نظل نحدق الي التلفزيون بعد وقت من انقطاع الكهرباء

حجم الخط
0

نظل نحدق الي التلفزيون بعد وقت من انقطاع الكهرباء

عناية جابرنظل نحدق الي التلفزيون بعد وقت من انقطاع الكهرباءثمة من اللبنانيين، هنا في بيروت، من يظل يحدق الي شاشة التلفزيون، بعد وقت طويل من انقطاع الكهرباء. لا ابالغ البتة. ثمة هذا التحديق الملح الي الشاشة المطفأة السوداء كأنما يصرون علي مواصلة لملمة الاخبار والصور، المزيد منها، من قلب العتمة التي تسود الشاشة في انقطاع الكهرباء عنها، فلا تراهم يطيقون هذا الفاصل القسري بينهم وبين الفرجة علي مأساتهم وعلي تواصل موتهم الذي لا يقطعه الا انقطاع النور. حين عاكست احدهم بوقوفي لبرهة بينه وبين الشاشة المطفأة، راح يحرك رأسه يمينا وشمالا، التماسا للصورة ولمتابعة التحديق بها مع علمه بأن الكهرباء مقطوعة.فاجأتنا الحرب فعلا، الناس هنا وأنا. ان لدي جميع اللبنانيين عبقرية التأقلم مع الاشياء، سواي. جميع اللبنانيين عباقرة ما عداي. انني اتظاهر باستئناف حياتي في ظل هذه الحرب الوسخة لمجرد التقليد والتصنع. ولكي ابدو كالباقين فانني أصرّف هذا العيش كيفما اتفق، لاني عاجزة عن فعل شيء آخر. مر يوم ويومان واسبوعان ونوشك علي شهر كامل، سوي ان الامر بقي فوق طاقتي. الحياة تتحقق خارج بيروت وخارج نفسي وفي شوارع حقيقية ومدن حقيقية وبين جدران حقيقية وشمس ساطعة وبريئة، مثل الشموس التي تسيل علي الشاشات الفضية.استمر في الغش، وحريصة علي الظهور بمظهر البطلة، بينما يرضيني في العمق ان الغرين كارت علي باسبوري يخولني السفر الي امريكا متي شئت، وثمة الفيزا الفرنسية التي تخدمني لسنوات ثلاث، كما و علي السريع وضعت واحدة مصرية، واخري مغربية، وتونسية، فيما في الحقيقة أنا اسيرة بيروت لا ابارحها في محنتها، بيروت فراشتي الثمينة، حبي وقلقي الاخير.اعيش الحرب كحشرة طفيلية مشدوهة، بلا ايمان وبلا قانون ولا مصير. اهرب الي المهزلة اليومية فأكتب واواظب علي العمل واساعد المهجرين ما يسمح به ذهولي. اطير واجري وادور من خدعة الي خدعة فيما روحي تالفة ومدمرة. اهرب من جسدي الذي لا مبرر له ومن نجواه الضعيفة، ومثل النحلة التي تصطدم بحائط فانني اقع احيانا ليس علي الارض، ولكن في الذهول الحيواني. قالت لي صديقتي ان حزنا صارخا يزنر وجهي ولطالما فاجأتني احلم علي الواقف وقالت لي انتِ المرحة التي تغني دوما، لماذا حزينة الي هذه الدرجة؟ فليست هذه المرة الاولي التي تقصفنا اسرائيل، واردفت بأنني المدللة ولا يجب ان اكون حزينة، بل ضجرة كملكة او ككلبة.انني كلبة ولست خائفة، وأنام هادئة لا تقلقني الصواريخ، سوي شعوري بأنني ارزح تحت حقيقة خديعة كبري، وعلي الارجح، طعنة في الظهر. ذلك ان احدا لم يسألني ان كنت في الاساس اود المشاركة في هذه الحرب، او الوقوع في براثنها. باختصار، انا ملغاة تماما وبمعني آخر حُكم عليّ بالاعدام، ويمكنني فحسب انتظار تنفيذه في لحظة واخري. جعلوني اشعر انني زائدة عن الحاجة ولا بد لي من ان اختفي. جعلوني اشعر ان وجودي طويل وتعس وان عليّ ان انتهي الي التخلص من حياتي بالحرب او من دونها.الايمان بالنسبة لي هو الاسم الآخر للحرية، ولطالما كنت حريصة علي عدم وقوعي فريسة لتقديس اي شيء. ولما انا متخمة بالحنان فالحرب تؤذيني، ودمعي سهل وقلبي طريّ ولسوء الحظ فان صانعي الحروب لا يقابلونني بعرفان الجميل. الذي تقوله صديقتي صحيح. صحيح مئة بالمئة فهذه ليست المرة الاولي التي تدمرنا اسرائيل، وهي ليست اولي حروبنا، بيد انني زهقت وقرفت. كل هذه التمثيلية لا تحركني الا سطحيا في حين ان القاع، قاعي يظل باردا ويرفض الحرب بشكل مطلق وحاسم. لقد سبق ان عشت حربا اطول مما تجدر به الحروب، وآن ان ارتاح وادلل روحي وجسدي وألقي بنفسي في الكبرياء وفي الحب، الحب الذي يشفي جروحي الداخلية، مع ذلك ينتهي الي ان يسممني.الحرب تطردني من اغماءاتي السعيدة، وتسدد ضربة مدوخة لعزلتي، التي تشعرني هذه انعم بالشعور بان الكون يحتاجني ويطلبني، لكن بصمت. ان براءتي التي تضطهدها الحرب، لا تظهر الألم، الألم المتكبر الذي لا ينكشف، سوي انني افقد القدرة علي الكلام، وعلي العيش في الموسيقي وفي الحب.ادور في المدينة خافضة رأسي مجرجرة قدميّ كما لو تم صفعي ورُكلت، ومطعون صدري طعنة نافذة. ان عشر سنوات من السعادة مخلفة ورائي الحرب اللبنانية، علمتني اعادة الاعتبار الي الشمس والبحر والنجوم والكلمات والكائنات الجميلة، لذلك يا صديقتي، حزني المزدوج هذا، وخيبة الأمل وأنا أري مآثري اللطيفة، تذريها الحرب عديمة الشفقة.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية