـ سوري