نظرة جديدة علي الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب: دراسة مثيرة للجدل!

حجم الخط
0

نظرة جديدة علي الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب: دراسة مثيرة للجدل!

ناجي ظاهرنظرة جديدة علي الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب: دراسة مثيرة للجدل!يحاول الباحث الأدبي الدكتور سليمان جبران، في كتابه نظرة جديدة علي الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب أن يؤصل للشعر الفلسطيني، ويقدم اجتهادات، في قراءته المجددة هذه، تستحق أن تكون مدار نقاشات موسعة، من اجل تعميق الرؤية إلي هذا الشعر.فيما يلي استعرض أهم ما ورد في الكتاب، واترك النقاش إلي مناسبة أخري. يقول الباحث في تقديمه لكتابه، إن النية كانت في أول الأمر، القيام بدراسة للشعر الفلسطيني في إسرائيل، منذ عام 1948 حتي عام 1967، غير أن رأيه الدائم في أن الشعر الفلسطيني، في هذه الفترة، لم ينشأ من فراغ وانه امتداد طبيعي، بشكل أو بآخر للشعر الفلسطيني في عهد الانتداب، دفعه للعودة إلي النظر في الشعر الفلسطيني الانتدابي محاولا تقصي مميزاته الأسلوبية، ليشكل بذلك تمهيدا ضروريا للدراسة التي يدور الحديث حولها، فقام بقراءة كل ما وصلت إليه يده من هذا الشعر ومما كتبه عنه آخرون، فوجد أن ما كتب عن هذا الشعر تحكمت فيه الأهواء أو الاعتبارات المجانبة للموضوعية، أضف إلي هذا أن معظم هذه الكتابات لم تتناول تلك الفترة التأسيسية في الشعر الفلسطيني بالتحليل النصي الموضوعي، وإنما انصرفت في غالبيتها إلي استعراض الظروف السياسية الشخصية لنشأة هذا الشعر وانعكاس ذلك في موضوعاته ومضامينه.هكذا وجد الباحث ما أراده أن يكون تمهيدا لدراسته، يطول ويطول، متضمنا ـ كما يقول ـ تقييمات جديدة وفيرة تقوم علي اجتهادات خاصة ومخلصة ونظرة موضوعية منصفة في شعر تلك الفترة.يبدأ الباحث دراسته، بالنظر في نهضة الأدب الفلسطيني وظروفها الموضوعية، ويري أنها تأخرت واختلفت عما كانت عليه في كل من مصر ولبنان، جراء عوامل سياسية هامة، أولها في رأيه، أن فلسطين لم تكن كيانا سياسيا متميزا، حتي الحرب العالمية الأولي، وإنما كانت بحدودها الانتدابية منذ الفتح الإسلامي تشكل مع الأردن جندين من أجناد بلاد الشام، أضف إلي هذا أن فلسطين ـ كما يقول المؤلف ـ لم تكن كيانا مستقلا، لا قبل الإسلام ولا قبل المسيح في العصور القديمة، ذلك أن موقعها المتميز كان وبالا عليها عبر مراحل التاريخ المختلفة، بحيث غدت في تاريخها المديد ممرا للغازين والمستعمرين، خاضعة لهذا الفتح أو ذاك دون أن تعرف استقلالا تاما أو استقرارا حقيقيا منذ فجر التاريخ.يري الباحث في دراسته، أن الشعر الفلسطيني، بمعناه الوطني الدقيق، لم يكتب قبل مطلع القرن العشرين وان ما كتبه شعراء فلسطين في القرن التاسع عشر، في معظمه، هو شعر إسلامي لم يجدد في مفاهيم الشعر أو مضامينه أو أساليبه، موضحا أن هذا الشعر لم يعكس مجتمعا فلسطينيا وانتماء فلسطينيا .ويخلص الباحث إلي أن بداية الشعر الفلسطيني الحقيقية كانت في مطلع القرن العشرين، وذلك استجابة لأحداث كبري في المنطقة، أهمها المشروع الصهيوني الذي اخذ يتحقق للعيان، ثم الدستور العثماني سنة 1908، وأخيرا نشوب الحرب العالمية الأولي، وما رافقها من أحداث الثورة العربية الكبري بقيادة الشريف حسين سنة 1916، ثم وعد بلفور سنة 1917 حتي بداية الانتداب البريطاني علي فلسطين سنة 1922.ويري الباحث أن أهم الأدباء الذين مثلوا المرحلة الأولي في الأدب الفلسطيني هم: محمد إسعاف النشاشيبي (1885 ـ 1947)، خليل السكاكيني (1878 ـ 1922)، اسكندر الخوري البيتجالي (1890ـ 1973)، وخليل بيدس (1874 ـ 1949) ويوضح أن جميع هؤلاء تثقفوا ثقافة عصرية، فعرفوا اللغات الأجنبية، الإنكليزية والروسية بوجه خاص، فكان ذلك عاملا هاما في تشكيل وعيهم السياسي والاجتماعي قبل الأدباء والشعراء الآخرين من مجايليهم .ويستعرض الباحث في مبحثه الثاني تحت عنوان الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب العوامل التي ادت إلي ظهور هذا الشعر وازدهاره، ويذكر منها انتهاء الحرب العالمية الأولي وما تمخضت عنه من ضرب لحلم الدولة العربية الذي نادي به رواد النهضة القومية العربية، في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وما أسفرت عنه هذه الحرب والسنوات القليلة بعدها، عن خضوع فلسطين لانتداب بريطاني استمر حتي سنة 1948، في حدود فلسطين الانتدابية وعليها، بداء النزاع الطويل بين الشعب الفلسطيني والحركة الصهيونية، ثم الدولة اليهودية.في مباحث الدراسة الأربعة المتبقية بعد الأول والثاني، يتوقف الباحث عند أربعة شعراء يمثلون، في رأيه، الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب، هؤلاء الشعراء هم:ـ وديع البستاني ( 1888ـ 1954) وهو شاعر لبناني المولد والعشيرة وفلسطيني الإقامة والتوطن ، وصل إلي يافا، مساعدا مدنيا للكولونيل باركر، مع صدور وعد بلفور، غير انه ما لبث أن تصدي للتحدي الانتدابي الصهيوني في فلسطين، مكرسا شعره وحياته للدفاع عن القضية الفلسطينية طوال فترة الانتداب ما جعله يستحق، في رأي الباحث، اعتباره رائدا للشعر الفلسطيني، ويصف الباحث شعره بأنه تقليدي واضح يسير فيه صاحبه علي نهج الكلاسيكيين الجدد، ويقول إن أسلوبه في شعره اقرب إلي شعر حافظ إبراهيم ومعروف الرصافي، منه إلي شعر احمد شوقي ومحمد مهدي الجواهري مثلا.ـ إبراهيم طوقان (1905 ـ 1941) ويتفق الباحث مع سواه من الباحثين، في طليعتهم إحسان عباس، فيما يذهبون إليه من أن طوقان هو شاعر فلسطين الأول، ويري، بعد استعراض لعدد من قصائده في طليعتها الشهيد وبعد التطرق إلي مميزات اتصف بها شعره، منها السخرية والفكاهة، والاستقاء من المقول الشعبي، إن هذا الشاعر ظفر بمكان الصدارة في الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب، بما أنتجه من شعر فني راق وليس بالموضوعات السياسية فحسب، ويري أن شعر طوقان، اقرب إلي مدرسة وسطي بين الكلاسيكية الجديدة بزعامة شوقي والرومانسية المشرقية لدي جماعة ابولو في مصر خاصة.* عبد الرحيم محمود (1913 ـ 1948) ويري الباحث أن هذا الشاعر يمثل ظاهرة نبيلة نادرة في تاريخ الشعر الفلسطيني، والشعر العربي الحديث عامة، ذلك انه حمل روحه علي راحته مقاتلا ضد الإنكليز والصهيونية في وطنه فلسطين وفي العراق أيضا، كأنما هو تشي غيفارا العربي ، حتي استشهد في معركة الشجرة شرقي الناصرة سنة 1948، أما من الناحية الفنية فان الباحث يري أن بعض النقاد تأثروا في تقييمهم لشعره وفنه بظروف حياته وباستشهاده في ساحة القتال، ويخلص الباحث إلي أن الشاعر امتلك موهبة شعرية واضحة ، لكن لم تتح لها أسباب النضج، ولم يحقق ما حققه أستاذه إبراهيم طوقان، في وطنياته من مستوي رفيع، ولم يستطع في غزله تحقيق قيمة فنية تستحق الذكر.ـ عبد الكريم الكرمي (أبو سلمي) (1909ـ 1980) ويستعرض الباحث في مبحث عنه عنوانه إدمان الغنائية أشعاره، ويقدم قصيدته المشهورة انشر علي لهب القصيد شكوي العبيد إلي العبيد مثالا لهذا الشعر، ويري أن هذه القصيدة اتصفت بأنها خطابية مجلجلة كما وصفها هو ذاته، موضحا أن أشعاره اتصفت، منذ بدياتها حتي نهاياتها، بأنها يسارية، ويقول الباحث إن قصائد الغزل شكلت نصف نتاج الشاعر، مشيرا الي أن غزله اتصف بأنه عذب غنائي غير انه لم يخرج عن أساليب الغزل التقليدية، بل يمكن القول إن هذه الغنائية الطاغية كانت علي حساب التجربة الحميمة والتجريد ويري أن غزله يذكر بشعر بشارة الخوري (الأخطل الصغير) في اعتماده علي الموسيقي العذبة السائغة والألفاظ الناعمة والصور المنتقاة، وخلوه من التجربة والمعاناة العميقتين، حتي أن بعض قصائده لاقت طريقها إلي التلحين والغناء أيضا . وينهي الباحث دراسته الجادة والمثيرة للجدل فعلا وليس كلاما فحسب، بقوله: هؤلاء الأربعة، في رأينا، من وضعوا الأسس الفكرية والفنية للشعر الفلسطيني في فلسطين والشتات، وفي إسرائيل أيضا، وإذا كان لا بد من إيجاز مميزات الشعر الفلسطيني قبل 48، فان ما يميزه هو الانخراط في الحياة السياسية والنضال الشعبي، والمناحي اليسارية، فكرا وصياغة، والاستقاء من اللغة العامية والمأثور الشعبي .كاتب من فلسطين0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية