نظرة على الواقع الثقافي في مصر 2018: المناخ السياسي القمعي يُلقي بظلاله ومحاولات فردية مُتربّص بها

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: بداية لا تقتصر الثقافة كمفهوم أو مصطلح على فئة بعينها، أو على عالم الفن والمنشور من الكتب على اختلافها، لكنه مفهوم أوسع ليشمل مناخاً عاماً يعيشه الفرد، ويُنتج من خلاله الآراء والمعتقدات. وبالضرورة سينعكس ظل المناخ السياسي على هؤلاء، حتى لو عن طريق المعارضة أو رد الفعل. وكعادة النظم العربية الحاكمة، فمن لم يقف معها ويهلل لإنجازاتها الوهمية فهو بالتأكيد في خانة الأعداء، الذين يجب محاربتهم أو التخلص منهم. هذا ما يوضح الفارق بين المَرضي عنهم من قبل الدولة، مقابل المغضوب عليهم، ورغم ذلك هناك بعض المحاولات التي تجاهد لكسر هذا النمط، هناك بعض الأصوات القادرة على إنتاج شكل مغاير من أشكال الثقافة، هدفها تحريض الوعي، بدون التباهي بأدوار المثقف المزعومة، التي جعلت البعض، بل الكثير منهم سُلطة، يحاول فرض نفسه وأفكاره على الآخرين، وهو بذلك قرين مشوّه من سلطة تعلوه دوماً تحرّكه وتتحكم بمصيره. وفي هذا التقرير الموجز نحاول استقراء أهم الأحداث والجوائز الثقافية في مصر والعالم العربي خلال عام 2018 الموشك على الانتهاء.

رداً على الجنرال

في أكتوبر/تشرين الأول الماضي تم حبس الباحث الاقتصادي عبد الخالق فاروق، وإبراهيم الخطيب صاحب المطبعة، 4 أيام على ذمة التحقيقات، على خلفية كتاب للباحث لم يُنشر بعد، بعنوان «هل مصر بلد فقير حقًا؟ رداً على الجنرال عبد الفتاح السيسي»، حيث وجهت النيابة اتهامات نشر أخبار كاذبة وحيازة مطبوعات تحوي أخباراً كاذبة. وقد قام فاروق بعدها بتوفير نسخة من الكتاب على صفحته على الفيسبوك، مُشيراً إلى أن مصر ليست بلداً فقيراً، كما قال الرئيس المصري في خطاب له، لكنها تعاني من عدم توظيف الموارد التي تمتلكها بشكل سليم، كما أن اعتقاد السيسي بفقر مصر «لا يمتلك أُفقاً ولا رؤية لإخراج البلد من مأزقه الاقتصادي والسياسي، الذي تسبب به أسلافه من جنرالات الجيش والمؤسسة العسكرية والذين حكموا مصر منذ عام 1952 حتى يومنا هذا».

تم حبس الباحث الاقتصادي عبد الخالق فاروق، وإبراهيم الخطيب صاحب المطبعة، 4 أيام على ذمة التحقيقات، على خلفية كتاب للباحث لم يُنشر بعد، بعنوان «هل مصر بلد فقير حقًا؟

جوائز الدولة وجائزة الشعب

ووفق المنطق نفسه ــ مع أو ضد ــ جاءت جوائز الدولة المصرية هذا العام لتؤكد على تكريم بعض الأسماء، التي إن لم تكن تهلل للنظام، فهي بدورها صامتة وتصم آذانها عما يحدث، فبخلاف جائزة الدولة التقديرية لكل من الفنانة نادية لطفي والموسيقار محمد سلطان، تأتي جائزة النيل للمبدعين المصريين، وقد حصل على الجائزة في فرع الفنون الفنان مصطفى الرزاز، وفي الآداب صلاح فضل، الذي يظن نفسه بدوره سلطة في عالم الأدب والنقد الأدبي، رغم مشروعه الذي توقف منذ زمن. أما في العلوم الاجتماعية فذهبت الجائزة إلى المفكر والفيلسوف، وحجة العصر مراد وهبة، الذي يرى أن الجميع ظلمه بداية من عبد الناصر وحتى مبارك المخلوع، ولم يُنصفه سوى الرئيس الحالي! وما بين كتابات وهبة السابقة وما يكتبه حالياً في صحف الدولة، نستطيع أن نرى مدى الفصام الذي أصاب الرجل. وبعيداً عن جوائز الدولة الموسومة دوما، التي حتى إن كرّمت مَن يستحق، فهو لتجميل صورتها ليس أكثر. تأتي جائزة تم استحداثها بداية هذا العام تحت اسم (جائزة الشعب)، وهي معبّرة عن الوسط الثقافي، وبعيداً عن مؤسسات الدولة، وتم الاتفاق على أن يكون صنع الله إبراهيم هو الحائز الأول لها، في ذكرى رفضه لجائزة الرواية العربية عام 2003 لأنها ــ كما قال صنع الله إبراهيم ــ آتية من حكومة كاذبة ومؤسسة فاسدة، تعمل ضد الشعب المصري. وفي ما يخص الجائزة ذكر إبراهيم أنها «جاءت في ذكرى نفض الشعب لتكلسات عقود من الأسى والاستبداد، إلا أن هذه السعادة للأسف لن تكتمل، فغياب السعادة يرجع لغياب مَن ضحوا، والقابعين خلف القضبان الآن بسبب جريمة التعبير عن الرأي».

البوكر العربية

وفي ما يخص جائزة البوكر العربية، فقد حصدها الروائي الفلسطيني إبراهم نصر الله، عن روايته «حرب الكلب الثانية»، وقد حاول نصر الله أن تتلون روايته بحكاياتها المتشعبة بكل ما هو غرائبي وفانتازي، وقد هجر منطق وقائع الرواية، الذي أصبح يتسول أمام الوقائع نفسها. هنا تبدو التكنولوجيا وقد أصبحت بدورها سلطة تعيد صياغة البشر، وأن تغذي ما لديهم من جينات القهر والتسلط، وممارسة الحروب كألعاب الصبية في الحارات ـ لاحظ أن ألعاب الصبية أيضاً تتخذ شكل الحرب، فهناك قاهر ومقهور ـ هكذا تتحول اللعبة إلى واقع لم نزل نحياه ونعيشه، فكان لا بد من أسلوب يتجاوزه، بدون نسيان إطار عام ساخر وتهكمي يحكم كل شيء. فالحروب تنشب لأسباب واهية لا تمت لمنطق، في عالم ـ عربي ـ لم يعرف منطقاً طوال تاريخه، وحتى مستقبله المرجو. وجاءت القائمة القصيرة التي ضمت ست روايات ـ بدون أي عمل روائي مصري ـ لتثير جدلا كل عام، وهذه الروايات هي «زهور تأكلها النار» للكاتب السوداني أمير تاج السر، «الحالة الحرجة للمدعو ك» للكاتب السعودي عزيز محمد، «ساعة بغداد» للكاتبة العراقية شهد الراوي، «الخائفون» للكاتبة السورية ديمة ونّوس، ورواية «وارث الشواهد» للكاتب الفلسطيني وليد الشرفا، إضافة إلى الرواية الفائزة.

شهد هذا العام رحيل رائد أدب الرعب والفانتازيا أحمد خالد توفيق، الذي يُعد أول من دشن رواجاً لهذا الشكل من الكتابة بين جمهور القراءة المصري والعربي من الشباب.

الراحلون

رحل هذا العام عن عالمنا العديد من الأصوات المؤثرة في الثقافة المصرية والعربية على السواء، نذكر منهم مثالاً لا حصراً، الكاتب الصحافي والروائي وكاتب السيناريو صبري موسى (1932 ــ 2018)، صاحب الأعمال الإبداعية الفارقة في الأدب المصري، مثل «فساد الأمكنة» و»حادث النصف متر»، و»السيد من حقل السبانخ». المفكر والاقتصادي المصري سمير أمين (3 سبتمبر/أيلول 1913 ــ 12 أغسطس/آب 2018) صاحب نظرية «المركز والأطراف»، وهي التي تفسر التحولات الكبرى التي تطرأ على التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية على مستوى العالم. فهو يعتقد أن التغيير يأتي دائماً من أطراف النظم لا من مراكزها، وانطلاقاً من هذه الأطروحة كان سمير أمين قد تجاوز الأطروحة الماركسية القديمة، التي كانت تنظر إلى أنماط الإنتاج على أنّها تتعاقب وفق نظام تاريخي لكل تاريخ الحضارات. كذلك رحل الصحافي والإعلامي حمدي قنديل (1936 ــ 2018)، تاركاً العديد من البرامج الشهيرة في وعي المشاهدين، على رأسهما.. برنامج «رئيس التحرير» و»قلم رصاص»، وقد دفع ثمناً كبيراً لمواقفه خلال برامجه هذه، بخلاف برنامج أقدم، كان بعنوان «أقوال الصحف»، إضافة إلى إصداره مذكراته المعنونة بـ»عشت مرتين». والمفكر المصري جلال أمين (1935 ــ 2018)، الذي تعد مؤلفاته بمثابة تحليل وتوثيق لتحولات المجتمع المصري والعربي ككل. ورغم النظرة التقليدية للرجل، فقد حظيت هذه الأعمال بالاهتمام والتحليل والنقد اتفاقاً أو اختلافاً. كذلك شهد هذا العام رحيل رائد أدب الرعب والفانتازيا أحمد خالد توفيق (10 يونيو/حزيران 1962 ــ 2 أبريل/ نيسان 2018)، الذي يُعد أول من دشن رواجاً لهذا الشكل من الكتابة بين جمهور القراءة المصري والعربي من الشباب. وأخيراً رحيل الفنان جميل راتب (18 أغسطس/ آب 1926 ـ 19 سبتمبر/أيلول 2018)، الذي كان رصيده كبيراً في نفوس المصريين، نظراً لمواقفه الجادة تجاه القضايا الوطنية، راتب الذي شارك في الثورة المصرية منذ بدايتها، قائلاً عبارته الشهيرة «أوعوا تسيبوا الميدان، شيلتوا حرامي ولسه باقي العصابة».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية