اتجاه عبد الجواد العوفير الشعري نابع من تجربة ليست بالهينة واكبت طويلا مراحل التطور التي عرفتها القصيدة العربية عامة والقصيدة المغربية خاصة، من منظور إبداعي متعدد متجدد، وقد خلط في هذا الديوان بشكل تناغمي مفهوم الواقعية بالرمزية، فخرجت إلينا لغته الشعرية ممتعة واعية بمضمونها الفني الحذر المبتعد عن إرهاق القارئ وَتكليفه بما لا يطيق، بل أشهد أنها سريعة الاستيعاب وحلوة تساعد على التعمق لفهم الوجود والانحياز لبهائه.
يضيف الشعر لحيواتنا شيئا من الحرية وكثيرا من الوعي، ولكي يحمل أحدنا لقب شاعر، لا بد من أن يحرك الماء الراكد ويتبنى موقف سيزيف الثوري ويقرع ناقوس الخطر خوفا من سقوط الحياة في شرك الإقطاعيين وفي جب الشر، وبالتالي يعكف بكل ما أوتي من أدوات على انتقاد الآلهة، ومواجهة القبيح ونسف أحجاره، بواسطة قصيدة تفتح مزلاج المستقبل الصدئ المستعصي، للتخلص من مكر الأعباء وكذب الانتظار، والشاعر الحقيقي من يعصر غيمة الواقع بقبضة شاعريته الناعمة، كي تنزل شآبيب الرحمة على أرواحنا قبل الموت، وهذا في نظري هو أقصى الشعر.
عبد الجواد العوفير ذو ملكة قوية جذابة وحنايا واضحة تبدأ من تموقعه وسيطرته في العزلة على كلماته المستقرة نفسانيا، واستيعابه لكتاب الدنيا المفتوح، حيث أمكنته أليفة، وهانئة وإحداثياته الطولية العرضية لا تحتاج لبوصلة، بل إنها تحتذي بقلب متشبث بشيءٍ يطرأ صدفة وعن سابق موعد، منحاز للكتابة ولاحتواء القصيدة بتوصيفها كائنا حيا متحررا من قيد الحد المتأزم. أما الزمن الذي لا ينتظر أحدا، فحقيقة صارخة ومناخ مناسب تدور على ركحه أحداث متتالية تصير ذاكرة تُرْوَى وتاريخا يُكْتَبُ، يلتقي به الشاعر يوم الأحد في مقهى، يقول:
وَحِيداً فِي مَقْهَى
يَزُورُنِي يَوْمُ الْأَحَدِ
لَابِساً مِعْطَفاً دَاكِناً
اللَّيْلَةَ سَأَدْعُو لِلْعَشَاءِ
أَلْبِيرْ كَامُو
وَأَصْدِقَاءَ خَافِتِينَ.
الخيال خصب والتصوير مزخرف بأعمق الدلالات المنبنية على قاعدة التجربة وفهم الذات والرؤية، وحركة الناس وأعتقد هذه العناصر مثالية تجعل القصيدة تستدرج، إن لم أقل تغرر بالقارئ ذي الملكة القوية أيضا، للدخول إلى تفاصيل المعنى وانتقاء وساوسه الفاضلة، والخوض في مشروع التعابير المحاكية لذلك اليوميِّ المتكدس في وجيب الشاعر الذي نعبر إليه باستمرار حتى يشاركنا كلَّ صغيرة وكبيرة.
العنوان ازدواجي حيث الضحك رمز الفرح والكركي رمز الجمال والحظ السعيد، وما بين دفتيه وضعت عينيّ والتهمت قصائده الحائمةَ في الأفضية المعترفة بكل شيءٍ جميل، جلبة شعرية تشبه الخبز الطازج في حالة الجوع، وتشبه الماء القراح في حالة الظمأ، وتصر لا على الانجذاب فحسب، ولكن على تمديد فيزياء اللغة وتفكيك أعضائها ومن ثم إنشاء عوالم مغايرة. العزلة أختُ الفكرة فيها انكفأ الشاعر واشتغل بحذاقة على تحويل المساحات المربعة إلى قارورة عطر لتفوح روحه العتيدة بكل النسائم، وتبقى قريبة من خلودٍ جوهريّ وأفكار طائعة تصل إلى حد الانطوائية المفضوحة بتعبيرات أخاذة.. يقول في جلبة باكرة:
أيَّتُهَا الْمُتَصَوِّفَةُ الصِّغَارُ
لِمَاذَا تُحْدِثُونَ جَلَبَةً فِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ؟
قَرَأْتُ السُّهْرَوَرْدِي حَتَّى صَارَتْ عَيْنَايَ
أَوْسَعُ مِنَ الْعَالَمِ
أَلَا يَحِقُّ لِهَذَا الْإِلَهِ أَنْ يَسْتَرِيحَ
أَلَا يَحِقُّ لِهَذِهِ الشَّجَرَةِ أَنْ تَنَامَ فِي ظِلِّهَا؟
العبارة صاحبة مغزى مقتضبة تبدو كالوردة في طوق أسطوري، وكامرأةٍ ينفجر الفرح في عينيها كالموسيقى المحايدة عن طرقات التقريرية والملل والتأفف، بواسطة تطعيم شعري مكنون، نراه في العديد من النصوص المستوفية مقاصدها ومن يقرأها تصيبه نزلة التجلي.. ومرة أخرى يقول في قصيدة ظلام:
تَحْدُثُ أَشْيَاءٌ فِي الظَّلَامِ
كَأَنْ نَشُمَّ بَيْتاً يَحْتَرِقُ
وَلَيْسَ هُنَالِكَ بَيْتٌ غَيْرَ أَفْكَارِنَا
أَنْ نُفَكِّرَ فِي الْمَوْتَ كَثِيراً
وَالْمَوْتُ هُوَ هَذَا الظَّلَامُ الَّذِي يُعَانِقُنَا
مِثْلَ أُمُّ
يَحْدُثُ أَنْ تَكْشِفَ امْرَأَةٌ عَنْ وَجْهِهَا
وَنَلْمَسَ ضِحْكَاتٌ عَيْنَيْهَا
يَحْدُثُ أَنْ يَتَمَشَّى هَذَا الظَّلَامُ فِي الْبَهْوِ
فَنَضْحَكُ مِنْ وَقْعِ خُطُوَاتِهِ
تَحْدُثُ أَشْيَاءٌ كَثِيرَةٌ فِي رَأْسِ الظَّلَامِ
نَشُمُّ رَائِحَةَ الْحُزْنِ فِيهِ
وَنَسْمَعُ شَيْخاً يَجُرُّ قُطْعَانَ الضَّحِكِ.
منذ الصفحة الأولى لـ«ضحكات الكركي» والقصيدة تدعو إلى الجلوس مع ذاكرة الأشياء وتجوس خلال جبل بناه عبد الجواد العوفير، معتمدا على الصورة وتوسعة المعنى، فكان على النص أن يدهس بلغته القارئ المسكين ما لم ينتبه للدهشة الغامرة والمعنى المباغت الراكض كأي عاشق متواعد مع السماء في سطور منسابة فلا تنحبس الروح ولا تتوقف إلا لإخراج الشتاء إلى كل العالم.
شاعر وناقد من المغرب