ان المشروع الأمريكي في مأزق حقيقي، هذه حقيقة لا جدال فيها اليوم.. ان ادارة بوش لم تتمكن من تحويل العراق الي نقطة انطلاق لمشروعها الاقليمي بل هي تبدو اليوم عاجزة عن الاستمرار في احتلاله وتبدو في موقف اقليمي غير حاسم.. ان تحدي القوة الايرانية الصاعدة وهزيمة اسرائيل في الصيف الماضي لم تهز صورتها فحسب بل أكدت عمق مأزقها الاقليمي خلافا لكل استنتاجات النخب الحليفة أو الموالية.. ان الشرق الأوسط ليس ساحة صراع اقليمي فقط، انه ساحة انتاج السيطرة الكونية الامبراطورية الأمريكية، هذا يدركه الجميع.. ومنطق الصراع مختلف أيضا.. فادارة بوش تريد أن تظهر بمظهر مختلف هذه المرة، عما كانت تظهر به في الماضي أو في أماكن أخري، عندما كانت أمريكا تعتمد عادة علي عنف القوة الحاسمة بعدوانية سافرة.. ادارة بوش حاولت أن تظهر بمظهر المحرر محاولة اعادة انتاج نموذج أوروبا الشرقية حيث تم لها وبسهولة كبيرة اقامة أنظمة تابعة ذات استقرار نسبي اعتمادا علي صورة ايجابية ذات شعبية مقبولة، كانت عملية تدجين ناجحة للجماهير وفكرها واحتواء لعوامل المعارضة المؤثرة والتغيير خارج مصالح الامبراطورية الأمريكية.. لكن هناك عجز حقيقي عن تكريس صورة كهذه علي الرغم من موقف أقسام هامة من النخبة المنخرطة في هذه العملية ورغم دعاية مباشرة وغير مباشرة غير مسبوقة ربما، هناك احساس بالمرارة والعجز في مواجهة هذا الفشل لدي منظري الامبراطورية المحافظين والليبراليين الجدد. ومن الطبيعي أن يرافق هذه المرارة عودة للمواقف العنصرية الاستشراقية التقليدية عن استحالة دمقرطة الشرق وضرورة العودة الي وسائل وحلفاء الأمس التي استخدمت بنجاح في اطار الحرب الباردة ضد صعود القوة الايرانية الاقليمية أو الخطر الأصولي.. ان الأسباب المقترحة لهذا العجز تتفاوت من المواقف العنصرية الآنفة الذكر الي محاولة الدخول في تفاصيل عملية العصرنة وأبعادها الاجتماعية والعقيدية والتاريخية وسواها.. لكن من المؤكد أن ربط عملية العصرنة والنهضة بتبعية المنطقة للغرب الاستعماري فاشلة تماما.. في الحقيقة لا يوجد الكثير من الجدة في الهجوم الليبرالي المحافظ فالمطلوب في النهاية هو الاستسلام للأمر الواقع الجديد.. أن تكون حداثيا أو ليبراليا يعني في رأي منظري الهجمة الأمريكية الأخيرة أن تذعن لارادة الغرب الليبرالي المتفوق تماما كما كانت القومية أو المقاومة تعني الاذعان لاستبداد الأنظمة القومية لا أكثر ولا أقل.. لا يتجاوز الوعد الليبرالي الطلب من الناس الخضوع للسيد الجديد الديمقراطي والمتفوق هذه المرة بدلا من السيد القديم غير المتحضر والديكتاتوري لكن من المؤكد أيضا أن فشل أمريكا و حلفائها في تدجين الجماهير سياسيا وفكريا لا يرافقه نهوض شعبي مضاد.. لا يمكن الحديث عن أوقات كانت فيها الجماهير علي هذه الدرجة من التهميش والاستلاب كأيامنا هذه، حتي الجهاديين أنفسهم لا يفكرون بكسب الجماهير لخطابهم بل علي العكس فهم يبحثون عن خلايا جهادية معزولة متخفية عن أعين المخابرات والجماهير في نفس الوقت.. يبقي هذا الحياد السلبي وهذا التهميش خارج الجدل السياسي والفكري الدائر فهو مصدر القوة الأساسي لكل أصحاب المشاريع التسلطية التي تتنافس حول أفضل السادة المحتملين أصحاب القرار الأخير في مصائرنا… مازن كم المازسورية6