نظرة من بعيد الي القضية الفلسطينية

حجم الخط
0

نظرة من بعيد الي القضية الفلسطينية

د. محيي الدين عميمورنظرة من بعيد الي القضية الفلسطينية الجزائر، ورئيسها الراحل هواري بومدين علي وجه التحديد، هي من صك الشعار الخالد: نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة ، وذلك بمقاربة واضحة مع حديث لرسول الله عليه أفضل الصلوات يقول: انصر أخاك ظالما أو مظلوما ولما سئل: كيف ننصره ظالما قال عليه الصلاة والسلام ما معناه بأن ذلك يكون بدفعه لايقاف ظلمه. كان هذا أول ما تبادر الي ذهني وأنا أتابع، عن بعد، ما يحدث علي الساحة الفلسطينية، والذي يثير الكثير من الأسي، ليس فقط لتزايد ما يُسببه من آلام للمواطنين وللمناضلين ولكن أيضا لكثرة ما يستثيره من تساؤلات لا أجد لها ردودا مقنعة. والسطور هنا هي مجرد محاولة للفهم سأكون ممتنا لكل من يتكامل معي بتصحيح ما يراه من أخطائها أو تعديل ما يحسه من اعوجاجها أو حتي برفض ما قد أصل اليه من استنتاجات غير صائبة لاعتمادها علي معلومات مبتورة.ولا بد من الاعتراف بالوضع الصعب الذي يُوجد فيه رئيس السلطة الفلسطينية السيد محمود عباس (الذي يسيئ له البعض بتسميته محمود لافال ، تذكيرا ببير لافال ، رئيس حكومة فيشي خلال الاحتلال الألماني لفرنسا) والذي نتذكر بأنه لم ينجح في انتزاع ثقة الرئيس الراحل ياسر عرفات، الذي كان يبدو وكأنه يحس بأن أبو مازن فُرض عليه من قوي خارجية ونتيجة لتواطؤات داخلية، وانتهز الفرصة الأولي ليقيله ويُعين مكانه السيد محمود قريع.وكان واضحا في السنوات الأخيرة ان أبو عمّار أصبح عقبة في طريق الحل المطلوب أمريكيا واسرائيليا، بل وعربيا بالنسبة لمواقع معينة، خصوصا بعد رفض الزعيم الفلسطيني التوقيع علي تنازلات كامب دافيد ـ 2، وكنت أشرت لبعضها في حديث سابق، وبالتالي كان يجب أن ينتقل الي حيث لا عودة، وهو ما حدث في ظروف تتكاثر حولها التساؤلات والتكهنات.وهكذا تولي عباس، مهندس اتفاق أوسلو، مسؤولية السلطة الفلسطينية وسط جو كانت واشنطن قد أثارته في السنوات الأخيرة من حياة عرفات، وتميز بالتركيز علي قصص الفساد الفلسطيني، وبالمطالبة بالاصلاحات والتحسينات.وبالطبع فان كُتاب المارينز سارعوا للرقص علي الطبول الأمريكية والغمز من قناة كل القيادات الفلسطينية، وكأن الفساد أصبح ظاهرة مقتصرة علي الساحة الجريحة. ويجتاز الشعب الفلسطيني الصامد امتحان الانتخابات التشريعية بنجاح رائع اعترف به العدو قبل الصديق، وتنتزع حركة حماس الأغلبية في المجلس التشريعي، وهنا يتغير كل شيء وبشكل يثير الدهشة والاستغراب. فقد بدأت تسريبات معينة تنطلق من الفلك الأوروبي نحو من يريد الاستماع من العرب تستهدف التشكيك في وطنية رجال حماس، ووصلت الي حد القول بدور اسرائيلي في خلقها، وهو ما سمعته شخصيا من مسؤول أمني فرنسي خلال محاضرة ألقاها في الجزائر منذ عدة شهور، ولا أعرف ان كان المصدر عربيا أم اسرائيليا أم الاثنين معا.وبدأت أصوات العقل والحكمة المألوفة تتناقل التعليقات عن نقص تجربة حماس في تسيير شؤون الدولة وتصلبها في مواجهة الأوضاع الخارجية، وعجزها عن مواجهة الالتزامات الداخلية، وذلك في الوقت الذي فشل فيه اسماعيل هنية في اقامة حكومة وحدة وطنية، وقيل آنذاك ان الطرف الأكثر قوة في المعارضة الفلسطينية، وهو فتح، رفض المشاركة فيها، بل وبدأت تعليقات بعض أفراده تتسم بالحدة تجاه حماس وتهون من قدرتها علي تحمل المسؤولية، ثم علت نغمة تبرير الهزيمة الانتخابية للمعارضة الجديدة بما يُشبه ما استمعنا له اثر انتصار الجبهة الاسلامية للانقاذ في الجزائر في نهاية الثمانينيات علي حساب ما تبقي من جبهة التحرير الوطني، التي كانت قد ترهلت وخسرت الكثير من وجودها المؤثر علي الساحة الوطنية منذ التصفيات التي أجريت في منتصف الثمانينيات، ثم راهنت بسذاجة علي ارتفاع أسعار النفط في السوق العالمية التي تدهورت في 1986، لتقع البلاد فريسة لأحداث تشرين الاول (أكتوبر) المشبوهة في الجزائر، والتي كانت بداية الانزلاق نحو المجهول الذي تواطأ فيه الزيت مع الماء وتكامل الوقود مع عود الثقاب.واضطرت حماس في فلسطين الي تكوين حكومتها بشكل انفرادي انطلاقا من أغلبيتها النيابية، وبدأت الساحة العربية تشهد وضعية بالغة الغرابة.فبداية، توقف كل حديث عن الفساد الذي كان يقال ان الأجهزة الفلسطينية تعاني منه، وبدا وكأن ذلك الفساد قد تحول الي دخان ذهبت به رياح التغيير. ثم فرض حصار محكم علي قطاع غزة ليحول بين الحكومة الجديدة والمقدرة علي تسيير الدواليب الحكومية، ساهمت فيه مؤسسات مالية عربية وأجنبية، بل وعناصر فلسطينية علي مستوي معبر رفح، كما قيل، وهو ما قاد الي تدهور رهيب علي الساحة الفلسطينية، كان من بين مظاهره الغريبة والتي لم يعرفها التاريخ تظاهرات قامت بها قوات أمنية احتجاجا علي عجز حكومة حماس عن توفير المرتبات، والتقطت بعض قيادات فتح القديمة أنفاسها وبدا أنها تحاول التحريض علي حكومة حماس، وأمكن استغلال الوضعية الصعبة للشارع الفلسطيني في خلق وضعية توتر أدت الي أن واجه السلاحُ الفلسطيني السلاحَ الفلسطيني، وتزايدت الاتهامات من كل جانب.ورفضت دُول عربية استقبال عدد من قادة حماس وغالبا تحت ضغوط من قيادات فلسطينية كانت في مرحلة معينة رموزا للنضال لدي الجميع، تكاملت مع الضغوط الأمريكية وربما الاسرائيلية.ووضع العالم كله أمام حكومة حماس شرط الاعتراف باسرائيل قبل أي تعامل معها، وكان المؤسف أن القوي العربية المؤثرة في الساحة انقسمت بين مؤيد لذلك المطلب ونائم في الخط، وكان آخر ما سمعناه قول رئيس السلطة منذ أيام عن ضرورة احترام حكومة حماس للاتفاقيات الدولية، والمقصود بالطبع هو الاتفاقات مع اسرائيل.ولم يتوقف أحد ليطرح الجدلية البسيطة التي تربط قضية الاعترافات بمبدأ التبادل، فأنا أعترف بمن يعترف بي، وبالتالي فكيف تعترف حكومة حماس بعدو ما زال يراها مجموعة ارهابية، في حين أن ماضي الهاغاناه وشتيرن وزفاي ليومي ما زال حيا في الأذهان. واذا كانت اسرائيل لم تحترم التزاماتها المفروضة من منظمة الأمم المتحدة ولا تلك الناتجة عن اتفاقيات ثنائية وأهمها قضية المعابر، ومعبر رفح علي وجه التحديد، فكيف تطالب حماس باعتراف معناه الوحيد التسليم المطلق لاسرائيل بكل شيء، حتي ورقة التوت؟ ومأساة معبر رفح وحدها فضيحة لكل عربي، لأن المعبر يربط بين غزة وبلد عربي، لكن اسرائيل تفرض ارادتها عليه بشكل تعسفي اتضح أن هدفه الرئيس هو خنق الحكومة الفلسطينية.وهكذا تناسي العالم العربي الخروقات الاسرائيلية المتواصلة لقطاع غزة ولمدن الضفة الغربية، وعمليات الاغتيال المتوالية ضد من تراهم خصوما لها، وراح الجميع ينادي بضرورة أن تقبل حماس بما نادت به في البداية ورُفض من الآخرين، وهو اقامة حكومة وحدة وطنية. والغريب هنا أن المطالبة بحكومة وحدة وطنية لا يستند الي قاعدة تشريعية، مقارنة بلبنان، حيث تـُرفض فكرة الحكومة الوطنية التي تنطلق من قاعدة تشريعية واضحة المعالم أفرزها الواقع اللبناني حتي قبل اتفاق الطائف.ولقد كان حديث أبو عباس عن التمسك بأراضي 1967 وبالقدس وعودة اللاجئين وكذلك العمل للافراج عن البرغوثي وزملائه كلاما رائعا، ولكن المطلوب كان أن تعلن اسرائيل قبولها بهذا كله ليمكن مطالبة حماس بالاعتراف بالأمر الواقع، خصوصا وأن فكرة هدنة السنوات العشر التي طرحها هنية لم تكن سيئة، وكانت مخرجا لوضعية الانسداد الحالية، لكن اسرائيل تجاهلت الأيدي الممدودة.وكان المؤسف أن أحدا علي الساحة العربية لم يتوقف عند تصريحات وزيرة الخارجية الاسرائيلية التي تحدثت عن حدود تتجاهل حدود 1967، أي أنها ترفض بشكل واضح مبادرة توماس فريدمان، التي اصطلح علي تسميتها مبادرة السلام العربية، وأفلت من عمرو موسي مؤخرا اعتراف واضح بأنها انتهت ودفنت.وتتلقي الدبلوماسية العربية صفعة مهينة في مجلس الأمن، تزامنت مع رفض ادانة النشاط النووي الاسرائيلي في فيينا، ويعترف وزير خارجية قطر بوجود انقسام في المواقف العربية، ولا يحاول أحد أن يفهم بأن الحق الذي لا تسنده القوة يظل مجرد بلاغيات عنترية لا تقتل ذبابة، كما قال يوما المرحوم نزار قباني.ويبدو أن الساحة العربية تحاول استيعاب النصر الاستراتيجي الذي حققه حزب الله في لبنان في نفس الوقت الذي تحاول فيه قوي لبنانية تسندها الادارة الأمريكية والدبلوماسية الفرنسية أساسا تقزيم ذلك النصر والاستفادة من وجود قوات اليونيفيل لتحييد المقاومة سياسيا ليمكن التخلص منها تدريجيا في مراحل مقبلة.ويتزامن رفض أبو مازن التوجه الي غزة لاستكمال المشاورات حول حكومة الوحدة الوطنية مع قرار المحكمة الاسرائيلية باستكمال احتجاز أكثر من عشرين وزيرا ونائبا من حركة حماس. ويبدو الوطن العربي في وضعية تبلد غريب تجعله شبه عاجز عن الاستفادة من كل ما حدث، ويبدو أن السبب هو غياب الطبقة السياسية القادرة علي تأطير الجماهير وتوجيهها والحفاظ علي معنوياتها والتعامل مع السلطات الحاكمة بحجم واع من التكامل الذي يعرف متي ينتقد ومتي يدعم ومتي يتناقض ومتي يتلاحم، حتي لا تكون القضية مجرد اثبات وجود يُحمل السلطة كل الأوزار والآثام تهربا من اتخاذ المواقف الجادة في الوقت المناسب.وهكذا يتبعثر الشارع العربي وتتذبذب مواقف القيادات ولا يبدو أي ضوء في آخر النفق.ولست أدري الي أين ينتهي الصراع الفلسطيني الفلسطيني ومتي يتوقف التدخل الشقيق في الملف الذي أفسده، عبر أكثر من نصف قرن، تدخل الأشقاء وأحيانا قبل ضراوة الأعداء.لكنني ما زلت أنادي بأن تكون الأمة مع فلسطين ظالمة أو مظلومة. وزير سابق وكاتب من الجزائر8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية