بيومي قنديل
الخريف عندنا هو ربيع كل الدنيا، ففي خريفنا يعتدل الجو وتسكن الهواء طراوة سخية، وخصوصا بعد منتصف الليل. وكان صاحبنا يسير عائدا بعد أن صفصفت الشوارع، دون أن يدري إلي أين حملته قدماه. كانت جنازة الزعيم الملهم التي بدأت منذ الصباح الباكر، رهيبة قدر خبراء في وقت لاحق عدد الذين شاركوا فيها بخمسة ملايين نفس. وسارت الجنازة حيثما شاءت لا حيثما يشاء المشاركون، وكان صاحبنا رقما منهم. تطلع إلي ساعة الميدان. خرجت من فمه صفارة طويلة. وبينما كان يتطلع حواليه ليعرف أين هو بالضبط كي يبدأ رحلة العودة إلي بيته في عزبة الصعايدة قرب شارع ترعة السواحل في إمبابة التي كانت للعاصمة الكاهرا ما كانته مصر للإمبراطورية الرومانية، وجد صاحبنا نفسه أمام جريدة الجورنال. هنا طرأت علي ذهنه الفكرة. وبينما كان يدير عينيه في ضباب الليل الذي تحاول فوانيس الحكومة مقاومته بنجاح أشبه بنجاح خطتها الخمسية، وجد السجادة العجمي الحمراء اللون المفروشة علي السلالم الأمامية تنادي قدميه.
قدم صاحبنا بطاقته الشخصية ـ كما تقضي التعليمات المعروفة للجميع ـ إلي الموظف المختص الذي نهض من جلسته بين الصحو واليقظة كي يقف خلف صندوقه الزجاجي. نظر الموظف المختص بامعان في وجه صاحبنا وقارنه بهدوء مستريب، لم يعد يثير منذ وقت طويل أي احتجاج، بالصورة التي تحملها البطاقة الشخصية. ناوله الموظف المختص بتردد مكتوم النموذج المطبوع سلفا كي يملأه.
أعاد صاحبنا النموذج بعد ملئه إلي الموظف المختص الذي ضبط نظارته علي أنفه، وأخذ يعد كلمات الإعلان الذي يريد هذا المواطن الصالح كما وصف نفسه أن يضعه باكر في صفحات الجريدة. أعاد الموظف المختص ضبط نظارته علي أنفه. وأعاد إحصاء الكلمات ثم أمسك بنظارته كي يثبتها علي أنفه بيد وأخذ يحسب من جديد مستعينا بقلمه الذي أمسك به باليد الأخري عدد الكلمات أو هكذا بدا أنه يفعل. أخرج صاحبنا محفظته استعدادا لدفع ثمن الإعلان الذي خطر علي باله دون سابق إمعان نظر أن ينشره باسمه. اختلس الموظف المختص نظرة من جنب عينه إلي صاحبنا. توقف القلم في يده فوق السطر الثاني في النموذج المعد للنشر.
رمي الموظف المختص الذي كان بعض النوم لا يزال عالقا بجفنيه، رأسه إلي الجهة اليسري. نسيها هناك. أحدث صاحبنا صوتا بقدميه في أرضية الحجرة. أعاد الموظف المختص رأسه إلي وضعها السابق أمام واجهة الصندوق الزجاجي. حرك صاحبنا يده اليمني حركة دائرية استنهاضا للموظف المختص الذي راح يتطلع يمنة ويسرة وسط هدوء الليل وسكونه. دفع الموظف المختص يده إلي الأمام لصاحبنا كي يستريح علي أحد الكراسي الملاصقة للحائط في مواجهة الصندوق الزجاجي. تطلع صاحبنا إلي الموظف المختص مستغربا. لم يجد الموظف المختص مناصاً من صوغ ما يريد في ألفاظ حاسمة وإن حفها أدب وافر:
ـ إتفضل سيادتك إستريح دقيقة واحدة من فضلك!
كرر صاحبنا طلب الموظف المختص كلمة كلمة بنفس نبرة الموظف المختص ولو أن كلماته خرجت مبطنة بدرجة من الاستغراب:
ـ يتفضل سيادتي يستريح دقيقة واحدة!
ثم ارتفع صوته حادا متسائلا: ـ ليه؟
و قال متضاحكا:
ـ ح تعتقلوني؟
كان الموظف المختص مشغولاً في هذه الأثناء في المكالمة التليفونية التي هداه تفكيره إلي إجرائها مع رئيسه المباشر مع أن الوقت كان متأخراً بل ومتأخراً بما يوجب في ظروف أخري، فاصلاً من التوبيخ. أرسل صاحبنا أذنيه كي يتسمَّع ما يدور من حديث. سمع صاحبنا الموظف المختص يقول: هل يجوز.. وعندئذ أحس الموظف المختص بأذني صاحبنا تقتسمان الحديث مع أذنيه فاستدار كي يعطي صاحبنا ظهره ونجح فيما هدف إليه.
وضع الموظف المختص سماعة التليفون. نهض صاحبنا متململاً. توجه إليه. وقبل أن يفتح فمه بكلمة هداه الموظف المختص بقمعي أصابعه العشرة:
ـ إتفضل سيادتك دقيقة واحدة.
ـ ليه فيه إيه؟
ـ مافيش أي حاجة وحشة بإذن الله، بس إتفضل!
عاد صاحبنا إلي الجلوس. وهو يقول:
ـ وآدي كمان قعدة!
مرت دقائق طويلة. رفع صاحبنا عينيه إلي الموظف المختص. التقت العينان. رد الموظف المختص علي السؤال الذي توقعه من صاحبنا، موضحاً:
ـ بيصحي المدير العام.
ـ مين دا؟
ـ رئيسي المباشر.
ـ ليه بقا؟
أحس الموظف المختص أنه كشف أكثر مما ينبغي لشخص مجهول. أجاب:
ـ ما ليه ش.
وبعد قليل أوضح:
ـ ما هو انا ما اقدرش أتحمل المسؤولية دي لوحدي.
رن جرس التليفون. أسرع الموظف المختص إلي السماعة. هز رأسه قائلاً:
ـ أيوا يا افندم معاي.
وبعد قليل أضاف:
ـ حاضر. ح أخليها معاي.
لقط صاحبنا بصورة ضبابية عما يدور الحديث. نهض متحمساً. انطلقت الكلمات من فمه مستقيمة سريعة:
ـ تسمح لي بالبطاقة؟
ـ بطاقة إيه؟
ـ حلوة دي. البطاقة الشخصية بتاعتي. غيرَّت رأيي. موش ح اعمل إعلانات عندكو. خليني أروح.
رد الموظف المختص:
ـ ح تروح سيادتك إن شاء الله طالما موقفك كان سليم.
ـ والبطاقة؟
ـ والبطاقة ح تاخدها. هو انا ح اعمل بها إيه؟
ـ إمتي؟
ـ حال نـ يعني إيه حال ن دي؟
ـ يا أستاذ المدير العام بيتصل برئيس التحرير عشان يعرف يجوز ولا ما يجوزشي.
ـ إفرض قال له ما يجوزشي وإديني البطاقة.
ـ فال الله ولا فالك يا شيخ: ح تبقا المسألة دخلت نفق تاني؟ رن جرس التليفون. تعلقت عينا صاحبنا بما يدور. رفع الموظف المختص الذي بدا أكثر يقظة سماعة التليفون. وقع شدقه منه. أكد مطمئنا:
ـ لأ يا افندم ما مشي ش، حاضر. حاضر.
انتفض صاحبنا واقفا. اندفع إلي الموظف المختص:
ـ تعرف تديني البطاقة بتاعتي عشان أمشي.
رد الموظف المختص:
ـ أنا خدت تعليمات خلاص.
ـ يعني إيه؟
ـ يعني بقيت عبد زيي زيك.
ـ يعني أنا دا الوقت ما اقدرش أمشي؟
ـ يا أستاذ ح تمشي. بس كله بوقته.
و اتكأ علي عكاز الغيب وقال:
ـ ما كانش يقدر يخلق الدنيا في لحظة واحدة!
ـ دا انا معتقل بقا؟
ـ يا أستاذ إحنا جريدة.
ـ يعني إيه دي؟
ـ يعني إحنا ما بنعتقلش حد.
ـ شوف إسمع ح تديني البطاقة يعني ح تديني البطاقة.
يهم صاحبنا باقتحام الصندوق الزجاجي. يرفع الموظف المختص أصبع السبابة في وجهه برباطة جأش موظف تدعم التعليمات عموده الفقري:
ـ ما تخلينيش أعمل حاجة أنا موش عايز أعملها.
ـ ح تعمل إيه؟
ـ يا أستاذ كلها دقايق وكل من هو يروح لحال سبيله.
ـ فيه إيه أحب أفهم؟
ـ رئيس التحرير بيتصل بالوزير.
ـ الوزير سوا؟
و بينما كان صاحبنا يلتفت إلي يساره، دخل إلي الحجرة نفران، أحدهما قصير والآخر طويل. عاد صاحبنا إلي الجلوس وهو يمصمص شفتيه. جلس أحد النفرين إلي يمينه وجلس الآخر إلي يساره.
أشاح صاحبنا بيديه. ضحك بلا رواء. خرجت ضحكته ميتة. قال:
ـ ما عندكش بطانية؟
طقطق الموظف المختص. أوضح صاحبنا بصوت جاف:
ـ أيوا لحد سيادة الوزير ما يصحا م النوم!
رن جرس التليفون. رفع الموظف المختص السماعة. تطلع نحو صاحبنا. لملم عينيه سريعا عنه. رد:
ـ لا يا افندم. إزاي أسيبه يمشي؟
في هذه اللحظة كانت قد اختمرت في رأس صاحبنا فكرة أن يستعوض ربه في البطاقة التي كان من الممكن أن تنشل أيضا في زحمة الجنازة. هم بالقيام. وجد يدين، واحدة من علي يساره والأخري من علي يمينه تدوسان علي كتفيه كي تلزماه بالجلوس. هنا انتبه إلي أن اللذين دخلا قبل قليل يلبسان زيا موحدا، وأنهما ليسا زبونين مثله.
شرح الطويل منهما:
ـ ما حدش مننا يقدر يسيبك تمشي.
ـ ليه؟
قال الطويل:
ـ موش جايز يكون فيه هدف إستراتيجي خطير ورا نشر.. خطف القصير خيط الحديث:
ـ ولا عدم نشره!
تدخَّل الموظف المختص: ـ علي أي حال رئيس الوزارة ح يرد حال ن بال ن. ـ رئيس الوزارة؟!
؟ أكمل القصير:
ـ وفي النهاية ح نمشي كلنا.
أخذ صاحبنا يتلفت يمنة ويسرة كفلاح غرقت زرعته. تأكد له الآن أن الشيطان وحده هو الذي دس هذه الفكرة في رأسه علي حين غفلة منه.
رن جرس التليفون. رفع الموظف المختص السماعة. قام واقفا وراء الصندوق الزجاجي. رد:
ـ جوم لوحدهم يا افندم خلاص. يستحيل. طبع ن طبع ن.
رمي الموظف المختص عنقه علي كتفه كجمل يطلب الحلال. أعلن:
ـ السؤال وصل الرياسة؟
زعق صاحبنا ودفع صدره إلي الأمام تحت ضغط اليدين اللتين تدوسان علي كتفيه:
ـ رياسة إيه؟
عاد صاحبنا، في تأن بالغ، بصدره في كرسيه إلي الوراء.
بنفس الايقاع خففت اليدان الثقيلتان ضغطهما علي كتفيه.
أسند الموظف المختص رأسه إلي يديه علي مكتبه خلف الصندوق الزجاجي. استمر في جلسته مشلولاً لساناً وأطرافاً، بل مسخوطاً حجراً.
تثاءب الطويل. رمق القصير من جنب عينه. تحرك من وضع الاسترخاء إلي طرف الكرسي. كتم القصير تثاؤبه بيده في فمه.
رن جرس التليفون. رفع الموظف المختص السماعة. قال:
ـ حاضر.
وضع السماعة. اشرأب الثلاثة: رجلا الأمن وصاحبنا في جلستهم نحو الموظف المختص. رفع رأسه. صادت عيناه شعاعاً أرجوانياً. قطب جبينه للفجر الذي حضر باسماً دون سبب أمام مبني الجريدة مما قد يحمله مسؤولية أدبية أمام الثلاثة عن تأخيرهم علي هذا النحو حتي طلوع النهار. لكنه هز كتفيه عندما تذكر أن وضعه ليس أفضل كثيراً من وضعهم. عاد كي يرفرف بذراعيه كفرخ صغير أنعشته فكرة تسليم جناحيه للريح. أعلن بصوت رصاصي جاد:
ـ خلاص.
صاح الثلاثة:
ـ هو إيه؟
ـ خلاص السؤال ح يلاقي جوابه.
ـ إزاي؟
رد الموظف المختص:
ـ نائب الرئيس خد الحرس بتاعه، وراح لـ الزعيم الملهم الراحل للتو في مقبرته علي إيدك الشمال وانت رايح، يصحوه يسألوه: هل يجوز ولا ما يجوزشي لجريدة يومية تنشر نعي لفخامتك بعد ما توفيت بـ24ساعة إلي جماهير الأمة.
كاتب من مصر