نظرة مصرية على ‘الانتقال التونسي’

حجم الخط
0

كارم يحيى هل تسير مرحلة الإنتقال الى الديموقراطية في تونس بعد الثورة على نحو أفضل منها في مصر؟. هذا السؤال ألح على الخاطر عندما زرت تونس في الخريف خلال عامي 2011 و 2012 ، وأجدنى الآن مدفوعا الى السعي للإجابة عليه بمرور عامين على الثورة في البلدين. في المرة الأولى التي زرت فيها تونس (سبتمبر و أكتوبر 2011) تولد الانطباع بأن الأمور هناك تتجه على نحو أفضل من مصر. صحيح أن صور الدكتاتور المخلوع ‘مبارك’ وهو يمثل للمحاكمة ممددا على سرير بهرت تونسيين بسطاء يعلمون أن دكتاتورهم المخلوع بعيد آمن في حماية السعودية . لكن لم يكن بتونس كما في مصر حينها مجلس عسكري حاكم ومذابح تتوالى في الميادين مخلفة المزيد من الشهداء. ولم يكن هناك ـ كما في مصر ـ تحالفا خاصا بين ‘العسكر’ و’الإسلاميين’ توجته ‘غزوة الصناديق’ في إستفتاء 19 مارس 2011 ، والذي جعل من الدستور تاليا .وصنع أولا برلمانا ثم رئيسا للبلاد بصلاحيات واسعة. وقد بدا هذا وذاك استكمالا لدستور 1971. في المرة الأولى كان لافتا لمصري يراقب ويقارن أن الحزب الإسلامي الأول والرئيس ‘ النهضة ‘ لايخلو من حداثة تهيء لتوافق مع القوى والأحزاب المدنية العلمانية التي ناضلت ضد الديكتاتورية والإقصاء . فهو لاينادي بالشريعة كما هو الحال عند نظيره المصري ‘الحرية والعدالة’ الذراع السياسي لجماعة الإخوان. ناهيك بالأحزاب السلفية على يمينه. وكان لافتا ان المرحلة الأولى من الفترة الإنتقالية في تونس قامت على ‘شرعية توافقية’ بين جانب من رجال جهاز الدولة العتيق في تراثه ‘البورقيبي’ وبين القوى التي كانت محجوبة عن الشرعية والمحرومة من الفعالية سياسية كانت أو حقوقية، بما في ذلك التونسيون العائدون من المنافي (من بينهم اليساري الحقوقي كمال الجندوبي الذي أدار انتخابات فاز فيها الإسلاميون) . وهاهي هذه المرحلة تسلم الى أخرى قائمة على سلطات منتخبة و إئتلاف ثلاثي بين ‘النهضة’ وكل من ‘المؤتمر’ و’التكتل’. ولذا بحلول عام 2012 كان الطريق الذي اتخذته تونس بانتخاب مجلس تأسيسي يضع الدستور أولا قد أنتج سلطات منتخبة للمرحلة الثانية. رئيس دولة مدني محدد ومحدود الصلاحيات ‘المنصف المرزوقي’، وحكومة إئتلافية مسؤولة برئاسة النهضوي ‘حمادي الجبالي’، و رئيس المجلس التأسيسي نفسه ‘مصطفى بن جعفر’ من حزب ‘التكتل الديموقراطي’. والى جانب هذه الشراكة التوافقية بين أهم الأحزاب وفق نتائج إنتخابات 23 أكتوبر 2011 كان هناك الوضوح في معالم الطريق والثقة في آجاله المحددة. وعلى نحو خاص عام واحد ينجز خلاله المجلس التأسيسي وضع دستور بأغلبية ثلثي أعضائة وينهى المرحلة الأنتقالية. وهذا الوضوح وهذه الثقة كانا مفتقدان قطعا في الحالة المصرية حينها. وغاية ماكان أن المصريين شاهدوا قبل نهاية يناير 2012 نواب مجلس شعب يؤدون اليمين على دستور من المفترض ان الثورة قد أسقطته. وقد زاد من عبثية المشهد إضافة نواب سلفيين لصيغة القسم عبارة ‘بما لايخالف شرع الله’. وعلى ايه حال فقد اتضح بحلول صيف العام السابق ان مجلس الشعب أصلا ‘غير دستوري’ لعوار في طريقة إنتخابه.(!ّ)في المرة الثانية عندما زرت تونس (مطلع نوفمبر 2012) بدا أن ثالوث الوضوح والثقة والتوافق يهتز في كل زاوية من زواياه.فقد إنقضى أجل العام دون إنجاز الدستور وانهاء المرحلة الإنتقالية وسط خلافات وصراعات مريرة. تآكلت كتلتا الحزبين المدنيين العلمانيين حليفي ‘النهضة’ داخل المجلس التأسيسي . وبرز خارج ‘الترويكا’ الحاكمة قطب جديد على الساحة هو حزب ‘نداء تونس’ برئاسة البورقيبي ‘الباجي قائد السبسي’، وإن كان الحزب متهما بأنه إعادة إنتاج لحزب ‘التجمع الدستوري’ المنحل. كما برز ثقل سياسي لم يكن قائما قبل عام لإتحاد الشغل (العمال). وراوح هذا الثقل بين الوسيط إزاء استقطابات الساحة السياسية وبين مناوئة ‘النهضة’. ولقد بدا أن تحديات المرحلة الإنتقالية الثانية التي جاوزت أجلها عديدة وخطيرة. فهناك السلفيون الذين برزوا على الساحة بأعمال عنف تروع المجتمع. والى جانب ذلك هناك اتهامات لحزب حركة النهضة ذاتها برعاية جماعات عنف وترويع أخرى، بعدما أخلصت ‘روابط الثورة’ الولاء للحزب وانفرد بسطوته عليها. وفوق هذا وذاك بدا من لقاءات عديدة مع شخصيات مستقلة وازنة أن ‘النهضة’ أصبح محاطا بشكوك لم تكن قائمة من قبل تتعلق بمصداقية حداثته وإخلاصه لقيم الدولة المدنية. وكذا بسعيه للتمكين لنفسه من مفاصل الدولة ومسئوليته عن مخاوف قطاعات واسعة على مستقبل الحريات الشخصية والعامة، وحقوق الإنسان اجمالا. بل و مسؤوليته عن إنفلات العنف السلفي. وكان لافتا في هذه الزيارة أن نفس ما اسمعه في القاهرة عن مخاوف ـ لها مايبررها ـ عن سعي الإسلاميين في الحكم للسيطرة على الإعلام العمومي و إنتهاكهم لاستقلال القضاء أصبح ينطبق على الحال في تونس. صادف انه بعدما عدت من زيارة تونس هذه أصر الإسلاميون في مصر على الإسراع بدستور خارج التوافق .صحيح وللمفارقة أنجز المصريون دستور بعد الثورة أسرع من اشقائهم في تونس على عكس ما بدت عليه الأمور من قبل. لكن في ظل غياب التوافق وسيادة الإرتباك والإنفراد بسلطة التقرير والحكم يصح المثل القائل بأن ‘في التأني السلامة’. لكن في الحالتين التونسية والمصرية الآن ومعا تثور المخاوف من مخاطر الإسراع بالانقسام على اساس (ديني / مدني) بين قوى المجتمع والسياسة، وجناية هذا الإنقسام على مستقبل التغيير في ظل عدم القضاء بعد على نظام الديكتاتورية والفساد والتبعية وآثاره وفلوله. وهنا يثور التساؤل عن فرص بناء كتلة تاريخية تحمل مسئولية التغيير وتنفيذ أهداف الثورة. كتلة عابرة للانقسام الديني/المدني. وهو أمر أكثر صعوبة في مصر عن تونس. وفي الحالتين معا الآن ومستقبلا هناك مخاوف من إعادة إنتاج الرئيس الحاكم الفرد واسع السلطات بعدما جرى التنكر لخيار النظام البرلماني هنا وهناك. وفي الحالتين التونسية والمصرية دوما يحق التساؤل عن كيف ولماذا تغيب العدالة الإجتماعية ومتطلباتها الملحة عن أجندة المرحلة الإنتقالية ؟.ألم ترفع الثورتان التونسية والمصرية شعارهما بلا لبس أو مراوغة. وألا يحق قول من يرون أن الثورة يجرى سرقتها والغدر بها.’ كاتب وصحافي مصري، مؤلف كتاب ‘نظرتان على تونس من الديكتاتورية الى الديموقراطية’ الصادر من مصر وتونس عام 2012 qmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية